Site icon Palestinealyoum

آيزنكوت ونتنياهو.. متنافسان اتفقا على الحرب والإبادة

آيزنكوت ونتنياهو.. متنافسان اتفقا على الحرب والإبادة

المركز الفلسطيني للإعلام

لا يقتصر التنافس بين رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ومنافسه غادي آيزنكوت على الصراع من أجل الوصول إلى رئاسة الحكومة، بل يكشف عن أزمة أعمق داخل المنظومة السياسية الإسرائيلية، تتعلق بكيفية إدارة الحرب على الفلسطينيين، ومستقبل قطاع غزة، وحدود المشروع الاستيطاني، وتداعيات الإخفاقات الأمنية والسياسية التي أعقبت السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وبينما يقدم آيزنكوت نفسه بوصفه بديلًا قادرًا على إخراج إسرائيل من أزمتها، وإنهاء ما يعتبره إخفاقًا استراتيجيًا لنتنياهو، فإن مواقفه المعلنة تكشف عن تقاطعات أساسية مع رئيس الحكومة في ملفات المقاومة الفلسطينية، ونزع السلاح، والسيطرة الأمنية الإسرائيلية، ورفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وتتمثل المفارقة في أن التغيير الذي يعد به آيزنكوت لا يقوم على مراجعة جوهر السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، بقدر ما يستهدف تغيير طريقة إدارتها، وتحويل القوة العسكرية إلى نتائج سياسية وأمنية أكثر وضوحًا، وتقليص الأثمان التي ترتبت على سياسات حكومة نتنياهو، سواء على المستوى الداخلي أو في علاقات إسرائيل الدولية.

وفي هذا السياق، يطرح التنافس بين الرجلين سؤالًا جوهريًا: هل يؤدي رحيل نتنياهو إلى تغيير حقيقي في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، أم أن التغيير سيقتصر على القيادة والائتلاف الحاكم، فيما تبقى الأهداف الأساسية للحرب والاحتلال والاستيطان قائمة؟

غزة.. خلاف على النتائج لا على جوهر الأهداف

يشكل قطاع غزة المحور الأبرز في المقارنة بين نتنياهو وآيزنكوت، في ظل استمرار تداعيات حرب الإبادة التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما خلفته من قتل ودمار واسع النطاق، وانهيار في قطاعات حيوية، وأزمة إنسانية غير مسبوقة.

وعلى الرغم من مرور سنوات على اندلاع الحرب، فإن نتنياهو لم يتمكن من تحقيق هدف إنهاء حكم حركة (حماس)، الذي وضعه ضمن الأهداف المركزية للعملية العسكرية الإسرائيلية، كما لم ينجح استمرار العمليات العسكرية في فرض واقع سياسي وأمني مستقر وفق الشروط الإسرائيلية المعلنة.

ومن هنا، يحاول آيزنكوت استثمار هذا الإخفاق في حملته الانتخابية، مقدمًا نفسه باعتباره قائدًا عسكريًا سابقًا يمتلك الخبرة اللازمة لإنجاز ما عجزت عنه حكومة نتنياهو.

وفي خطاب ألقاه قرب حدود قطاع غزة في 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، تعهد آيزنكوت بألا تبقى حماس في الحكم خلال 18 شهرًا من توليه رئاسة الحكومة، مؤكدًا أن حكومته ستعمل على تدمير جناحها العسكري، سواء من خلال ترتيبات تستند إلى خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أو عبر استخدام القدرات العسكرية والعملياتية الإسرائيلية.

وقال آيزنكوت إن استمرار حكم حماس يمثل خسارة لإسرائيل، معتبرًا أن إنهاء هذا الواقع سيكون هدفًا رسميًا لحكومته. ونقلت وكالة رويترز عنه هذا التعهد في تقرير مصور نشرته في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

ولا يطرح هذا الموقف اختلافًا جذريًا عن استراتيجية نتنياهو من حيث الغاية الأساسية، وإنما يركز على كيفية تحقيقها. فنتنياهو يربط الانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزة بنزع سلاح حماس، فيما يتعهد آيزنكوت بإنهاء حكم الحركة خلال مدة زمنية محددة، مع إبقاء الخيار العسكري مطروحًا لتحقيق ذلك.

وهنا يظهر الفارق بين الرجلين في إدارة الحرب: نتنياهو يتبنى سياسة تقوم على استمرار الضغط العسكري والسيطرة الأمنية إلى حين تحقيق الشروط التي يضعها، بينما يحاول آيزنكوت إقناع الناخب الإسرائيلي بأن القيادة الأكثر كفاءة تستطيع الوصول إلى النتيجة نفسها خلال إطار زمني واضح.

لكن تحديد موعد لإنهاء حكم حماس لا يمثل، بحد ذاته، خطة متكاملة لإنهاء الحرب أو معالجة آثارها. فالتعهد لا يوضح بصورة كافية طبيعة السلطة التي ستتولى إدارة غزة، ولا مصير السيطرة العسكرية الإسرائيلية، ولا الضمانات المتعلقة بالانسحاب وإعادة الإعمار، ولا الآليات التي ستمنع تجدد العمليات العسكرية.

وبالنسبة للفلسطينيين، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يحكم القطاع، بل بمن يمتلك القرار السياسي والأمني فيه، وما إذا كان أي ترتيب مقبل سيضمن إنهاء الاحتلال والعدوان، أم سيعيد إنتاج السيطرة الإسرائيلية بصيغة مختلفة.

نزع السلاح.. الشرط الذي يهدد بإبقاء الحرب مفتوحة

يحتل نزع سلاح المقاومة موقعًا مركزيًا في تصورات نتنياهو وآيزنكوت لمستقبل غزة، وهو ما يجعل الخلاف بينهما محدودًا عندما يتعلق الأمر بالشروط الإسرائيلية المسبقة للانسحاب.

فنتنياهو يصر على نزع سلاح حماس قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل، ويربط إعادة الإعمار بتحقيق متطلبات أمنية وسياسية تحددها حكومته. أما آيزنكوت، فيؤيد تنفيذ خطة ترمب المتعلقة بمرحلة ما بعد الحرب، لكنه يشدد على أن الانتقال إلى ترتيبات الحكم المدني وإعادة الإعمار يجب أن يأتي بعد نزع سلاح حماس.

وفي مقابلة مع صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أكد آيزنكوت أنه سيعمل على تنفيذ الخطة الأميركية، لكنه اشترط نزع سلاح حماس بصورة كاملة، وربط بذلك استعادة الإدارة المدنية وإدخال قوة استقرار متعددة الجنسيات وبدء إعادة الإعمار.

وتكشف هذه الشروط عن إشكالية أساسية في التصورات المطروحة: إذ يجري تقديم نزع السلاح باعتباره مدخلًا لإعادة الإعمار وإنهاء الحرب، في حين يظل الانسحاب الإسرائيلي الكامل مرتبطًا بتحقيق هذا الشرط مسبقًا.

ومن شأن هذا الترتيب أن يفتح الباب أمام استمرار الخلاف حول التسلسل الزمني للتنفيذ، والجهة التي ستحدد مدى الالتزام بالشروط، والضمانات التي تمنع استخدام تعثر المفاوضات ذريعة لاستئناف العمليات العسكرية.

كما أن إعادة الإعمار ليست مسألة فنية منفصلة عن الصراع السياسي؛ فهي ترتبط بحرية الحركة، وفتح المعابر، ودخول مواد البناء، وعودة النازحين، وإعادة تشغيل المؤسسات، وتوفير الحماية للمدنيين. ولذلك، فإن ربطها بشروط أمنية غير محددة زمنيًا قد يجعلها رهينة للمفاوضات والتقديرات العسكرية الإسرائيلية.

ولا يعني ذلك أن نتنياهو وآيزنكوت يتبنيان خطة واحدة في جميع تفاصيلها، لكنه يوضح أن كليهما يجعل المطالب الأمنية الإسرائيلية نقطة الانطلاق الأساسية لتحديد مستقبل القطاع، بدلًا من البدء بضمانات واضحة لإنهاء الاحتلال واستعادة الفلسطينيين قدرتهم على إدارة شؤونهم.

لماذا يراهن آيزنكوت على 18 شهرًا؟

يحمل التعهد بإنهاء حكم حماس خلال 18 شهرًا بعدًا انتخابيًا واضحًا، لأنه يحول الحرب من ملف مفتوح إلى وعد محدد يمكن للناخب الإسرائيلي محاسبة صاحبه عليه.

فنتنياهو يواجه انتقادات بسبب عدم تحقيق الأهداف المعلنة للحرب، رغم الدمار الواسع الذي تعرض له قطاع غزة، واستمرار العمليات العسكرية لسنوات. ويستثمر آيزنكوت هذه الفجوة ليقدم نفسه باعتباره قادرًا على الربط بين العمليات العسكرية والنتائج السياسية.

غير أن تحديد إطار زمني لا يضمن تحقيق الهدف، ولا يوضح بالضرورة الأدوات التي ستستخدمها الحكومة المقبلة، أو الكلفة الإنسانية المترتبة عليها، أو ما إذا كان تنفيذ التعهد سيؤدي إلى وقف الحرب أم إلى مرحلة جديدة منها.

فآيزنكوت يطرح مسارين لتحقيق هدفه: تنفيذ ترتيبات تستند إلى الخطة الأميركية، أو اللجوء إلى القوة العسكرية لتدمير الجناح العسكري لحماس. ويعني ذلك أن الخيار العسكري يظل حاضرًا حتى في التصور الذي يقدمه بوصفه بديلًا عن إدارة نتنياهو.

كما أن نجاح أي خطة تتعلق بمستقبل غزة لا يتوقف على القدرات العسكرية وحدها، بل يتطلب ترتيبات سياسية وإدارية، وتوافقات إقليمية ودولية، وقدرة على التعامل مع احتياجات أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في القطاع.

ولذلك، فإن الاختبار الحقيقي لتعهد آيزنكوت لا يكمن في المدة التي حددها فقط، بل في طبيعة النتيجة التي يريد الوصول إليها: هل ستكون غزة منطقة خاضعة لإدارة فلسطينية مستقلة القرار، أم كيانًا محكومًا بشروط أمنية إسرائيلية، مع استمرار السيطرة على حدوده ومجاله الأمني؟

الدولة الفلسطينية.. اتفاق يتجاوز الخلافات الانتخابية

إذا كان قطاع غزة يكشف عن التقارب بين الرجلين في إدارة الحرب، فإن الموقف من الدولة الفلسطينية يكشف عن أحد أعمق أوجه الاتفاق بينهما.

فنتنياهو يرفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ويتمسك بما يصفه بالسيطرة الأمنية الإسرائيلية على المنطقة الممتدة بين نهر الأردن والبحر المتوسط. وفي المقابل، أعلن آيزنكوت أن مبدأ «دولتين لشعبين» يمثل خطأ، ورفض التصور القائم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل.

وفي تصريحات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية في أغسطس/آب الماضي، وصف آيزنكوت الاعتقاد بإمكان تطبيق حل الدولتين بعد أحداث السابع من أكتوبر بأنه تصور غير واقعي، بالتزامن مع انتقاده مشروعات استيطانية بعينها في الضفة الغربية.

وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة في ظل استمرار المجتمع الدولي في طرح حل الدولتين باعتباره أحد المسارات الرئيسية لإنهاء الصراع، على أساس قيام دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي المحتلة عام 1967، وعاصمتها “القدس الشرقية”.

لكن رفض آيزنكوت لهذا الحل يعني أن وصوله إلى السلطة لن يؤدي تلقائيًا إلى تبني المقاربة الدولية، حتى لو شهدت حكومته تغيرًا في أسلوب التعامل مع الاستيطان أو في علاقاتها الخارجية.

والأهم أن رفض الدولة الفلسطينية لا يقتصر على خلاف بشأن الحدود أو الترتيبات الأمنية، بل يطرح سؤالًا يتعلق بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وفي امتلاك سلطة سياسية ذات سيادة على أرضهم.

فحين يتمسك طرف بالسيطرة الأمنية الإسرائيلية الدائمة، ويرفض في الوقت نفسه إقامة دولة فلسطينية مستقلة، فإن أي تصور سياسي يطرحه يصبح مطالبًا بتوضيح الوضع النهائي للفلسطينيين، وحدود سلطتهم، ومصير الأراضي المحتلة، وطبيعة العلاقة بينهم وبين إسرائيل.

ومن هنا، فإن التنافس بين نتنياهو وآيزنكوت لا يقدم، وفق مواقفهما المعلنة، بديلين متناقضين في مسألة الدولة الفلسطينية، بل يعكس اختلافًا في إدارة الواقع القائم، مع استمرار رفض أحد أبرز المطالب الوطنية الفلسطينية.

الضفة الغربية.. خلاف حقيقي بشأن الاستيطان

على الرغم من التقارب في الموقف من الدولة الفلسطينية، فإن الخلافات بين الرجلين تبدو أكثر وضوحًا في ملف الاستيطان بالضفة الغربية المحتلة.

فحكومة نتنياهو تعتمد على ائتلاف يضم قوى يمينية متطرفة، من بينها حزبا بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، اللذان يدعمان ضم الأراضي الفلسطينية وتوسيع الاستيطان. وقد شهدت الضفة خلال السنوات الأخيرة توسعًا استيطانيًا، إلى جانب تصاعد الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين.

أما آيزنكوت، فيعلن تأييده للاستيطان ضمن ما يعتبره الأطر القانونية الإسرائيلية، لكنه يعارض البؤر الاستيطانية غير المرخصة، ويدعو إلى وقف اعتداءات المستوطنين، كما انتقد خطة البناء في منطقة «E1».

وتكتسب هذه المنطقة أهمية استراتيجية بسبب موقعها بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، إذ إن توسيع الاستيطان فيها يمكن أن يقطع التواصل الجغرافي الفلسطيني بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، ويزيد من عزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني.

وقد وصف آيزنكوت مشروع «E1» بأنه خطأ يضر بمكانة إسرائيل الدولية، في موقف يتقاطع مع انتقادات دولية للمشروع بسبب تداعياته على فرص قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.

ولا ينبغي التقليل من أهمية هذه الفروق؛ فمعارضة مشروع استيطاني محدد أو اتخاذ إجراءات جدية لوقف اعتداءات المستوطنين يمكن أن يحد من أضرار فعلية يتعرض لها الفلسطينيون. كما أن اختلاف تركيبة الحكومة قد يؤثر في قرارات البناء والضم وفي طبيعة التعامل مع البؤر الاستيطانية.

لكن هذا الاختلاف لا يعني أن آيزنكوت يعارض الاستيطان من حيث المبدأ، أو أنه يتبنى برنامجًا لإنهاء الاحتلال وإخلاء المستوطنات. فهو يعلن تأييده للاستيطان، ويرفض الدولة الفلسطينية، ويتمسك بالسيطرة الأمنية الإسرائيلية على الأراضي الواقعة بين النهر والبحر.

وبذلك، فإن الخلاف لا يدور حول شرعية المشروع الاستيطاني من منظور الحقوق الفلسطينية والقانون الدولي، بقدر ما يتعلق بحدود التوسع، وأسلوب إدارته، والتداعيات السياسية والدبلوماسية التي قد تترتب عليه.

المستوطنون.. بين حماية الفلسطينيين وضبط صورة الاحتلال

يمثل تصاعد اعتداءات المستوطنين أحد الملفات التي يحاول آيزنكوت توظيفها لإبراز اختلافه عن حكومة نتنياهو.

فقد تعهد باتخاذ إجراءات ضد الاعتداءات التي تستهدف القرى والمنازل الفلسطينية، مؤكدًا ضرورة فرض القانون على من ينفذون أعمال العنف. كما ربط بعض سياساته المقترحة في الضفة الغربية بالمصلحة الإسرائيلية، وليس بمجرد الاستجابة لمطالب دولية.

وتكشف هذه الصياغة عن فارق مهم في منطلقات الرجلين. فآيزنكوت يرى أن استمرار اعتداءات المستوطنين والمضي في مشروعات استيطانية مثيرة للجدل قد يضر بمكانة إسرائيل ومصالحها، فيما تعتمد حكومة نتنياهو على ائتلاف يمنح القوى الاستيطانية المتشددة نفوذًا واسعًا في صنع القرار.

لكن المعيار الفعلي لأي تغيير لا ينبغي أن يقتصر على التصريحات، بل على الإجراءات التي تتخذها الحكومة: هل ستمنع الاعتداءات؟ وهل ستضمن محاسبة المسؤولين عنها؟ وهل ستوقف التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي والتهجير؟

فالحديث عن ضبط المستوطنين لا يساوي بالضرورة إنهاء السياسات التي تتيح التوسع الاستيطاني أو تكرس السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية.

كما أن حماية الفلسطينيين من الاعتداءات لا ينبغي أن تكون مجرد أداة لتحسين صورة إسرائيل دوليًا، بل التزامًا فعليًا بإنهاء الانتهاكات وضمان الحقوق والأمن للسكان الواقعين تحت الاحتلال.

إيران.. تقارب في تحديد الخطر واختلاف في إدارة المواجهة

يحتل الملف الإيراني مكانة أساسية في التصورات الأمنية لكل من نتنياهو وآيزنكوت، إذ ينظر الطرفان إلى البرنامج النووي الإيراني وإلى علاقات طهران بالقوى الإقليمية بوصفها تحديًا استراتيجيًا لإسرائيل.

لكن التنافس بينهما لا يعني تطابقًا كاملًا في وسائل التعامل مع هذا التحدي، أو في تقدير العلاقة بين الإنجازات العسكرية والأهداف السياسية بعيدة المدى.

ويحاول آيزنكوت تقديم نفسه باعتباره قائدًا قادرًا على تحويل الإنجازات العملياتية إلى نتائج استراتيجية، مستفيدًا من خلفيته رئيسًا سابقًا لأركان جيش الاحتلال. وفي المقابل، يستند نتنياهو إلى خبرته السياسية الطويلة، ويضع مواجهة إيران ضمن أبرز مبررات نهجه الأمني.

وتشير هذه المقارنة إلى أن التغيير المحتمل في القيادة قد يؤثر في أسلوب إدارة المواجهة الإقليمية، وفي مستوى التنسيق مع الولايات المتحدة، وفي طريقة تقدير مخاطر التصعيد، لكنه لا يعني بالضرورة تغيير النظرة الإسرائيلية الأساسية إلى إيران.

كما أن هذه الحسابات الإقليمية ترتبط بالملف الفلسطيني؛ إذ يمكن أن تنعكس التطورات العسكرية على غزة ولبنان وساحات أخرى، في حين تظل القضية الفلسطينية نفسها خاضعة إلى حد كبير لمنطق الأمن الإسرائيلي في تصورات الرجلين.

التحالفات الحكومية.. هل يستطيع آيزنكوت تنفيذ وعوده؟

لا تتحدد السياسات الإسرائيلية ببرنامج رئيس الحكومة وحده، بل تتأثر بتركيبة الائتلاف الذي يستطيع تشكيله، وبالأحزاب التي تمنحه الأغلبية اللازمة للحكم.

ويعتمد نتنياهو على أحزاب يمينية ودينية متشددة، تمنحه دعمًا سياسيًا لاستمرار سياساته، لكنها تفرض عليه أيضًا شروطًا تتعلق بالاستيطان والضم والإعفاءات من الخدمة العسكرية لطلاب المعاهد الدينية.

أما آيزنكوت، فيسعى إلى تشكيل ائتلاف بديل يضم قوى من اليمين والوسط ويسار الوسط، ويقدم نفسه بوصفه قادرًا على إعادة بناء توافق سياسي داخلي أوسع.

غير أن تشكيل مثل هذا الائتلاف لا يضمن تلقائيًا تغيير السياسات تجاه الفلسطينيين، لأن الأحزاب التي قد تشارك فيه تختلف في مواقفها من الاستيطان، والدولة الفلسطينية، ومستقبل غزة، وطبيعة العلاقة مع الأحزاب العربية.

وبحسب تقرير لرويترز في 22 أكتوبر/تشرين الأول، فإن آيزنكوت ونتنياهو لا يؤيدان تشكيل حكومة مع الأحزاب التي تمثل أساسًا المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل. كما أن الحزب اليهودي البارز الذي يدعم حل الدولتين بصورة واضحة هو حزب الديمقراطيين، وهو ما يبرز محدودية مساحة التأييد لهذا الحل داخل المعسكرات الرئيسية.

وتضع هذه المعطيات آيزنكوت أمام معادلة صعبة: فهو يحتاج إلى ائتلاف قادر على إنهاء حكم نتنياهو، لكنه قد يضطر إلى تقديم تنازلات لشركائه، أو إلى تبني مواقف لا تختلف كثيرًا عن السياسات القائمة في القضايا الفلسطينية.

كما أن أي خلاف بين مكونات الائتلاف بشأن غزة أو الاستيطان أو العلاقة مع الولايات المتحدة قد يحد من قدرة الحكومة على تنفيذ تعهداتها، حتى لو امتلك رئيسها رؤية مختلفة عن رؤية نتنياهو.

ولهذا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما يقوله آيزنكوت في حملته، بل بمدى قدرته على تحويل تلك التصريحات إلى قرارات ملزمة، وبالحدود التي سيرسمها شركاؤه لسياساته.

الأزمة الداخلية الإسرائيلية.. لماذا يريد آيزنكوت استبدال نتنياهو؟

تأتي المنافسة في سياق أزمة سياسية وأمنية داخل إسرائيل، تعمقت بعد هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما كشفه من إخفاقات في التقدير والاستخبارات والاستعداد والقيادة.

ويحمّل آيزنكوت نتنياهو مسؤولية الإخفاق في تحقيق أهداف الحرب، ويقدم تغيير القيادة باعتباره خطوة ضرورية لاستعادة الثقة بالمؤسسات الأمنية والسياسية.

وتساعد خلفيته العسكرية على تعزيز صورته لدى قطاعات من الناخبين الذين يرون أن الأزمة تحتاج إلى قيادة ذات خبرة أمنية، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام اختبار يتعلق بقدرته على تقديم نتائج سياسية، لا الاكتفاء بوعود العمليات العسكرية.

فالحرب لا تُقاس فقط بحجم القوة المستخدمة أو عدد العمليات المنفذة، وإنما بمدى القدرة على تحقيق أهداف محددة، وتجنب الاستنزاف طويل الأمد، ومنع تجدد الصراع، وتوفير ترتيبات سياسية قابلة للاستمرار.

ومن هذه الزاوية، يحاول آيزنكوت تقديم نفسه بوصفه بديلًا عن قيادة أخفقت في تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة استراتيجية واضحة. لكنه لا يطرح، في مواقفه المعلنة بشأن الفلسطينيين، مراجعة شاملة للأهداف التي تقوم عليها السياسة الإسرائيلية.

وبذلك، فإن التغيير الذي يدعو إليه يرتبط أساسًا بمساءلة القيادة الحالية وتحسين إدارة الدولة والحرب، وليس بالضرورة بإعادة النظر في منظومة الاحتلال أو الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية.

العلاقات الدولية.. هل يغير البديل صورة إسرائيل؟

أحد الفروق المحتملة بين الرجلين يتعلق بطريقة إدارة العلاقات الخارجية، ولا سيما مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية التي تنتقد التوسع الاستيطاني واستمرار الحرب وتدهور الوضع الإنساني في غزة.

فقد أضر استمرار الحرب والدمار الواسع في القطاع بصورة إسرائيل الدولية، ورفع مستوى الضغوط السياسية والدبلوماسية عليها. كما أدى التوسع الاستيطاني والاعتداءات في الضفة الغربية إلى تعميق الخلافات مع أطراف دولية تتمسك بحل الدولتين.

ويحاول آيزنكوت تقديم نفسه بوصفه قادرًا على إعادة تحسين علاقات إسرائيل الدولية، من خلال قيادة أكثر انضباطًا في إدارة الملفات الأمنية، والحد من السياسات التي تضع الحكومة في مواجهة مع حلفائها.

لكن تحسين العلاقات الخارجية لا يعني بالضرورة تغيير السياسة تجاه الفلسطينيين. فقد تتمكن حكومة جديدة من تخفيف التوتر الدبلوماسي، وإعادة بناء قنوات التواصل، وتحسين صورتها لدى بعض الدول، مع استمرار رفض الدولة الفلسطينية والإصرار على نزع سلاح المقاومة قبل الانسحاب من غزة.

وتكمن أهمية هذا البعد في أن الضغوط الدولية لا تتحول تلقائيًا إلى تغيير على الأرض؛ إذ يتوقف أثرها على القرارات السياسية، وعلى مدى استعداد الحكومات لوقف الاستيطان والعدوان، واحترام القانون الدولي، وضمان الحقوق الفلسطينية.

وعليه، فإن تغيير القيادة الإسرائيلية قد يفتح الباب أمام أسلوب مختلف في التعامل مع الخارج، لكن المعيار الأساسي يبقى ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى تغيير ملموس في حياة الفلسطينيين وواقعهم السياسي والإنساني.

ما الذي يعنيه التنافس للفلسطينيين؟

بالنسبة للفلسطينيين، لا يمكن تقييم التنافس بين نتنياهو وآيزنكوت بمعزل عن النتائج التي قد تترتب عليه في غزة والضفة الغربية والقدس.

ففي غزة، يتمثل الاختبار في وقف القتل والتدمير، وضمان الانسحاب الإسرائيلي، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات، وبدء إعادة الإعمار، وإنهاء الشروط التي تحول دون استعادة الحياة الطبيعية. ولا يكفي التعهد بتغيير الإدارة السياسية للقطاع إذا بقيت السيطرة العسكرية الإسرائيلية قائمة أو ظلت الحرب خيارًا مطروحًا.

وفي الضفة الغربية، يتصل الاختبار بوقف التوسع الاستيطاني، ومنع تهجير الفلسطينيين، ومحاسبة المعتدين، ووقف مصادرة الأراضي، والحفاظ على التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية.

أما على المستوى السياسي، فإن المعيار الأوسع يتمثل في الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، بدلًا من إبقاء مستقبله مرتبطًا بترتيبات أمنية تحددها إسرائيل من طرف واحد.

ومن هنا، فإن رحيل نتنياهو، إذا حدث، قد يغير طبيعة الائتلاف الحاكم، ويحد من نفوذ بعض القوى اليمينية المتطرفة، ويؤثر في أسلوب إدارة الاستيطان والعلاقات الدولية. لكنه لا يضمن وحده تحولًا جذريًا في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.

كما أن استمرار نتنياهو في الحكم لا يعني أن جميع أدوات السياسة الإسرائيلية ستبقى ثابتة، إذ تتأثر القرارات أيضًا بالضغوط الأميركية، والتوازنات الداخلية، والواقع الميداني، والقدرة على تشكيل ائتلاف مستقر.

والأهم أن الفلسطينيين لا ينبغي أن يقيسوا التغيير بأسماء القادة أو الشعارات الانتخابية، بل بما يحدث على الأرض: هل يتوقف العدوان؟ هل تنتهي السيطرة العسكرية؟ هل يتوقف الاستيطان والتهجير؟ وهل يصبح قيام الدولة الفلسطينية حقًا قابلًا للتحقق، بدلًا من أن يبقى مطلبًا ترفضه القوى الرئيسية المتنافسة على الحكم؟

تغيير في القيادة أم في السياسة؟

تكشف المقارنة بين نتنياهو وآيزنكوت عن وجود خلافات حقيقية في أسلوب الحكم وإدارة الاستيطان والعلاقة مع القوى اليمينية المتطرفة، كما تكشف عن تقاطعات أساسية في ملفات غزة ونزع سلاح المقاومة ورفض الدولة الفلسطينية.

ولا يعني ذلك أن الرجلين متطابقان في كل المواقف أو أن وصول آيزنكوت إلى السلطة لن يترك أي أثر؛ فقد يؤدي تغير الحكومة إلى الحد من بعض السياسات الاستيطانية، أو إلى وقف إجراءات معينة، أو إلى إعادة ترتيب العلاقة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

لكن هذه التغييرات المحتملة تظل مختلفة عن التحول الجذري في السياسة تجاه الفلسطينيين، الذي يتطلب إنهاء الاحتلال والعدوان والاستيطان، والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

وفي غزة تحديدًا، يكشف تعهد آيزنكوت بإنهاء حكم حماس خلال 18 شهرًا أن التنافس لا يدور حول التخلي عن الأهداف العسكرية الإسرائيلية، بل حول من يستطيع تحقيقها، وبأي وسائل، وضمن أي إطار زمني.

وهكذا، فإن جوهر المنافسة بين الرجلين يتمثل في صراع على قيادة إسرائيل وإدارة أزماتها، لا في مواجهة واضحة بين مشروعين متناقضين بشأن مستقبل الفلسطينيين. وبينما يسعى نتنياهو إلى الاحتفاظ بالسلطة مستندًا إلى ائتلافه اليميني، يقدم آيزنكوت نفسه بديلًا أكثر انضباطًا وكفاءة، لكنه لا يتبنى، وفق مواقفه المعلنة، مشروعًا للاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة.

وبالنسبة للفلسطينيين، فإن الاختبار الحقيقي لأي قيادة إسرائيلية مقبلة لن يكون في قدرتها على تغيير صورة الاحتلال أو تحسين إدارته، بل في استعدادها لإنهاء الاحتلال نفسه، ووقف العدوان، وضمان الحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني.

Exit mobile version