
القدس المحتلة – المركز الفلسطيني للإعلام
تدخل مدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك خلال شهر سبتمبر المقبل واحداً من أكثر مواسم العام حساسية، مع تتابع الأعياد اليهودية الكبرى التي تبدأ برأس السنة العبرية، مروراً بيوم الغفران، وصولاً إلى عيد العرش الذي تمتد أيامه الأولى إلى مطلع أكتوبر القادم.
ويأتي موسم الأعياد هذا العام في ظل تصعيد متواصل داخل المسجد الأقصى، وإجراءات صهيونية متطرفة تغير بشكل كبير في الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد، بينما تنظر جماعات “الهيكل” إلى هذه المناسبات والأعياد باعتبارها محطات لتكثيف التهويد وتنفيذ مخططات الاستيلاء والسيطرة.
سبتمبر.. ثلاث محطات رئيسية
يبدأ موسم الأعياد الكبرى في سبتمبر مع “روش هاشانا”، رأس السنة العبرية، مساء الجمعة 11 سبتمبر، ويستمر حتى مساء الأحد 13 سبتمبر.
ويمثل هذا العيد بداية السنة العبرية الجديدة، ويأتي هذا العام في وقت تتزايد فيه الدعوات من جماعات يهودية متطرفة لتكثيف الوجود في المسجد الأقصى خلال المواسم الدينية.
بعد أسبوع تقريباً، يحل يوم الغفران، الذي يبدأ مساء الأحد 20 سبتمبر وينتهي مساء الاثنين 21 سبتمبر.
ويُعد يوم الغفران أقدس أيام السنة اليهودية، ويتميز بالصيام والصلوات، ما يجعله من أكثر الأيام حساسية في القدس، خصوصاً في ظل التداخل بين المناسبات الدينية وإجراءات الشرطة الإسرائيلية في المدينة.
أما عيد العرش “سوكوت”، فيبدأ مساء 25 سبتمبر ويستمر حتى 2 أكتوبر، ليكون أطول أعياد سبتمبر وأكثرها امتداداً زمنياً.
وبذلك، فإن الجزء الأكبر من النصف الثاني من سبتمبر سيكون واقعاً ضمن موسم تهويدي يهودي متواصل، الأمر الذي يرفع منسوب الترقب في القدس، ولا سيما في المسجد الأقصى ومحيطه.
ممارسات ووقائع تُفرض
وباتت مواسم أعياد اليهود شاهدة على التطور الأخطر خلال السنوات الأخيرة، والذي لا يرتبط فقط بأعداد المقتحمين، وإنما بطبيعة الممارسات التي ترافق الاقتحامات.
فالمشهد الذي كان يقتصر في السابق على دخول مجموعات من المستوطنين إلى ساحات المسجد تحت حماية الشرطة، بات يتضمن صراحة أداء طقوس وصلوات وإدخال رموز ومواد دينية يهودية إلى المسجد الأقصى المبارك.
الباحث في شؤون القدس والأقصى علي إبراهيم، قال في تصريحات صحفية، إن سلطات الاحتلال وأذرعه المتطرفة صعدت من عدوانها على المسجد الأقصى، ساعية إلى تثبيت الوجود اليهودي فيها والمضي قدما نحو تقسيم المسجد مكانيا.
وبين أن منظمات الهيكل المتطرفة تتعامل مع المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى باعتبارها المكان المناسب لإقامة كنيس أو أي شكل آخر من أشكال الحيز المكاني الذي يستوعب الوجود اليهودي في هذه المنطقة، إضافة إلى مصلى باب الرحمة.
ويربط الباحث بين العدوان على باب مصلى باب الرحمة وعلى مقبرة الرحمة الملاصقة لسور الأقصى، مشيرا إلى التراكم التاريخي للعدوان على هذه المنطقة ابتداء من محاولات إبقاء المصلى مغلقا مرورا بمنع المصلين والمرابطين من إخراج الركام الموجود في الساحات الشرقية وصولا إلى المرحلة الحالية التي يسعى عبرها الاحتلال إلى إفراغ المصلى مجددا وإعادة إغلاقه، بالتوازي مع محاولاته السيطرة على عدد من المواضع داخل المسجد.
ومن خلال ما يسميه “مروحة” كبيرة من الإجراءات والاعتداءات، يؤكد “إبراهيم” أن الاحتلال يسعى إلى تثبيت الوجود اليهودي في الأقصى، وذكر من تلك الإجراءات الأداء العلني المستمر للطقوس اليهودية في الجهة الشرقية خلال الاقتحامات شبه اليومية كأداء السجود الملحمي الكامل، منع المرابطين والمصلين من الوجود الكامل شرقي المسجد في مصلى باب الرحمة، إصدار قرارات إبعاد بحق المصلين، اقتحام المصليات ومحاولة إفراغها من محتوياتها وتخريب شبكات الكهرباء داخلها.
وأكد أن شرطة الاحتلال تقوم بدور “رأس الحربة” في تطبيق هذه المخططات الكبرى التي ترمي إلى تغيير هوية المسجد الأقصى وتحقيق الإحلال الديني اليهودي بشكل كامل في ساحاته الشرقية.
مخاوف وتحذيرات
من جهتها حذرت دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير، من قرار السماح بإدخال كتب الصلاة اليهودية الكاملة وإقامة صلوات علنية ومنظمة داخل باحات الأقصى.
واعتبرت الدائرة، في بيان لها منتصف شهر أغسطس الجاري، أن الخطوة تمثل تصعيداً نوعياً وخطيراً يستهدف الوضع التاريخي والقانوني القائم، ورأت أنها تأتي ضمن مسار يبدأ بالطقوس الصامتة ويتطور إلى تنظيم الطقوس الجماعية، بما قد يؤدي إلى فرض واقع جديد داخل المسجد.
ودعت الدائرة مجلس الأمن والأمم المتحدة واليونسكو إلى اتخاذ موقف بشأن هذه الإجراءات، مؤكدة أن المسجد الأقصى، بمساحته البالغة 144 دونماً، مسجد إسلامي خالص وفق الموقف الفلسطيني
وهكذا، لا يبدو سبتمبر في القدس مجرد شهر عادي، بل محطة مفصلية يُختبر فيها مستقبل المسجد الأقصى والوضع القائم فيه، فمع كل موسم أعياد، تتجدد المخاوف من أن تتحول الاقتحامات والصلوات والطقوس إلى خطوات متراكمة تُعيد رسم المشهد داخل المسجد ومحيطه، بحيث يصبح الاستثناء ممارسة، والممارسة واقعاً، والواقع أمراً يصعب تغييره.
وبينما تتعالى التحذيرات الفلسطينية من مخاطر تحويل الأعياد إلى بوابة لفرض وقائع تهويدية جديدة، يبقى الأقصى أمام أسابيع خطيرة قد ترسم حدوداً جديدة للصراع على هوية المسجد ومستقبله، فالمعركة لم تعد تدور حول عدد المقتحمين فحسب، بل حول من يحدد قواعد الحضور والصلاة والسيادة داخل الأقصى.

