Site icon Palestinealyoum

أهم محطات تاريخ القدس المعاصر وصراع السيادة

خاص المركز الفلسطيني للإعلام

لم تكن القدس في التاريخ الفلسطيني المعاصر مجرد مدينة تعرضت للاحتلال، بل كانت ميداناً مكثفاً لمحاولة اقتلاع شعب من ذاكرته ومكانه وحقه السياسي. وعند قراءة أهم محطات تاريخ القدس المعاصر، تتضح حقيقة ثابتة: كل مشروع لفرض السيادة الإسرائيلية على المدينة اصطدم بإرادة فلسطينية جعلت من القدس عنواناً للهوية الوطنية والدينية، لا ملفاً قابلاً للمقايضة أو الإغلاق.

النكبة وتقسيم المدينة عام 1948

شكّل عام 1948 بداية التحول الأخطر في واقع القدس الحديث. فمع النكبة وتهجير مئات آلاف الفلسطينيين، استولت العصابات الصهيونية على القدس الغربية، وارتكبت مجازر وعمليات طرد واسعة في القرى والأحياء المحيطة بها. لم يكن الأمر نتيجة جانبية للحرب، بل جزءاً من مشروع واضح لإفراغ الأرض من أهلها وإعادة رسمها بقوة السلاح.

انقسمت المدينة بعد ذلك إلى شطرين: القدس الغربية تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي، وشرقي القدس بما فيها البلدة القديمة والمسجد الأقصى تحت الإدارة الأردنية. ترك هذا التقسيم جرحاً عميقاً في حياة المقدسيين، إذ فُصلت العائلات عن بيوتها وأراضيها وأماكن عملها، وتحولت خطوط الهدنة إلى حواجز تمزق النسيج الاجتماعي للمدينة.

ومع ذلك، بقيت شرقي القدس فلسطينية في سكانها ومعالمها ومؤسساتها، وظل الأقصى وقبة الصخرة وكنيسة القيامة وأسواق البلدة القديمة قلباً حياً للهوية العربية والإسلامية والمسيحية للقدس.

احتلال القدس عام 1967

في حزيران/يونيو 1967، احتلت إسرائيل شرقي القدس مع بقية الضفة الغربية وقطاع غزة. ومنذ الأيام الأولى للاحتلال، لم تتعامل سلطات الاحتلال مع المدينة باعتبارها أرضاً محتلة تنطبق عليها قواعد القانون الدولي، بل شرعت في فرض واقع استعماري يراد له أن يبدو دائماً.

هدمت سلطات الاحتلال حارة المغاربة الملاصقة للمسجد الأقصى خلال أيام، وطردت سكانها لإقامة ساحة واسعة تخدم الرواية الإسرائيلية عند حائط البراق. كانت العملية رسالة سياسية مبكرة: الاحتلال لا يريد السيطرة العسكرية فقط، بل يريد إعادة تشكيل المكان ومحو الشواهد التي تؤكد عروبته وفلسطينيته.

ثم وسّعت إسرائيل حدود بلدية القدس بصورة أحادية، فضمت مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية إلى المدينة، من دون ضم سكانها الفلسطينيين بالقدر نفسه. بهذه الهندسة الاستعمارية، استولت على الأرض وسعت إلى تقليص الثقل الديمغرافي الفلسطيني. ومنحت المقدسيين وضع «الإقامة الدائمة» بدلاً من المواطنة، وهو وضع هش يمكن سحبه متى قررت سلطات الاحتلال أن مركز حياة الفلسطيني لم يعد داخل المدينة.

الضم الباطل ومشروع التهويد المتدرج

أعلنت إسرائيل عام 1980 ما سمته «قانون القدس» لتكريس ضم المدينة وجعلها عاصمة موحدة لها. لكن هذا القرار بقي باطلاً بموجب القانون الدولي، ولم يمنح الاحتلال شرعية على شرقي القدس. فالسيادة لا تُكتسب بالقوانين التي يسنها المحتل، ولا بتغيير أسماء الشوارع، ولا بإحلال المستوطنات مكان البيوت الفلسطينية.

منذ ذلك الحين، تسارع مشروع التهويد عبر الاستيطان ومصادرة الأراضي وهدم المنازل وسحب الهويات وإغلاق المؤسسات الفلسطينية. وقد استهدف الاحتلال الأحياء الفلسطينية المحيطة بالبلدة القديمة، مثل سلوان والشيخ جراح والطور والعيسوية وجبل المكبر، كما دفع باتجاه تطويق القدس بسلسلة من المستوطنات والبؤر والطرق الالتفافية.

لا تعمل هذه السياسات منفصلة عن بعضها. فالاستيطان يقطع التواصل الجغرافي، والجدار يعزل التجمعات الفلسطينية، والقيود على البناء تدفع العائلات إلى الرحيل، ثم تأتي الجمعيات الاستيطانية للاستيلاء على العقارات تحت ذرائع قانونية انتقائية. والنتيجة المقصودة هي مدينة يزداد فيها الفلسطيني محاصراً في حيه، مهدداً في بيته، ومقيداً في حركته نحو مدرسته أو عمله أو مسجده.

الأقصى في قلب الصراع على القدس

لا يمكن فهم تاريخ القدس المعاصر من دون فهم مكانة المسجد الأقصى. فالأقصى ليس رمزاً روحياً وحسب، بل هو أحد أكثر ساحات الصراع السياسي وضوحاً، لأن الاقتحامات الإسرائيلية ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني تستهدف تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في الحرم الشريف.

شهد المسجد الأقصى محطات مفصلية، منها إحراقه عام 1969 على يد متطرف أسترالي، وهي جريمة كشفت مبكراً حجم الخطر الذي يتهدد المقدسات. ثم توالت الاقتحامات المنظمة تحت حماية قوات الاحتلال، وتنامى حضور الجماعات المتطرفة التي تطالب علناً بإقامة ما تسميه «الهيكل» على أنقاض الأقصى.

في كل مرة حاول الاحتلال فرض وقائع جديدة، جاءت الهبة الشعبية الفلسطينية لتؤكد أن الأقصى خط أحمر. انتفاضة النفق عام 1996 اندلعت بعد فتح نفق أسفل الجدار الغربي بمحاذاة الأقصى، وانتفاضة الأقصى عام 2000 تفجرت إثر اقتحام أرئيل شارون لباحات المسجد. وفي هبة باب الأسباط عام 2017، أجبر صمود المقدسيين الاحتلال على إزالة البوابات الإلكترونية والكاميرات التي حاول فرضها على مداخل الحرم.

هذه المحطات تؤكد أن الدفاع عن الأقصى لم يكن فعلاً موسمياً أو عاطفياً، بل جزءاً من معركة يومية لحماية الوجود الفلسطيني في المدينة.

من الجدار إلى عزل القدس عن محيطها

بناء جدار الفصل العنصري منذ مطلع الألفية الجديدة أضاف طبقة جديدة من الحصار. لم يُبنَ الجدار على خطوط عام 1967، بل التهم أراضي فلسطينية واسعة وأعاد توجيه الحركة بما يخدم الكتل الاستيطانية. وبسببه، عُزلت أحياء وتجمعات عن مركز القدس، وأصبح الوصول إلى المستشفيات والمدارس ودور العبادة رحلة مشروطة بالحواجز والتصاريح.

كما فُصلت القدس عملياً عن امتدادها الطبيعي في بيت لحم ورام الله وأريحا وسائر مدن الضفة. وهذه ليست مسألة لوجستية فحسب، بل سياسة تستهدف تقويض دور المدينة الثقافي والتعليمي والاقتصادي باعتبارها مركزاً فلسطينياً جامعاً.

أغلق الاحتلال بيت الشرق عام 2001، كما أغلق مؤسسات فلسطينية أخرى كانت تؤدي دوراً سياسياً وثقافياً واجتماعياً. ومنع النشاطات الوطنية، وضيّق على الانتخابات والفعاليات، وحاول تحويل الوجود الفلسطيني إلى مجرد أفراد متفرقين بلا إطار جامع. لكن المقدسيين حافظوا على شبكاتهم الأهلية والتعليمية والدينية رغم الملاحقة والغرامات والاعتقالات.

الشيخ جراح وسلوان: المعركة داخل البيت

في العقد الأخير، أصبحت الشيخ جراح وسلوان نموذجين مكثفين لسياسات التهجير القسري. ففي الشيخ جراح، واجهت عائلات فلسطينية خطر الإخلاء لمصلحة مستوطنين يستندون إلى قوانين إسرائيلية تمنح اليهود حق المطالبة بعقارات قبل 1948، بينما تحرم الفلسطينيين المهجرين من استعادة أملاكهم في القدس الغربية وغيرها.

أما في سلوان، فتتداخل أوامر الهدم والحفريات الاستيطانية والاستيلاء على المنازل مع رواية توراتية يراد فرضها على حساب التاريخ العربي الفلسطيني للمكان. ويكشف الحي أن التهويد ليس شعاراً عاماً، بل إجراءات ملموسة تمس غرفة الطفل وسند الملكية ومدرسة الحي وطريق المصلين إلى الأقصى.

أشعلت مقاومة أهالي الشيخ جراح في 2021 موجة تضامن فلسطينية واسعة، وربطت القدس بجنين ونابلس وغزة والداخل المحتل. لقد أعادت تلك اللحظة التأكيد أن محاولات تجزئة الشعب الفلسطيني لا تلغي وحدة القضية ولا وحدة الألم والمصير.

أهم محطات تاريخ القدس المعاصر بعد 7 أكتوبر

منذ 7 أكتوبر 2023، ومع العدوان الإسرائيلي الواسع على قطاع غزة، تصاعدت الاعتداءات في القدس والضفة الغربية. شدد الاحتلال القيود على دخول المصلين إلى الأقصى، ووسع الاعتقالات والإبعادات، ووفّر حماية أكبر لاقتحامات المستوطنين. وفي المقابل، بقيت القدس حاضرة في الوعي الفلسطيني بوصفها جزءاً من معركة شعب يتعرض للإبادة والتهجير والحصار في غزة، وللاستيطان والاعتقال والاقتلاع في الضفة والقدس.

الخطأ هو التعامل مع كل اقتحام أو هدم أو قرار استيطاني كخبر منفصل. هذه الوقائع حلقات في سياسة واحدة تريد فرض مدينة بلا أهلها الأصليين، وبلا مؤسساتهم، وبلا روايتهم. لكن تاريخ القدس الحديث يثبت أيضاً أن الاحتلال، رغم تفوقه العسكري والإداري، لم ينجح في تحويل الفلسطيني إلى عابر في مدينته.

القدس تحتاج اليوم إلى أكثر من استذكار تاريخها: تحتاج إلى حماية أهلها في مواجهة التهجير، وإسناد مرابطيها، وتوثيق جرائم الاحتلال، والدفاع عن حق الفلسطيني في أن يعيش في مدينته بلا تصريح من محتل. فكل بيت يصمد في سلوان، وكل مصلٍ يصل إلى الأقصى، وكل عائلة ترفض الرحيل، يكتب محطة جديدة في تاريخ مدينة لم تتخل عن اسمها ولا عن أصحابها.

Exit mobile version