Site icon Palestinealyoum

إسرائيل تتآكل.. تحذيرات داخلية من جبهة إقليمية تتشكل وأزمة تهدد مستقبلها

المركز الفلسطيني للإعلام

تكشف تصريحات وتحذيرات متتالية داخل المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية عن اتساع الفجوة بين الخطاب الذي يروّج للانتصار وبين واقع استراتيجي أكثر تعقيدًا، في وقت تتعاظم فيه المخاوف من تراجع الردع الإسرائيلي وتآكل مكانة الكيان دوليًا وتصاعد الانقسامات داخليًا.

وبينما تتواصل الحرب وتتبدل موازين القوى في المنطقة، يبرز صوت الجنرال الإسرائيلي المتقاعد يتسحاق بريك، الملقب بـ”نبي الغضب”، محذرًا من أن إسرائيل تقف أمام تحول إقليمي واستراتيجي خطير يستوجب إعادة بناء عقيدتها الأمنية من أساسها.

ويرى بريك، في مقال نشرته صحيفة معاريف، أن إسرائيل تجد نفسها أمام بيئة إقليمية أكثر عداءً، في ظل تقارب قوى إقليمية وإسلامية وإعادة بناء قدراتها العسكرية، مقابل تراجع المكانة الدولية لإسرائيل وضعف علاقاتها الخارجية وتآكل ما يسميه “الصمود الوطني” بفعل الانقسامات الداخلية.

ويشير إلى أن التحولات الحالية تأتي بعد عقود من اعتقاد إسرائيلي بأن التفوق العسكري والتحالفات الدولية قادران على ضمان الأمن وفرض الإرادة على المنطقة، إلا أن التطورات الأخيرة، وفق تقديره، كشفت حدود هذا التصور، وفرضت على إسرائيل واقعًا جديدًا لا يمكن التعامل معه بعقلية الماضي.

من حلم الاندماج إلى هاجس العزلة

يكشف المشهد الذي ترسمه تصريحات قادة إسرائيليين أن حلم الاندماج في المنطقة لم يتحول إلى حقيقة، رغم سنوات الحديث عن السلام والتطبيع والتحالفات الإقليمية. فمع اتساع دائرة المواجهة، باتت إسرائيل تواجه، بحسب منتقدي سياساتها من داخلها، أسئلة تتجاوز نتائج المعارك إلى طبيعة وجودها وموقعها في المنطقة ومستقبل علاقاتها مع محيطها.

ويعيد هذا الواقع طرح سؤال أكثر عمقًا من مجرد ما إذا كانت إسرائيل أصبحت منبوذة دوليًا، وهو: لماذا يستمر قادتها في الحديث عن (النصر) في الوقت الذي يقر فيه بعضهم بعدم امتلاك رؤية استراتيجية واضحة لليوم التالي؟

وتكشف تقارير إسرائيلية، من بينها ما أوردته يديعوت أحرونوت، أن القيادات الإسرائيلية تواجه خلال خضم المعركة السياسية والانتخابية أسئلة وجودية لا تبدو الإجابات عنها محسومة، في وقت يستمر فيه الخطاب السياسي في التركيز على الشعارات أكثر من تقديم تصور استراتيجي متكامل.

اعتراف بعدم التكافؤ

ويبرز في هذا السياق تصريح رئيس الأركان الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت، الذي قال إن إسرائيل تعيش «حالة عدم تكافؤ دائم، بين أكثر من 20 دولة لا تعترف بنا»، في إشارة تعكس، بحسب القراءة المطروحة، استمرار أزمة موقع إسرائيل في المنطقة وعدم تحولها إلى جزء طبيعي ومستقر من محيطها.

ويتقاطع هذا الاعتراف مع تحذيرات بريك بشأن التحولات الإقليمية، إذ يرى أن القوى التي كانت تتنافس تاريخيًا على النفوذ في بلاد الشام بدأت، وفق تقديره، في إعادة ترتيب علاقاتها ومصالحها أمام خصم مشترك، بما يفتح الباب أمام تشكل محاور إقليمية جديدة.

الغوريلا في الغابة

ويظهر التناقض بوضوح في الطروحات الإسرائيلية الجديدة بشأن طبيعة التعامل مع المنطقة؛ إذ دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت إلى الانتقال من مفهوم (فيلا في وسط الغابة) إلى مفهوم (غوريلا في الغابة)، في محاولة لإعادة تعريف موقع إسرائيل وقدرتها على التعامل مع محيطها.

لكن هذا التحول في الخطاب، وفق القراءة النقدية المطروحة، لا يعالج جوهر الأزمة، لأن التعامل مع المنطقة باعتبارها “غابة” تستوجب الهيمنة والسيطرة لا يقدم تصورًا للتعايش أو لمعالجة جذور الصراع، وإنما يعيد إنتاج المنظور الأمني ذاته بأدوات ومصطلحات مختلفة.

اليمين بين الرفض السياسي وغياب البديل

ويتجلى مأزق آخر في مواقف وزراء اليمين الإسرائيلي، وعلى رأسهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، اللذان يرفضان الحلول السياسية ويعتبران بعضها غير واقعي، في الوقت الذي يطرحان فيه رؤى تقوم على الحسم والسيطرة باعتبارها بديلًا.

وتطرح هذه المواقف سؤالًا عن قدرة القوة العسكرية وحدها على إنتاج حل مستدام، في ظل استمرار الصراع واتساع نطاقه، بينما لا تقدم الشعارات السياسية المتشددة إجابة واضحة عن شكل المستقبل أو كيفية إنهاء حالة المواجهة المستمرة.

نتنياهو بين الحسابات السياسية والمأزق الوجودي

ويتلقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جانبًا من الانتقادات الداخلية، إذ يتهمه وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق أفيغدور ليبرمان بتقديم حسابات الائتلاف والكتلة الحزبية على اعتبارات أوسع، في وقت يقول منتقدوه إن مستقبل إسرائيل ذاته بات موضع اختبار.

ويكشف هذا السجال حجم الأزمة السياسية التي ترافق الأزمة الأمنية، حيث تتداخل الحسابات الانتخابية والحزبية مع القرارات العسكرية، في وقت تحتاج فيه إسرائيل، وفق تحذيرات بريك، إلى قيادة قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية تتجاوز الاعتبارات الآنية.

“نبي الغضب” يحذر من الزلزال الاستراتيجي

ويضع بريك التحولات الإقليمية في إطار أوسع، معتبرًا أن تركيا تسعى إلى تعزيز نفوذها كقوة اقتصادية وعسكرية إقليمية، وأن علاقاتها مع دول إسلامية وإقليمية تتطور بالتوازي مع تغيرات عسكرية واستراتيجية في المنطقة.

ويحذر من أن إسرائيل لم تعد قادرة على افتراض أن التفوق العسكري وحده كافٍ لضمان أمنها، خصوصًا مع ما يصفه بتنامي قدرات الخصوم وتقاربهم، واحتمال اندلاع مواجهة متعددة الجبهات.

ويطالب، في مواجهة ذلك، بإعادة بناء القوات البرية والجوية والبحرية، وتطوير تقنيات عسكرية متقدمة، وتعزيز القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة وأنظمة الليزر، وإعداد الجيش لخوض حرب شاملة في أكثر من ساحة في الوقت نفسه.

كما يدعو إلى صياغة عقيدة جديدة للأمن القومي لا تقوم على افتراض أن الحلفاء سيتولون مواجهة التهديدات الكبرى نيابة عن إسرائيل، مع إعادة تأهيل العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية وتوسيع العلاقات مع الدول العربية.

الاعتراف الأكثر إحراجًا: إسرائيل منبوذة

لكن الأخطر في المشهد، وفق هذه القراءة، لا يكمن فقط في قوة الخصوم أو تغير التحالفات، بل في الاعتراف المتزايد داخل إسرائيل بأن أزمتها أصبحت مركبة: عسكرية وسياسية ودولية ومجتمعية.

ويعبر رئيس الحزب الديمقراطي الإسرائيلي يائير غولان عن جانب من هذا المأزق حين يحذر من أن ضم ملايين الفلسطينيين سيؤدي إلى فقدان إسرائيل هويتها اليهودية، لكنه، وفق الانتقادات الموجهة لهذا الطرح، لا يقدم حلًا سياسيًا شاملًا، وإنما يتحدث عن الانفصال دون إجابة كاملة عن طبيعة التسوية التي يمكن أن تنهي الصراع.

وهكذا، تكشف التصريحات الإسرائيلية المتناقضة أن الأزمة لم تعد مرتبطة بنتيجة معركة أو جولة عسكرية محددة، بل باتت متصلة بسؤال أكبر يتعلق بقدرة إسرائيل على الاستمرار في الاعتماد على القوة العسكرية وحدها، وعلى شبكة تحالفاتها الخارجية، وعلى مجتمع يعاني انقسامات عميقة.

انفصام خطاب النصر مع الواقع

تضع هذه الاعترافات إسرائيل أمام صورة مختلفة عن تلك التي يحاول خطابها السياسي تقديمها؛ فبينما تتحدث القيادة عن (النصر الساحق)، يحذر قادة عسكريون وسياسيون من غياب الرؤية وتآكل الردع وتبدل البيئة الإقليمية. وبينما سعت إسرائيل لعقود إلى تثبيت نفسها كقوة مهيمنة في المنطقة، تكشف الأصوات القادمة من داخلها عن خشية متزايدة من العزلة والتآكل الداخلي وتشكل بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا.

وفي النهاية، لا تبدو معضلة إسرائيل، وفق هذه التحذيرات، في كيفية خوض حرب جديدة فحسب، بل في كيفية الخروج من دائرة الحروب أصلًا، وبناء تصور سياسي وأمني قادر على التعامل مع منطقة تتغير موازينها، ومجتمع إسرائيلي تتسع خلافاته، وعالم تتراجع فيه قدرة القوة العسكرية وحدها على ضمان الأمن والشرعية والنفوذ.

Exit mobile version