Site icon Palestinealyoum

اتصال قبل القتل.. هل تمنح التحذيرات الإسرائيلية غطاءً لاستهداف الفلسطينيين؟

قصف غزة

المركز الفلسطيني للإعلام

تثير الاتصالات الهاتفية التي يُقال إن ضباطًا في جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك” يجرونها مع فلسطينيين في قطاع غزة قبيل استهدافهم تساؤلات خطيرة بشأن طبيعة هذه التحذيرات، وما إذا كانت تتحول إلى وسيلة لتبرير عمليات القتل، وتخفيف المسؤولية عن الجهة التي تنفذها.

وتتحدث روايات متداولة عن اتصالات يُخيّر فيها أشخاص تصنفهم إسرائيل نشطاء في الفصائل الفلسطينية بين الابتعاد عن أسرهم ومواجهة الاستهداف منفردين، أو البقاء بينهم وتعريضهم لخطر القصف.

وتشير تقارير صحفية إلى تسجيل عدة حالات خلال الأشهر الماضية، تلقى فيها فلسطينيون اتصالات تحذرهم من استهدافهم، وتضعهم أمام خيارات قاسية تتعلق بمصيرهم ومصير عائلاتهم.

لكن خطورة هذه الروايات لا تتوقف عند التهديد المباشر بالقتل، بل تمتد إلى ما قد تحمله من محاولة لنقل المسؤولية عن نتائج الهجوم إلى الشخص المستهدف، وكأن بقاءه مع أسرته هو الذي يفسر سقوط الضحايا، لا قرار الجهة المهاجمة باستخدام القوة في منطقة مأهولة.

رواية الاتصال.. من المسؤول عن القتل؟

تكتسب هذه الاتصالات أهمية إضافية في ظل ما كشفته شهادات ضباط وجنود إسرائيليين في فيلم وثائقي حديث عن آليات المراقبة وتحديد الأهداف واستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية بقطاع غزة.

وتتعلق إحدى أبرز النقاط التي أثارتها تلك الشهادات بامتلاك الجيش الإسرائيلي معلومات مسبقة عن الأشخاص المستهدفين، ومواقع وجودهم، وأعداد المدنيين المتوقع سقوطهم في بعض الهجمات، وكيفية إدخال هذه المعلومات في حسابات الموافقة على تنفيذ الضربات.

وفي هذا السياق، تبرز رواية الاتصال قبل القتل بوصفها محاولة لإعادة تقديم عملية الاستهداف من زاوية مختلفة؛ فبدلًا من أن يكون السؤال عن سبب استهداف شخص وسط عائلته، ومدى مشروعية قتله، يصبح السؤال عما إذا كان قد استجاب للاتصال وابتعد عن أسرته.

وهنا تكمن الإشكالية؛ إذ يمكن أن يتحول التحذير من إجراء يفترض أن يتيح فرصة حقيقية للنجاة إلى أداة لنقل المسؤولية عن الضحايا، وإظهار الجهة التي تملك قرار الهجوم وكأنها اتخذت احتياطاتها بمجرد إبلاغ الشخص المستهدف.

التحذير لا يعني فرصة حقيقية للنجاة

لا يمكن التعامل مع الاتصالات الهاتفية قبل القصف باعتبارها ممارسة جديدة في سلوك جيش الاحتلال الإسرائيلي، فقد استخدمت إسرائيل وسائل متعددة، بينها الرسائل والاتصالات الهاتفية والقصف التحذيري، قبل استهداف المنازل والمباني السكنية.

لكن التجربة الميدانية أظهرت أن تلقي التحذير لا يعني بالضرورة توفير فرصة حقيقية للنجاة؛ فقد يكون الوقت المتاح قصيرًا، أو تكون المنطقة المحيطة مدمرة، أو لا يجد السكان مكانًا آمنًا يلجؤون إليه.

كما أن بعض المدنيين قد لا يتمكنون من المغادرة بسبب وجود أطفال أو كبار سن أو مصابين، أو بسبب صعوبة الانتقال في ظل ظروف الحرب والنزوح.

وتؤكد منظمة “هيومن رايتس ووتش” أن فعالية التحذير ترتبط بتوقيته، والوقت المتاح للمدنيين لمغادرة المنطقة، وإمكانية وصولهم إلى مكان أكثر أمانًا. كما أن عدم الاستجابة للتحذير لا يسقط الحماية القانونية عن المدنيين، ولا يعفي القوة المهاجمة من اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب الخسائر البشرية.

وبالتالي، لا يمكن اعتبار الاتصال الهاتفي دليلًا تلقائيًا على مشروعية الهجوم، أو وسيلة لإعفاء الجهة التي تنفذه من المسؤولية عن نتائجه.

القانون الدولي لا يمنح حصانة للجهة المهاجمة

يفرض القانون الدولي الإنساني على أطراف النزاع التزامات واضحة، أبرزها التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية، وعدم تنفيذ هجمات يتوقع أن تسبب خسائر مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة.

كما يلزم باتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين أو تقليله، بما في ذلك التحقق من طبيعة الهدف، واختيار الوسائل الأقل ضررًا، وإلغاء الهجوم أو تعليقه إذا تبين أن الخسائر المدنية المتوقعة ستكون مفرطة.

ولا يفقد المدنيون حمايتهم لمجرد عدم استجابتهم للتحذير، أو عدم تمكنهم من مغادرة المكان، أو اختيارهم البقاء مع أسرهم.

أما إذا جرى استخدام القوة القاتلة خارج نطاق الأعمال العدائية التي تبررها، فإن ذلك يخضع لمعايير أكثر تقييدًا، ولا يجوز اللجوء إليه إلا عندما يكون ضروريًا بصورة صارمة لحماية الحياة من خطر وشيك.

ومن هنا، فإن إبلاغ شخص بأنه سيُقتل لا يجعل قتله مشروعًا، كما أن تخييره بين الموت منفردًا أو مع أسرته لا يمثل إجراءً إنسانيًا.

من يملك قرار القتل؟

إن السؤال الذي ينبغي أن يتصدر التعامل مع هذه الروايات ليس ما إذا كان الشخص المستهدف قد تلقى اتصالًا هاتفيًا، بل لماذا قررت إسرائيل استهدافه، وعلى أي أساس، وما الوسائل التي اختارتها لتنفيذ العملية، وما إذا كانت قد اتخذت جميع الاحتياطات الممكنة لحماية أسرته والمدنيين المحيطين به.

كما أن إثبات إجراء اتصال في حالة أو عدة حالات لا يغير حقيقة الخسائر البشرية الواسعة التي شهدها قطاع غزة، ولا ينفي وقوع انتهاكات، ولا يعفي المسؤولين عن الهجمات غير المشروعة من المساءلة.

وتفرض هذه الروايات على وسائل الإعلام مسؤولية التحقق من تفاصيلها، والتمييز بين الوقائع المؤكدة والادعاءات، وعدم الاكتفاء بنقل الرواية الإسرائيلية دون مساءلة أساسها ونتائجها.

فالمسألة لا تتعلق بمجرد وجود تحذير، وإنما بما إذا كان الهجوم مشروعًا أصلًا، وما إذا كان المدنيون قد حصلوا على فرصة حقيقية للنجاة، ومن يتحمل مسؤولية الضحايا الذين سقطوا.

Exit mobile version