
المركز الفلسطيني للإعلام
لم يعد القطاع الصحي في قطاع غزة يواجه أزمة في توفير الأدوية والمستلزمات الطبية فحسب، بل باتت مخازن الإمدادات نفسها عرضة للاستهداف، في وقت يعاني فيه المرضى من شح متزايد في الأدوية وتعطل متواصل للأجهزة الطبية والمخبرية.
وأصيب ثلاثة فلسطينيين، اليوم السبت، جراء غارة شنتها طائرة مسيرة إسرائيلية على مخزن للأدوية داخل مستشفى شهداء الأقصى في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، في أحدث استهداف يطال منشأة صحية.
وتأتي الغارة في ظل الخروقات الإسرائيلية المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار الساري في قطاع غزة منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وطالب مدير مستشفى شهداء الأقصى المجتمع الدولي بالتدخل لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على المرافق الصحية في القطاع، محذرًا من التداعيات الخطيرة لاستهداف المنشآت التي تقدم الخدمات الطبية للمرضى والجرحى.
استهداف متكرر لمخازن الأدوية
ولم يكن استهداف مخزن الأدوية في مستشفى شهداء الأقصى اليوم الأول من نوعه خلال أغسطس/آب الجاري، إذ تعرضت مخازن المستشفى في وقت سابق لقصف إسرائيلي أدى إلى خسائر كبيرة في مخزون الأدوية والمستهلكات الطبية.
وفي الأول من أغسطس/آب، أعلنت وزارة الصحة في غزة أن قصفًا إسرائيليًا دمر مخزنين من أصل أربعة مخازن للأدوية والمستهلكات الطبية التابعة للمستشفى، فيما ألحق أضرارًا جسيمة بالمخزنين الآخرين ومبنى العيادات الخارجية المجاور.
وأدى ذلك إلى فقدان كميات من الأدوية والمستلزمات الطبية المخصصة لعلاج المرضى والجرحى، في وقت يعاني فيه القطاع الصحي أصلًا من نقص حاد في الإمدادات نتيجة الحرب والقيود المفروضة على دخول الاحتياجات الطبية.
ويكتسب استهداف المخازن خطورة إضافية في ظل اعتماد المستشفيات على كميات محدودة من الأدوية والمستهلكات، ما يجعل فقدان أي جزء من المخزون ينعكس سريعًا على قدرة الطواقم الطبية على مواصلة العلاج وإجراء العمليات والفحوصات.
أدوية شحيحة ومرضى أمام خطر الحرمان من العلاج
ولا تقتصر الأزمة على الأضرار التي لحقت بالمخازن، إذ يحذر العاملون في القطاع الصحي من أن شح الأدوية بات يهدد استمرارية الخدمات الطبية لآلاف المرضى، خصوصًا المصابين بأمراض مزمنة.
وحذرت جمعية الإغاثة الطبية في قطاع غزة من خطر التوقف عن تقديم الخدمات لآلاف المرضى، في ظل النقص الحاد في الأدوية، إلى جانب تعطل عدد من الأجهزة الطبية والمخبرية، ونقص الوقود والزيوت وقطع الغيار الضرورية لتشغيل مولدات الكهرباء وصيانة المعدات.
ويطال النقص بصورة خاصة الأدوية المخصصة لمرضى الأمراض المزمنة، إلى جانب أدوية الأطفال والحوامل، ما يضع فئات واسعة أمام خطر انقطاع العلاج أو تأجيله.
كما أن الأزمة لا تتعلق بالأدوية وحدها، إذ يؤدي نقص المستلزمات والأجهزة المخبرية إلى حرمان المرضى من فحوص أساسية يحتاجها الأطباء لتشخيص الحالات ومتابعة تطورها وتحديد العلاج المناسب.
أزمة تتجاوز نقص الدواء
وتشير المعطيات الواردة عن القطاع الصحي في غزة إلى أن الأزمة الدوائية باتت جزءًا من انهيار أوسع لمنظومة الرعاية الصحية، نتيجة تضرر البنية التحتية الطبية، ونقص الإمدادات، والقيود على إدخال المستلزمات وقطع الغيار.
وتحوّلت مستودعات الأدوية ومخازن الإمداد الطبي، التي تمثل شريانًا أساسيًا للمستشفيات والمراكز الصحية، إلى نقاط شديدة الهشاشة أمام القصف، ما يضاعف الخسائر الناتجة عن أي استهداف.
ولا يقتصر أثر تدمير المخازن على الأدوية التي يجري فقدانها لحظة القصف، بل يمتد إلى تعطيل قدرة المستشفيات على التخطيط لمخزونها الطبي وتوفير الاحتياجات الضرورية للعمليات الجراحية والطوارئ والعلاج طويل الأمد.
وتشمل المواد المتضررة أو المهددة بالنفاد أدوية التخدير، والمستهلكات الجراحية، والمواد اللازمة للفحوصات المخبرية، وغيرها من المستلزمات التي لا يمكن للطاقم الطبي الاستغناء عنها في التعامل مع الحالات الحرجة.
أرقام تكشف حجم العجز
وبحسب أحدث البيانات المشار إليها في المادة، وصل العجز العام في الأدوية إلى نحو 47%، فيما بلغت نسبة النقص في المستهلكات الطبية، مثل الشاش والحقن والبلاتين، نحو 58%.
وتتصدر أدوية السرطان وأمراض الدم قائمة العجز، بنسبة بلغت 61%، وهو ما انعكس على قدرة المرضى على مواصلة بروتوكولات العلاج الخاصة بالأورام.
أما مواد الفحوص المخبرية، فسجلت النسبة الأعلى من العجز، بنحو 85%، الأمر الذي يحد من قدرة الأطباء على إجراء الفحوص الضرورية وتشخيص الحالات الحرجة ومتابعة استجابة المرضى للعلاج.
ويواجه أكثر من 350 ألف مريض خطر فقدان الأدوية الأساسية المستخدمة في علاج أمراض مزمنة وحالات صحية مختلفة، من بينها أدوية السكري والضغط والربو، إلى جانب الأدوية المرتبطة بصحة الأم والطفل.
غسيل الكلى والعمليات أمام خطر التوقف
ويمتد تأثير النقص إلى خدمات طبية حيوية، من بينها جلسات غسيل الكلى، التي تواجه خطر التوقف نتيجة شح الفلاتر والمحاليل والمستلزمات اللازمة لإجرائها.
كما أدى نقص المعدات وقطع الغيار إلى تعطل عدد من الأجهزة الطبية، ما ينعكس على قدرة المستشفيات على إجراء العمليات والفحوص والخدمات التشخيصية.
ومع استمرار القيود على إدخال المعدات الطبية وقطع الغيار، تصبح صيانة الأجهزة المتضررة أكثر صعوبة، فيما تتراكم الحاجة إلى معدات جديدة لتعويض ما خرج من الخدمة.
وبذلك، لا تبدو أزمة الدواء في غزة مجرد مشكلة نقص في صنف أو مادة طبية، وإنما أزمة متكاملة تضرب سلسلة الإمداد الصحي بأكملها؛ من دخول الأدوية والمستلزمات، إلى تخزينها وحمايتها، وصولًا إلى إيصالها للمرضى.
وفي ظل استمرار استهداف المنشآت والمخازن الطبية وتراجع المخزون، يجد القطاع الصحي نفسه أمام معادلة بالغة الخطورة: مستشفيات تحاول مواصلة العمل بإمكانات محدودة، ومرضى يحتاجون إلى علاج منتظم، وإمدادات طبية تتناقص باستمرار، فيما يهدد فقدان الأدوية والمستلزمات الأساسية بتحويل نقص العلاج إلى عامل إضافي في تفاقم الأزمة الإنسانية والصحية في قطاع غزة.

