
القدس المحتلة – المركز الفلسطيني للإعلام
قبل أسبوع من دعوة مدير سلطة الضرائب الإسرائيلية إلى إلغاء ورقة الـ200 شيكل، وربما التعامل بالنقد بأكمله، كان “بنك إسرائيل” ينشر مراجعة تؤكد ضرورة الحفاظ على النقد وضمان توافره في الأزمات، وبين المؤسستين يتجاوز الخلاف مستقبل ورقة مالية إلى سؤال أوسع، هل يمكن تحصيل مليارات الشواكل من الاقتصاد غير المعلن عبر إلغاء النقد، وما الكلفة التي قد يتحملها الاقتصاد مقابل ذلك؟
أطلق مدير سلطة الضرائب، شاي أهرونوفيتش، مقترحه خلال المؤتمر السنوي لمستشاري الضرائب في إيلات، الاثنين 19 أكتوبر، في سياق تحذيره من صعوبة موازنتَي 2027 و2028، وبحسب القناة 12 الإسرائيلية، قدّر أن إلغاء التعامل النقدي يمكن أن يضيف إلى حصيلة الضرائب ما بين 20 و30 مليار شيكل، مع إقراره بمعارضة البنك المركزي.
لكن القراءة الاقتصادية للطرح تستدعي الفصل بين ثلاثة إجراءات مختلفة، تشديد القيود على المدفوعات النقدية، وسحب فئة الـ200 شيكل، وإلغاء النقد بالكامل، فلكل منها متطلبات وآثار مختلفة، ولا يعني إمكان التوسع في الأول أن الثاني أو الثالث بات قريبا.
أموال كبيرة ليست كلها اقتصادا أسود
بلغ إجمالي النقد المتداول نحو 138.7 مليار شيكل بنهاية سبتمبر 2026، وفق بيانات أوردها موقع “بيز بورتال” الاقتصادي، وشكّلت أوراق الـ200 شيكل نحو 74% من قيمته، بما يعادل قرابة 102.8 مليار شيكل، أو نحو 514 مليون ورقة، ويشمل إجمالي التداول النقد الموجود لدى الجمهور وفي خزائن البنوك وأجهزة الصراف الآلي.
ويفسّر هذا التركّز استهداف الفئة الأكبر، فهي تتيح تخزين مبالغ كبيرة ونقلها بعدد أقل من الأوراق، لكنه يوضح أيضا حجم عملية الاستبدال المطلوبة، إذ إن سحب فئة تمثل نحو ثلاثة أرباع قيمة النقد يتطلب استعدادا مصرفيا ولوجستيا واسعا، وتوفير بدائل ومهل واضحة للتعامل معها.
ولا يجوز اقتصاديا مساواة هذه الكتلة النقدية بحجم الأموال غير المشروعة، فالنقد يُستخدم في معاملات معلنة ومدخرات شخصية واحتياطيات للطوارئ، كما أن جزء من الثروات غير المعلنة قد يُحفظ في عقارات أو أصول أخرى، لذلك لا تمثل قيمة الأوراق المتداولة مبلغا جاهزا للتحول إلى إيرادات ضريبية.
وتشير مراجعة “بنك إسرائيل”، المنشورة في 12 أكتوبر الجاري، إلى أن النقد المتداول بلغ 134.7 مليار شيكل بنهاية 2025، وأن متوسط نموه السنوي تباطأ إلى نحو 2% في عامَي 2024 و2025، مقابل نحو 7% خلال 2021–2023. أي إن الكتلة النقدية استمرت في الارتفاع، لكن بوتيرة أبطأ، بالتزامن مع توسّع وسائل الدفع الرقمية.
الرقمنة تتقدم.. والطلب على النقد باقي
تُظهر المراجعة تحولا واضحا في عادات الدفع، ففي استطلاع استخدام وسائل الدفع، ارتفعت نسبة مستخدمي المحافظ الرقمية مرة أسبوعيا على الأقل من نحو 5% عام 2019 إلى 47% عام 2025، فيما تراجعت نسبة مستخدمي النقد بالتواتر نفسه من نحو 80% إلى 48%، ومع ذلك، أبدى نحو 70% رغبتهم في استمرار استخدام النقد مستقبلا، وهذه نتائج استطلاع إلكتروني يستهدف الناطقين بالعبرية المتصلين بالإنترنت، من سن 16 إلى 74 عاما، وليست إحصاء شاملا لكل السكان.
وتكشف الأرقام أن انتشار الدفع الرقمي لا يعني استعداد المجتمع للتخلي الكامل عن النقد، فقد يستخدم الشخص الهاتف في معظم مشترياته، ويحتفظ في الوقت نفسه بأوراق نقدية للطوارئ أو لضبط إنفاقه.
وفي المقارنة الدولية الواردة بالمراجعة، بلغت نسبة النقد المتداول إلى الناتج المحلي الإسرائيلي 6.4% بنهاية 2025، مقابل نحو 10% في منطقة اليورو و9% في سويسرا و3% في بريطانيا و4% في أستراليا، ولا يقيس هذا المؤشر التهرب الضريبي مباشرة، لكنه يضع حجم النقد الإسرائيلي ضمن نطاق مقارن، بدل اعتباره بمفرده دليلا على استثناء غير مشروع.
ماذا وراء وعد الـ30 مليار شيكل؟
تقوم حجة سلطة الضرائب على أن تحويل المدفوعات إلى قنوات موثقة يصعّب إخفاء المبيعات والدخل، وهي آلية يمكن أن تعزز التحصيل، لكن حجم أثرها يتوقف على قدرة السلطات على ربط المدفوعات بالفواتير والإقرارات، وكشف المخالفات ومتابعتها.
أما تقدير الـ20–30 مليار شيكل، فيظل تقديرا طرحه مدير السلطة؛ فالتغطية المنشورة لتصريحاته لا تعرض نموذجا حسابيا يوضح افتراضاته، أو مقدار ما يمكن تحصيله بصورة متكررة، أو تكاليف التنفيذ.
والتمييز هنا أساسي بين كشف أموال موجودة وتوليد إيرادات ضريبية مستدامة، فإيداع مدخرات قديمة في المصرف لا يجعل كامل قيمتها ضريبة مستحقة، كما أن زيادة الودائع لا تعني زيادة مساوية في إيرادات الخزينة، ويتحدد الأثر بحسب مصدر الأموال، وما إذا سبق التصريح بها، والضرائب المستحقة عليها.
كذلك، فإن سحب فئة نقدية واحدة يترك إمكان الانتقال إلى فئات أصغر أو عملات أجنبية، وقد يرفع كلفة الإخفاء ويساعد في التدقيق، لكنه لا يغلق جميع قنوات التهرب، أما الإلغاء الشامل، فيوسّع نطاق التتبع، لكنه يحمّل المجتمع كله كلفة الانتقال، بمن فيه من يستخدم النقد بصورة قانونية.
ضغوط الموازنة لا تعني انهيار الإيرادات
يرتبط توقيت المقترح بالبحث عن موارد لتمويل إنفاق مرتفع، ووفق “غلوبس”، حذّر أهرونوفيتش من استمرار الضغوط العسكرية على الموازنة، وعرض بدائل تشمل تشديد متطلبات توزيع الأرباح المتراكمة لدى بعض الشركات، وإعادة ضريبة على الأراضي الخالية، لتقليل الحاجة إلى زيادات ضريبية واسعة.
وتوفر توقعات “بنك إسرائيل” الصادرة في يوليو 2026 إطارا لهذه الضغوط، إذ قدّرت عجز الموازنة بـ4.9% من الناتج المحلي في 2026 و4.2% في 2027، ودينا عاما يقارب 69% من الناتج، ضمن افتراضات محددة بشأن الإنفاق العسكري. وهي توقعات مشروطة، وليست نتائج نهائية للسنتين.
في المقابل، أفاد بيان البنك الصادر في سبتمبر المنصرم أن العجز خلال الاثني عشر شهرا السابقة بلغ 3.4% من الناتج في يونيو ويوليو، وأن الإيرادات المباشرة المعدّلة ظلت أعلى من اتجاهها الطويل الأجل، لكنه أشار أيضًا إلى انخفاض الإنفاق المدني في بداية السنة، واحتمال ارتفاعه لاحقا، وعدم اليقين بشأن الزيادات العسكرية.
وتعني هذه الصورة أن الحاجة إلى موارد إضافية يمكن أن تتزامن مع تحصيل ضريبي قوي؛ إذ قد يرتفع الإنفاق والالتزامات المستقبلية أسرع من نمو الإيرادات، ومن ثم فإن إلغاء النقد لا يقدم، بذاته، حلا مضمونا لاختلال مستمر بين النفقات والموارد.
لماذا يتمسك البنك المركزي بالنقد؟
ردّ “بنك إسرائيل” على التصريحات بالتأكيد أن صلاحية إلغاء الأوراق تعود إلى محافظه، وأنه لم يتلق أساسا مهنيا يبرر إلغاء أي فئة، ولا يعتزم تغيير تركيبة الأوراق المتداولة، بحسب “غلوبس”.
ويستند موقفه إلى وظيفة النقد في استمرار النشاط الاقتصادي، ففي مراجعته الحديثة، شدد على إمكان استخدامه عند انقطاع الكهرباء والاتصالات أو تعطل أنظمة الدفع بفعل هجمات إلكترونية، وعلى أهميته للمعاملات البسيطة والسيولة الفورية لدى الأعمال الصغيرة.
اقتصاديا، يفرض الإلغاء الكامل أسئلة تتجاوز جاهزية التطبيقات، هل يستطيع الجميع الوصول إلى حسابات وخدمات دفع مناسبة؟ وما الرسوم التي ستتحملها المتاجر الصغيرة؟ وكيف تُضمن المنافسة بين مقدمي الخدمة، والخصوصية، وإتمام المعاملات عند تعطل الشبكات؟
ولا تتعارض الرقمنة بالضرورة مع بقاء النقد، ففي منطقة اليورو، أظهر مسح البنك المركزي الأوروبي لعام 2024 أن النقد استُخدم في 52% من عدد معاملات نقاط البيع، مقابل 59% عام 2022، بينما اعتبر 62% من المشاركين بقاء خيار الدفع النقدي مهما، وهذه مقارنة اتجاهات، وليست مطابقة إحصائية للمسوحات الإسرائيلية المختلفة في نطاقها ومنهجيتها.
الشيكل الرقمي ليس إعلانا لنهاية الأوراق
ولا يشكل مشروع الشيكل الرقمي دليلا على اقتراب إلغاء النقد، فـ”بنك إسرائيل” يوضح رسميا أن العملة الرقمية، إذا أُصدرت، ستعمل إلى جانب الأوراق والعملات المعدنية، مع استمرار إصدار النقد.
وبحسب تقرير تقدم المشروع المنشور في مايو 2026، يشمل العمل خلال السنة التصميم التفصيلي وتقييم الخيارات وخريطة الإصدار المحتملة، تمهيدا لتقديم توصية إلى المحافظ قرب نهايتها بشأن اتخاذ قرار الإصدار، وهذا مسار إعداد لقرار محتمل، وليس موعدا معلنا لتشغيل بديل نقدي شامل.
امتداد فلسطيني لأي تغيير
بالنسبة للفلسطينيين، يطرح أي سحب واسع لأوراق الشيكل مسألة القدرة على استبدالها وإعادتها عبر المصارف.
وتوضح سلطة النقد الفلسطينية أن أزمة تكدس الشيكل تنشأ من تعذر شحن فائض الأوراق إلى البنوك الإسرائيلية، بما يعيق تغذية الحسابات المصرفية المراسلة المستخدمة في تسوية التجارة، وأعادت السلطة إبراز استمرار هذه المشكلة وانعكاساتها على المعاملات في بيان خلال سبتمبر 2026.
وبناء على ذلك، فإن أي قرار مستقبلي لسحب فئة واسعة التداول سيحتاج إلى ترتيبات واضحة للمصارف الفلسطينية وحائزيها، وإلا فقد يضيف صعوبة في الاستبدال إلى أزمة الشحن القائمة، وهذا أثر محتمل لتحول لم يُقرّ، وليس إعلانا عن فقدان الأوراق الحالية قيمتها.
ما الذي يمكن أن يحدث قريبا؟
تشير المعطيات المتاحة اليوم إلى أن الإلغاء الكامل للنقد خلال الأشهر القليلة المقبلة ضعيف الاحتمال جدا فالبنك المركزي يعارضه، ويواصل التخطيط للحفاظ على خدمات النقد، ولم تُعلن آلية انتقال أو مهلة استبدال.
ويبدو سحب ورقة الـ200 شيكل أقل تعقيدا من الإلغاء الشامل، لكنه يظل مستبعدا قريبا في ظل الرفض المعلن وحجم الكتلة المطلوب استبدالها، أما الاتجاه الأقرب، في هذه القراءة، فهو توسيع الرقابة والإبلاغ عن المعاملات وتضييق بعض استخدامات النقد تدريجيا.
وقد شهدت مناقشات الكنيست خلال مارس 2026 بالفعل مقترحات لتقييد معاملات نقدية لدى مقدمي الخدمات المالية وتعزيز التبليغ، وهو مسار مختلف عن إزالة النقد من الاقتصاد.
ولكي يتغير هذا التقدير، ينبغي ظهور خطوات ملموسة، تبدّل موقف البنك المركزي، ودراسة منشورة للكلفة والعائد، وقرار رسمي، وخطة تضمن الاستبدال والوصول إلى وسائل الدفع.
وحتى ذلك الحين، تكشف دعوة سلطة الضرائب عن حجم الضغط لتوسيع الإيرادات، بينما يبقى نجاح مكافحة التهرب مرهونًا بقدرة المؤسسات على كشف الدخل المخفي، لا بمجرد اختفاء الورقة التي يُدفع بها.
