
المركز الفلسطيني للإعلام
بمرسوم رئيس السلطة محمود عباس تحديد الثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2026 موعدًا للانتخابات التشريعية ألقي حجر في المياه الراكدة ليتحرك مشهد سياسي فلسطيني بدا حتى وقت قريب جامدًا ومقفلاً على انقساماته المزمنة.
ففي غضون أسابيع قليلة، تحولت العاصمتان القاهرة وإسطنبول إلى محطتين رئيسيتين لسلسلة من اللقاءات المتشابكة، أعادت خلالها فصائل وشخصيات فلسطينية متباعدة الحسابات، ترتيب أوراقها استعدادًا لاستحقاق لا يزال مصيره، رغم كل هذا الحراك، معلقًا بيد رجل واحد.
من جديد .. حضور من بوابة صناديق الاقتراع
في مفارقة لافتة لحركة لا تزال تعاني من تداعيات حرب إبادة جماعية مستمرة، ومثقلة بأثمان قاسية ومحاولات إقليمية ودولية متواصلة لتحجيم دورها وإخراجها من المعادلة السياسية، وجدت حركة حماس نفسها تعود إلى قلب المشهد من بوابة الانتخابات ذاتها.
الناطق باسم الحركة حازم قاسم أكد في تصريح له السبت أن حرص حماس على خوض الاستحقاق الانتخابي ضمن أوسع تكتل وطني ممكن يعكس رغبتها في تحويل الانتخابات المقبلة إلى فرصة لبناء نظام سياسي توافقي حقيقي، تجمع عليه القوى الفلسطينية كافة.
وقال قاسم إن ذلك يفتح الباب أمام قيادة وطنية موحدة تدير الملفات الوطنية بشكل جماعي، في ظل التحديات الوجودية التي يواجهها الشعب الفلسطيني وقضيته.
لقاءات استكشافية
بدأ هذا المسار – وفق المحلل السياسي وسام عفيفة- بلقاءات استكشافية في إسطنبول جمعت قيادة حماس بفدوى البرغوثي، زوجة القائد الأسير مروان البرغوثي، ثم بعضو مركزية فتح السابق ناصر القدوة (مؤسس الملتقى الوطني الديمقراطي)، تناولت موقف الحركة من الاستحقاق المقبل واتجاهاته المحتملة.
ويوضح أن النقاش لم يقتصر على مسألة المشاركة من عدمها، ولا على الانتخابات التشريعية وحدها، بل امتد إلى تلمّس موقف حماس من الانتخابات الرئاسية، وإلى طبيعة التحالفات التي قد تتشكل: هل تبنى على أساس فصائلي تقليدي، أم على أساس جغرافي، أم تنشأ حول قوائم وشخصيات عابرة للتنظيمات؟ وقد حرصت الحركة، وفق ما تسرب عن تلك اللقاءات، على تفضيل خيار التشكيل الوطني الجامع على خوض السباق بقائمة فصائلية مغلقة.
من أحاديث إسطنبول إلى تفاهمات القاهرة
سرعان ما انتقلت هذه المشاورات من طورها الاستكشافي في إسطنبول إلى اجتماعات أكثر تحديدًا في القاهرة، انتهت قبل يومين إلى توافق مبدئي على تشكيل تحالف وطني لخوض الانتخابات التشريعية، وفق المصادر.
والملفت أن هذا التحالف المتوقع يضم أطرافًا لم يكن اجتماعها في قائمة واحدة أمرًا متوقعًا قبل أشهر قليلة، إذ تحضر فيه حركة الجهاد الإسلامي، التي تتجه للمرة الأولى في تاريخها نحو المشاركة في انتخابات تشريعية، إلى جانب التيار الإصلاحي الذي يقوده محمد دحلان العائد إلى الواجهة، وناصر القدوة وألوية الناصر.
وتشير معطيات متداولة إلى أن الباب لا يزال مفتوحًا أمام أطراف أخرى، وفي مقدمتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي كشفت مصادر مطلعة عن موافقتها المبدئية على الانضمام إلى هذا التحالف.
غير أن الحدث الأكثر دلالة في هذا المشهد المزدحم يبقى اللقاء المرتقب بين وفدين من حركتي فتح وحماس في القاهرة، وهو الأول من نوعه على هذا المستوى في الأشهر الأخيرة.
تكمن أهمية هذا اللقاء – وفق الخبراء – ليس فقط في أسماء المشاركين فيه (ووفق معطيات متداولة، يضم كلًا من حسين الشيخ وماجد فرج وروحي فتوح)، بل في أن قيادة فتح اختارت العودة إلى الحوار المباشر مع حماس في توقيت تتشكل فيه تحالفات انتخابية قد تعيد رسم موازين القوى داخل النظام السياسي الفلسطيني، بما يجعل هذا الاجتماع محطة مفصلية: فإما أن يكون مدخلًا إلى تفاهم وطني أوسع، وإما أن يتحول إلى محاولة متأخرة لضبط مشهد بدأ بالفعل يتشكل خارج الأطر التقليدية.
سياق أزمة لا يستثني أحدًا
لا يمكن فصل هذه السيولة السياسية عن الأزمة المركّبة التي تطبق على الفلسطينيين جميعًا في هذه المرحلة. فغزة لا تزال تعيش فصول حرب الإبادة الكارثية، والضفة الغربية تواجه توسعًا استيطانيًا متسارعًا وهجومًا متصاعدًا على الأرض والسكان، فيما تتعرض السلطة الفلسطينية لحصار مالي وسياسي متزايد يقيّد قدرتها على الحركة.
في ظل هذا الواقع، بدأت الأطراف المختلفة، كما يبدو، تدرك حقيقة حاول كثيرون تجاهلها طويلاً: لا يوجد في المركب الفلسطيني طرف غريق وآخر قادر على مد طوق النجاة إليه من اليابسة، فالجميع في المركب نفسه، وخطر الغرق يطال الجميع، وإن اختلفت أدوات الاستهداف الإسرائيلي ودرجاته بين مكونات الحالة الفلسطينية.
قراءات محللين: خطوة أولى في مسار طويل
يرى الباحث محمود العيلة أن التحالف الجديد لا يمكن اختزاله في مجرد اصطفاف عابر أو تقاطع ظرفي بين قوى سياسية متباينة، بل هو، في تقديره، نتاج تراكم طويل من سياسات الإقصاء التي انتهجها محمود عباس، إضافة إلى فشل مسار التسوية والتنسيق الأمني والإقصاء السياسي والجغرافي ومحاصرة القرار الفلسطيني، فضلاً عن التضييق على أشكال المقاومة الشعبية والمسلحة في الضفة الغربية.
واعتبر أن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في إمكانية إجراء الانتخابات أصلاً، ذلك أن صناديق الاقتراع، بحسب رؤيته، لن تُفتح في نهاية المطاف من دون موافقة القيادة السياسية صاحبة القرار.
من جهته، يرى مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة أن المرحلة الراهنة تفرض، أكثر من أي وقت مضى، الحاجة إلى رص الصفوف وتوحيد الكلمة الفلسطينية، معتبرًا أن مسار التحالف الوطني للانتخابات التشريعية خطوة مهمة ومسؤولة نحو ترسيخ العمل الوطني المشترك، وتأكيدًا على أن الشراكة الحقيقية هي السبيل الأمثل لمواجهة التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية.
وأوضح أن هذا التوجه ينطلق من الإيمان بالتعددية السياسية، ويحمل رسالة داعمة للمشاركة الوطنية الفاعلة، ورافضة للإقصاء والتفرد بالقرار، وكذلك رافضة للاحتلال الإسرائيلي وكل محاولات شرعنته.
عباس يمسك بالصافرة
وسط كل هذا الحراك من اللقاءات والتحالفات والحسابات المتقاطعة، يبقى رئيس السلطة محمود عباس هو الوحيد الذي يملك قرار إطلاق سباق الانتخابات أو إيقافه قبل أن يبدأ، بحسب عفيفة.
ويرى أن إجراء الانتخابات ينطوي على مخاطر حقيقية بالنسبة إلى حركة فتح وعباس، في ظل الانقسامات الداخلية وتعدد مراكز القوى والقوائم المحتملة داخل الحركة نفسها. وفي المقابل، قد تتحول التحالفات المتسارعة التي تتشكل خارج نطاق سيطرته المباشرة إلى عامل ضغط يدفع نحو التأجيل أو الإلغاء، تحت أي مسوغ سياسي أو أمني أو قانوني، على غرار ما حدث في عام 2021.
حتى تتضح هذه الصورة، يبقى الجميع على طاولة مفتوحة من اللقاءات والتحالفات والرسائل المتبادلة، وقد لا تكون الانتخابات النتيجة الوحيدة لهذا الحراك المتسارع، إذ يرى مراقبون أن هذه السيولة السياسية قد تتيح، بعد سنوات طويلة من الانقسام والاشتباك الداخلي، فرصة نادرة لإنتاج إطار فلسطيني جامع يتجاوز حدود الاستحقاق الانتخابي ذاته.
ويبقى السؤال المعلق بلا إجابة حاسمة حتى الآن: هل يطلق عباس صافرة البداية فعليًا، أم تنتهي المباراة مجددًا قبل أن ينزل اللاعبون إلى الملعب؟

