Site icon Palestinealyoum

“الخيط القرمزي”.. جدار إسرائيلي يعيد رسم الأغوار ويهدد بعزل 45 ألف دونم

المركز الفلسطيني للإعلام

لا يتوقف مشروع “الخيط القرمزي” الذي تنفذه قوات الاحتلال الإسرائيلي في شمال غور الأردن عند حدود إنشاء طريق عسكرية أو إقامة عائق أمني جديد، بل يتقدم كأحد المشاريع التي تعيد رسم العلاقة بين الفلسطيني والأرض في الأغوار؛ عبر مصادرة مساحات، وتجريف أخرى، وتدمير خطوط المياه، وقطع الطرق الزراعية، ثم إحكام السيطرة على مناطق واسعة يصعب على أصحابها الوصول إليها.

المشروع الذي كُشف عنه إسرائيليًا عام 2025، يمتد في مرحلته الحالية لنحو 22 كيلومترًا، من منطقة عين شبلي في الأغوار الوسطى وصولًا إلى حاجز تياسير العسكري شمالًا، وبعرض يصل إلى نحو 50 مترًا، ويضم طريقًا عسكرية وخنادق وسواتر ترابية وأسلاكًا شائكة وسياجًا ومنظومات مراقبة في بعض المقاطع.

وبينما تقدمه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية باعتباره مشروعًا أمنيًا لمنع تهريب الأسلحة وحماية المستوطنات، فإن موقعه ومساره والآثار المترتبة على تنفيذه تضعه في قلب مشروع أوسع لإعادة تشكيل السيطرة الإسرائيلية على الأغوار، خصوصًا أن الطريق لا يقام على الحدود مع الأردن، بل يتوغل داخل أراضٍ فلسطينية زراعية ورعوية.

22 كيلومترًا تقطع امتدادًا فلسطينيًا واسعًا

ويمتد المسار من عين شبلي جنوبًا باتجاه حاجز تياسير شمالًا، مرورًا بخربة عاطوف ومناطق زراعية واسعة قرب طمون وطوباس.

وتكمن خطورة المشروع في أن مساره لا يمر في أرض خالية، بل يخترق منطقة تعتمد فيها آلاف الدونمات على الزراعة وتربية المواشي، وتنتشر فيها الآبار وخطوط المياه والبيوت الزراعية والحظائر والبيوت البلاستيكية ومخازن المعدات.

وتشير المعطيات الفلسطينية إلى أن المرحلة الحالية من المشروع قد تؤدي إلى عزل نحو 45 ألف دونم، بما يعادل قرابة 11% من مساحة محافظة طوباس، في وقت تمتد فيه تداعيات الجدار إلى مساحات أكبر من الأراضي التي لن يصادرها المسار بصورة مباشرة، لكنها قد تصبح واقعة خلفه أو مقطوعة عن أصحابها.

وبذلك، لا تصبح المشكلة في مساحة الأرض التي يمر فوقها الجدار فقط، وإنما في المساحات التي يفقد الفلسطيني القدرة العملية على الوصول إليها واستغلالها.

المصادرة تبدأ بالأمر العسكري.. والنتيجة تتجاوز مساره

بعد الكشف عن المشروع، أصدرت سلطات الاحتلال أوامر بوضع اليد لأغراض عسكرية على نحو 1042 دونمًا من الأراضي الفلسطينية التي يمر فيها المسار، فيما تحدثت معطيات لاحقة عن أوامر تغطي مساحة أكبر.

ووفق المعطيات الواردة في التقارير الفلسطينية، صدرت تسعة أوامر استيلاء في نهاية عام 2025، أعقبتها أوامر إضافية في يوليو/تموز 2026، بالتزامن مع استمرار أعمال التجريف وشق الطريق.

لكن أثر هذه الأوامر لا يتوقف عند الأراضي المصادرة مباشرة، فالجدار يقسم المجال الزراعي إلى مساحات منفصلة، ويضع الأراضي والمزارعين على جانبيه أمام واقع جديد تتحكم فيه الحواجز والطرق العسكرية وإجراءات الوصول، بينما تصبح حركة الرعاة والمزارعين مرتبطة بموافقة القوة العسكرية المسيطرة على المنطقة.

وهنا يتحول الطريق من بنية تحتية عسكرية إلى أداة للسيطرة على الحركة والوصول.

التجريف يسبق اكتمال الجدار

بدأت أعمال التجريف بصورة واسعة منذ مطلع عام 2026، وشملت أراضي عاطوف وسهل البقيعة ومناطق أخرى على امتداد المسار.

وفي يونيو/حزيران، وثقت وسائل إعلام استمرار أعمال الحفر والتجريف، مشيرة إلى تضرر أراضٍ زراعية وخطوط مياه، وإلى أن المشروع يهدد الامتداد الزراعي لمحافظة طوباس.

وفي يوليو/تموز، أفادت مصادر محلية باقتلاع أكثر من 300 شجرة زيتون وعنب وتدمير خطوط مياه كانت تغذي نحو 45 ألف دونم في عاطوف وسهل البقيعة، في وقت واصلت فيه قوات الاحتلال تجريف الأراضي لشق الطريق وإقامة الجدار.

وتكشف هذه الوقائع أن آثار المشروع لا تنتظر اكتمال الجدار.

فالأرض تبدأ بفقدان قدرتها الإنتاجية مع اقتلاع الأشجار، والمياه تنقطع مع تدمير خطوطها، والمزارع يخسر محصوله قبل أن يصبح الجدار واقعًا كاملًا.

المياه.. الضربة التي تهدد بقاء السكان

في الأغوار، لا تمثل المياه موردًا إضافيًا يمكن تعويضه بسهولة، بل هي أساس الزراعة وتربية المواشي واستمرار التجمعات الفلسطينية.

ولهذا فإن قطع خطوط المياه لا يعني فقط حرمان الأراضي من الري، وإنما ضرب سلسلة كاملة من مقومات الحياة: الزراعة، والثروة الحيوانية، والدخل، والقدرة على البقاء في المكان.

وتفيد معطيات محلية بأن عمليات التجريف ألحقت أضرارًا بشبكات المياه التي تخدم مساحات زراعية واسعة، فيما تحدثت تقارير لاحقة عن عائلات فلسطينية باتت تواجه خطر التهجير نتيجة انقطاع المياه عنها بالتزامن مع أعمال الحفر. وتشير معطيات منشورة في أغسطس/آب إلى أن 47 عائلة، يزيد عدد أفرادها على 300 شخص، تواجه خطر التهجير في شمال الغور، بفعل تضرر البنية التحتية للمياه.

وفي سهل البقيعة وحده، تحدثت معطيات مجلس قروي عاطوف عن تضرر نحو 24 ألف دونم تعود لنحو 300 مزارع نتيجة التجريف وانقطاع المياه، بما يهدد المحاصيل الزراعية ومصادر دخل السكان.

لماذا عاطوف والبقيعة تحديدًا؟

تكشف خريطة المشروع أن المسار يمر في واحدة من أهم المناطق الزراعية المفتوحة في شمال الضفة الغربية.

ويكتسب سهل البقيعة أهمية خاصة بسبب اتساع الأراضي الزراعية فيه وارتباطه بمناطق عاطوف وطمون وطوباس والأغوار، فضلًا عن وجود تجمعات للرعاة ومربي المواشي تعتمد على المساحات المفتوحة للرعي.

لكن المشروع يأتي في منطقة تحيط بها أصلًا المستوطنات والبؤر الاستيطانية وشبكة من الطرق التي تخدم حركة المستوطنين.

وبالتالي، فإن إقامة حاجز جديد في هذا الموقع قد تنتج عنه معادلة جغرافية مختلفة: طرق وممرات عسكرية واستيطانية أكثر اتصالًا، مقابل أراضٍ فلسطينية أكثر تجزئة وصعوبة في الوصول.

وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل المشروع يتجاوز تعريفه كـ”جدار أمني”.

من “الأمن” إلى إعادة تشكيل الجغرافيا

تقول إسرائيل إن فكرة إقامة الحاجز جاءت في أعقاب عملية مسلحة قرب مستوطنة “محولا” على شارع 90 في أغسطس/آب 2024، وإن الهدف منه منع تهريب الأسلحة ووقف انتقال منفذي الهجمات من الأغوار إلى عمق الضفة، إلى جانب تنظيم حركة المركبات وتعزيز حماية المستوطنات.

لكن المسار نفسه يثير تساؤلات حول مدى ارتباط المشروع بالهدف الأمني المعلن.

فالحاجز لا يقام على الحدود الأردنية، وإنما داخل الضفة الغربية، ويمر عبر أراضٍ فلسطينية مأهولة ومزروعة، ويؤثر في مصادر المياه وشبكة الطرق والمراعي.

كما أن المشروع يأتي بالتوازي مع شبكة من الطرق الاستيطانية والإجراءات العسكرية التي عززت خلال السنوات الماضية السيطرة الإسرائيلية على الأغوار.

ولهذا يرى فلسطينيون أن “الخيط القرمزي” يجب النظر إليه ضمن منظومة أوسع، لا باعتباره مشروعًا منفصلًا، خصوصًا أن نتيجته العملية تتمثل في فصل السكان عن أراضيهم، وربط المناطق الاستيطانية بشبكة طرق وحواجز عسكرية أكثر إحكامًا.

45 ألف دونم خلف الجدار

وتقدر منظمة “كرم نابوت” أن المرحلة الحالية من المشروع قد تؤدي إلى فصل أصحاب الأراضي والمزارعين في طوباس وطمون وتياسير والعقبة عن نحو 45 ألف دونم تقع بين الحاجز الجديد وشارع ألون.

وهذه المساحة أكبر بكثير من الأراضي التي سيقام عليها الجدار مباشرة.

وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج المشروع: أن مصادرة الأرض ليست الوسيلة الوحيدة للسيطرة عليها.

فقد تبقى الأرض مسجلة باسم أصحابها، لكنها تصبح عمليًا بعيدة عنهم، أو تحتاج إلى تنسيق وتصاريح للوصول إليها، أو تفقد جدواها الاقتصادية بسبب قطع المياه والطرق.

وعندما تصبح الزراعة غير ممكنة والرعي مقيدًا والوصول إلى الأرض صعبًا، تتحول الملكية القانونية إلى ملكية بلا قدرة فعلية على الاستخدام.

من عزل الأرض إلى دفع السكان نحو الرحيل

تاريخ الأغوار خلال العقود الماضية يوضح أن السيطرة على الأرض لا تعتمد فقط على الاستيلاء المباشر، وإنما أيضًا على جعل الحياة فيها أكثر صعوبة.

التجريف يضرب الزراعة، وقطع المياه يهدد الإنتاج، والقيود العسكرية تحد من الحركة، والمستوطنات والبؤر الاستيطانية تتوسع في محيط التجمعات الفلسطينية.

ومع اكتمال الجدار، يمكن أن تتجمع هذه الإجراءات في واقع واحد يدفع السكان إلى مغادرة المنطقة من دون الحاجة إلى إعلان تهجير جماعي مباشر.

وهذا هو البعد الأخطر في المشروع بالنسبة إلى التجمعات البدوية والزراعية؛ إذ إن فقدان الأرض والمياه والمراعي يعني فقدان الأساس الاقتصادي الذي يسمح بالبقاء.

وتشير بيانات منشورة في أغسطس/آب إلى أن 47 عائلة باتت تواجه خطر التهجير بعد تضرر مصادر المياه في مناطق من شمال الغور، وهو مؤشر على أن تداعيات المشروع بدأت بالفعل قبل اكتماله.

المشروع لا يبني جدارًا فقط.. بل يبني واقعًا جديدًا

في صورته النهائية، لن يكون “الخيط القرمزي” مجرد خط من الأسلاك والخنادق والجدران.

إنه شبكة متكاملة من الطريق والحاجز والأوامر العسكرية والتجريف والسيطرة على المياه ومراقبة الحركة، تعمل معًا على إعادة تعريف من يستطيع الوصول إلى الأرض ومن يستطيع استغلالها.

وتشير معطيات فلسطينية إلى أن المشروع، إذا اكتمل وفق مساره الحالي، سيعزل مساحات واسعة من الامتداد الزراعي لطوباس، فيما حذرت مصادر محلية من تأثيره في الأمن الغذائي، نظرًا إلى أهمية المحافظة الزراعية في تزويد أسواق الضفة الغربية بالمنتجات.

وبهذا المعنى، فإن المعركة على “الخيط القرمزي” ليست على 22 كيلومترًا من الطريق فحسب، وإنما على ما يقع خلفها وأمامها: عشرات آلاف الدونمات، ومصادر المياه، والمراعي، والقرى والتجمعات الزراعية، وقدرة الفلسطينيين على البقاء في واحدة من أكثر مناطق الضفة حساسية من الناحية الجغرافية والاستراتيجية.

الأغوار أمام معادلة جديدة

تكشف التطورات الميدانية خلال عام 2026 أن المشروع انتقل من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ: أوامر وضع اليد، ثم التجريف، ثم اقتلاع الأشجار، وتدمير خطوط المياه، وشق الطريق، بالتوازي مع استمرار العمل على إقامة الحاجز.

وفي يونيو/حزيران، حذرت جهات فلسطينية من أن المشروع يعيد تشكيل السيطرة الإسرائيلية على الأغوار ويهدد بفصلها عن باقي مناطق الضفة الغربية.

ومع كل متر جديد من الطريق، لا يتغير شكل الأرض فقط، بل تتغير شروط الوصول إليها.

وهنا تتضح جوهر خطورة “الخيط القرمزي”: أن السيطرة لا تحتاج دائمًا إلى إعلان ضم الأرض؛ فقد تبدأ بعزلها، ثم منع أصحابها من الوصول إليها، ثم إفراغها من مقومات الحياة، قبل أن تصبح السيطرة عليها أمرًا واقعًا.

وفي الأغوار، حيث تمثل الأرض والمياه والمراعي أساس وجود التجمعات الفلسطينية، فإن اكتمال هذا المسار قد يعني تثبيت واقع جغرافي جديد: أغوار أكثر اتصالًا بالمستوطنات، وأكثر انفصالًا عن امتدادها الفلسطيني.

Exit mobile version