Site icon Palestinealyoum

الشهيد محمد عنان.. قصة عائلة فلسطينية محتها حرب الإبادة الإسرائيلية

الشهيد محمد عنان.. قصة عائلة فلسطينية محتها حرب الإبادة الإسرائيلية

لم يكن محمد أكرم عنان، المعروف بين أحبائه بـ«أبو أكرم»، يتخيل أن الطريق الذي بدأه منذ طفولته سينتهي بهذه السرعة، ولا أن البيت الذي جمعه بزوجته إيمان عبدالعال سيتحول إلى ذكرى، وأن اسميهما سيُضافان إلى قائمة طويلة من العائلات التي ابتلعها القصف الإسرائيلي في حرب الإبادة على قطاع غزة.

وقبل يومين، ارتقت زوجته إيمان، وكانت حاملاً، شهيدة إثر قصف إسرائيلي استهدف شقة في غزة؛ ولم تمضِ سوى فترة قصيرة حتى لحق بها محمد، لتغلق حرب الإبادة صفحة عائلة كاملة، وتترك خلفها أقارب وأصدقاء يحملون صورًا وذكريات وأسماءً لم يعد أصحابها قادرين على الإجابة حين يُنادى عليهم.

في رثائها لشقيقها، تستعيد عادلة عنان تفاصيل رجل عرفته منذ طفولته، وتقول إنهما كانا «صغار السن، كبار العقل» حين التحق محمد بحركة المقاومة الإسلامية حماس، مشيرة إلى أنه لم يتردد في اختياره، وأن حلم الشهادة ظل يرافقه منذ سنواته الأولى.

وتروي عادلة أن شقيقها كان ينشد «في سبيل الله نمضي»، ويحرص على الاستيقاظ لصلاة الفجر، في صورة تقول إنها كانت تختصر الكثير من شخصيته وحياته.

وحين تزوج إيمان، تقول شقيقته، جمعتهما المحبة وحسن السيرة، وكان كل منهما يتمنى أن ينال الشهادة قبل الآخر، قبل أن تكتب الحرب نهايتهما معًا، في يومين متقاربين.

وتقول في رثائها المؤلم: «ما أصعب أن يكون أخي الذي اعتدت أن أراه وأسمع صوته، ذكرى أحملها في قلبي. ما أصعب أن تمر الأيام ولا أستطيع أن أقول لك: كيف حالك يا أخي؟».

ثم تضيف: «لا نعزّي أنفسنا بشهادتك يا أخي، بل نبارك لأنفسنا بك. نبارك لأن لنا أخًا عاش على مبدأ، ومضى على مبدأ، وترك خلفه سيرة نفخر بها ما حيينا».

ووسط الجموع التي شيعت محمد، تقدمت والدته المكلومة بثبات وهي تستودع ابنها، داعية الله أن يمنحها الصبر والقوة على فراقه وفراق من سبقوه من الشهداء.

ذلك المشهد، في غزة، لم يعد استثنائيًا. أمّ تودع ابنًا، وزوجة تُفجع بزوج، وعائلة تبحث عن أسماء أحبائها بين قوائم الشهداء، فيما تتسع دائرة الفقد حتى يصبح غياب أفراد الأسرة جميعًا واقعًا لا يمكن استيعابه.

أما ابن عم الشهيد، فنعاه بكلمات اختصر فيها وقع الفاجعة، كاتبًا: «بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، أنعى ابن عمي الشهيد الحبيب محمد أكرم عنان».

وأضاف: «ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون».

بدوره، كتب عبد سمير في رثائه: «نزف إلى العلياء رفيق الدرب، الحبيب محمد عنان أبو أكرم، سائلين المولى جل وعز أن يتقبله شهيدًا»، قبل أن يستعيد بيتًا شعريًا يقول: «ونفس الشهيد لها غايتان.. بلوغ المنايا ونيل العدا».

وبين هذه الكلمات، تبدو المأساة أكبر من لحظة تشييع؛ فمحمد لم يفقد حياته وحده، وإيمان لم تغب وحدها، بل انطفأت معهما أسرة وحكاية وبيت كان ينتظر مولودًا لم يرَ النور.

قصة محمد وإيمان ليست حالة منفردة في غزة، إذ تكشف بيانات فلسطينية عن حجم هائل من الخسائر التي طالت العائلات بأكملها خلال الحرب الإسرائيلية على القطاع.

وبحسب تقرير لوزارة الصحة في غزة يغطي الفترة من أكتوبر 2023 حتى يوليو 2026، أُبيدت 2276 عائلة فلسطينية بالكامل، بعدما قُتل 8858 من أفرادها، ولم يبقَ منها أي فرد، لتُمحى بذلك من السجل المدني. كما فقدت 2348 عائلة أحد أفرادها وبقي منها شخص واحد فقط، فيما نجا أكثر من فرد من 4903 عائلات أخرى تعرضت للاستهداف.

وتعني عبارة «محو العائلة من السجل المدني» أن القصف لم يترك ناجيًا يحمل اسم الأسرة أو يروي تفاصيلها، بعدما امتد الموت إلى الآباء والأمهات والأبناء والأحفاد، في واحدة من أكثر صور الفقد قسوة التي خلفتها الحرب.

ولا تتوقف المأساة عند الأرقام؛ فخلف كل اسم محذوف من السجل بيتٌ كان يعج بالحياة، وأطفالٌ كانوا ينتظرون آباءهم، وأمهاتٌ كنّ يحفظن تفاصيل أبنائهن، وأحلامٌ صغيرة لم تجد فرصة لتكتمل.

وهكذا، يصبح محمد وإيمان أكثر من اسمين في سجل الشهداء؛ فهما حكاية بيت أُغلق إلى الأبد، وطفل لم يولد، وعائلة لم يعد لها من الحضور سوى الذاكرة، في قطاع أنهكته الحرب الإسرائيلية، ودفعت عائلات فلسطينية بأكملها ثمنًا لمأساة لا تزال آثارها تتسع من الركام إلى السجل المدني نفسه.

Exit mobile version