Site icon Palestinealyoum

الضفة بصلب مشروع اليمين.. من تصفية أوسلو لإعادة رسم حدود الدولة اليهودية

المركز الفلسطيني للإعلام

في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى تداعيات الحرب على قطاع غزة، تتسارع في الضفة الغربية تحولات يراها مراقبون أخطر على المدى البعيد، إذ تتجاوز الإجراءات الإسرائيلية الطابع الأمني إلى محاولة إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي بما ينسجم مع رؤية اليمين الإسرائيلي.

 ويعتبر الخبير في الشأن الإسرائيلي محمد مصلح أن ما يجري اليوم ليس مجرد تصعيد ميداني، بل جزء من مشروع استراتيجي يهدف إلى حسم مستقبل الضفة الغربية وطيّ صفحة اتفاق أوسلو، وصولًا إلى تكريس مشروع “الدولة اليهودية” وفق الرؤية الدينية والقومية لليمين.

ويرى مصلح في حديث لمراسلنا أن الضفة الغربية تختلف جذريًا عن قطاع غزة في الفكر الإسرائيلي؛ فغزة تُنظر إليها باعتبارها عمقًا أمنيًا، بينما تمثل الضفة الغربية عمقًا وجوديًا للمشروع الصهيوني، لارتباطها بالرواية الدينية اليهودية وبفكرة “أرض الميعاد”، وهو ما يجعلها هدفًا استراتيجيًا لا يمكن لليمين الإسرائيلي التنازل عنه.

ويشير إلى أن تاريخ الضفة الغربية يمتد لأكثر من ثلاثة آلاف عام، في حين أن فترة الممالك اليهودية لم تتجاوز نحو مئتي عام، بينما تعود بقية المراحل التاريخية إلى الكنعانيين والعرب وغيرهم من الشعوب التي تعاقبت على الأرض. وبرأيه، تسعى إسرائيل إلى التركيز على تلك الحقبة المحدودة لإضفاء شرعية تاريخية على مشروعها في فلسطين.

ويضيف أن اليمين الإسرائيلي يعمل على تحقيق ما يعتبره أكبر إنجاز سياسي وأيديولوجي، يتمثل في إعادة صياغة الدولة اليهودية وفق مفهومها الديني، وهو مفهوم يرى أن اكتمال الدولة لا يتحقق دون فرض السيادة على الضفة الغربية.

ويؤكد أن إسرائيل قد تتعامل بمرونة مع ملفات أخرى، لكنها لا ترى إمكانية للتخلي عن الضفة الغربية، لأنها تمثل جوهر المشروع الصهيوني بالنسبة لتيارات اليمين الديني والقومي.

ويعتقد مصلح أن السياسات الإسرائيلية الحالية، بما فيها توسيع الاستيطان، وإطلاق يد المستوطنين، وعمليات التهجير القسري، والاعتقالات، وتشديد القيود على الفلسطينيين، إلى جانب تجاوز التقسيمات التي أقرها اتفاق أوسلو (أ، ب، ج)، تصب جميعها في هدف واحد، وهو القضاء عمليًا على إمكانية قيام دولة فلسطينية وإنهاء حل الدولتين.

ويضيف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحاول، بعد الحرب على غزة، نقل مركز الصراع إلى الضفة الغربية، مستغلًا التطورات الأمنية لترميم معسكر اليمين المتطرف، وكسب دعم القوى الاستيطانية والتيارات الدينية، بما فيها المجموعات المتأثرة بأفكار حركة “كاخ”.

وبحسب مصلح، فإن ما يجري اليوم يمثل محاولة لإنهاء مشروع أوسلو بالكامل، وضم الضفة الغربية فعليًا إلى حدود إسرائيل، مع دفع الفلسطينيين إلى مناطق معزولة وغير مترابطة جغرافيًا، تخضع لإدارة محلية محدودة الصلاحيات، في نموذج يعيد إلى الأذهان مشروع “روابط القرى”.

ويرى أن اتفاق أوسلو كان، من وجهة نظره، تسوية فرضتها إسرائيل مستفيدة من حالة الضعف العربي والفلسطيني آنذاك، بينما تشهد المرحلة الحالية عودة واضحة إلى الفكر اليميني الذي ينكر وجود أي حق سياسي للفلسطينيين في الضفة الغربية.

ويصف مصلح السلطة الفلسطينية بأنها تمر بمرحلة غير مسبوقة من التراجع، بعدما فقدت كثيرًا من أدواتها السياسية، وأصبحت عاجزة عن التأثير في مسار الأحداث، كما تم تهميش دورها في ملفات رئيسية، وفي مقدمتها قطاع غزة.

ويحذر من أن الضفة الغربية مقبلة على مرحلة أكثر خطورة، عنوانها تصفية الوجود الفلسطيني سياسيًا وجغرافيًا، في ظل استمرار المشروع الإسرائيلي، مقابل غياب قدرة فلسطينية رسمية على مواجهته.

وعلى صعيد المستقبل، يرى مصلح أن أحداث السابع من أكتوبر ستترك آثارًا طويلة الأمد، ليس فقط على الفلسطينيين والإسرائيليين، بل على المشهد الدولي أيضًا.

ويشير إلى أن إسرائيل تواجه اليوم أزمة متصاعدة تتعلق بهويتها وطبيعة نظامها السياسي، في مقابل تراجع غير مسبوق في صورتها الدولية، خاصة لدى الأجيال الجديدة في أوروبا والولايات المتحدة، التي أصبحت – بحسب تقديره – أقل اقتناعًا بالرواية الإسرائيلية وأكثر تشكيكًا في شرعية المشروع الصهيوني.

Exit mobile version