
خاص المركز الفلسطيني للإعلام
دخلت العلاقات بين بريطانيا وإسرائيل مرحلة غير مسبوقة من التوتر، مع اتساع الخلاف بين لندن وحكومة بنيامين نتنياهو بشأن الحرب في قطاع غزة، والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وسط توجه بريطاني لاتخاذ إجراءات جديدة ضد إسرائيل.
وقالت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، في تقرير نشرته الأربعاء، إن العلاقات بين البلدين وصلت إلى “أسوأ نقطة منذ عقود”، في ظل تصاعد الخلافات السياسية والدبلوماسية، وتحول ملف الاستيطان في الضفة الغربية إلى أحد أبرز مصادر التوتر بين الحكومتين.
ويأتي ذلك في وقت تستعد فيه حكومة رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام للإعلان عن حزمة إجراءات رداً على التوسع الإسرائيلي في المستوطنات، ولا سيما مشروع المنطقة المعروفة باسم “E1” في الضفة الغربية.
الاستيطان يشعل الخلاف
يمثل مشروع “E1” محورًا أساسيًا في التصعيد الأخير بين لندن وتل أبيب.
وترى الحكومة البريطانية أن المشروع الاستيطاني يهدد إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، بسبب موقعه الجغرافي الحساس بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، وما يمكن أن يترتب عليه من تقطيع التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية.
وكان وزير الخارجية البريطاني إيد ميليباند قد أعلن أمام مجلس العموم أن بريطانيا “لن تقبل بتدمير حل الدولتين”، متعهدًا باتخاذ إجراءات ردًا على التوسع الاستيطاني الإسرائيلي.
وتبحث لندن، وفق ما أوردته الصحيفة، إجراءات يمكن أن تستهدف الأنشطة التجارية المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية، في خطوة قد تزيد من حدة الخلاف مع الحكومة الإسرائيلية.
وكانت بريطانيا قد أدانت في أغسطس/آب طرح مناقصة لبناء أكثر من 1200 وحدة سكنية في مشروع E1، واستدعت القائم بالأعمال الإسرائيلي لديها للاحتجاج على الخطوة.
من غزة إلى الضفة
ولا ينفصل الخلاف حول الضفة عن موقف لندن من الحرب في غزة، فالحكومة البريطانية أصبحت أكثر انتقادًا للعمليات العسكرية الإسرائيلية، بعد سنوات من العلاقات الوثيقة والتعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.
وبحسب “فايننشال تايمز”، اتخذت بريطانيا خلال الفترة الأخيرة سلسلة خطوات تعكس هذا التحول، بينها فرض عقوبات محدودة، وتعليق تراخيص لبعض صادرات الأسلحة إلى إسرائيل، إضافة إلى اعترافها بالدولة الفلسطينية.
وأصبح ملف غزة جزءًا من أزمة سياسية أوسع بين لندن وتل أبيب، خصوصًا مع استمرار الانتقادات البريطانية للوضع الإنساني في القطاع والخسائر الكبيرة بين المدنيين.
تصعيد سياسي متبادل
ولا يقتصر التوتر على الملفات السياسية الرسمية، إذ دخلت التصريحات المتبادلة بين مسؤولين وشخصيات من الجانبين على خط الأزمة.
وتشير الصحيفة إلى أن تصريحات مثيرة للجدل صدرت عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ونجله يائير نتنياهو، إلى جانب اتهامات وُجهت إلى حكومة حزب العمال البريطانية، أسهمت في زيادة التوتر.
وردت لندن باحتجاجات رسمية، ما عكس انتقال الخلاف من مستوى الاختلاف حول السياسات إلى أزمة دبلوماسية أكثر وضوحًا.
وفي المقابل، حذرت إسرائيل من أن أي خطوات بريطانية جديدة ضدها قد تؤدي إلى ردود فعل إسرائيلية.
وكان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قد حذر من أن إسرائيل ستتخذ إجراءات مقابلة إذا مضت بريطانيا في فرض إجراءات عقابية مرتبطة بالمستوطنات.
علاقات استراتيجية تحت الضغط
تكمن أهمية الأزمة الحالية في أنها لا تهدد العلاقات السياسية فقط، بل قد تمتد إلى ملفات أكثر حساسية، فبريطانيا وإسرائيل تربطهما علاقات طويلة في مجالات الأمن والاستخبارات والدفاع والتجارة.
وتقدر قيمة التجارة بين البلدين بنحو 6.2 مليار جنيه إسترليني سنويًا، فيما يمثل التعاون الأمني والاستخباري أحد أهم جوانب العلاقة الثنائية.
لكن استمرار الخلاف قد يضع هذه العلاقات أمام اختبار صعب، خصوصًا إذا انتقلت بريطانيا من الانتقادات السياسية إلى إجراءات اقتصادية وتجارية أكثر صرامة.
وتشير الصحيفة إلى أن إصلاح العلاقة، إذا استمر المسار الحالي، قد يكون بطيئًا، خصوصًا في ظل استمرار الخلافات حول غزة والاستيطان ومستقبل الدولة الفلسطينية.
حسابات نتنياهو وبورنهام
وتأتي الأزمة في توقيت حساس بالنسبة إلى قيادتي البلدين، فنتنياهو يواجه حسابات سياسية داخل إسرائيل مرتبطة بالانتخابات المقبلة، في ظل نفوذ القوى اليمينية داخل ائتلافه، والتي تدفع باتجاه توسيع الاستيطان وترفض تقديم تنازلات بشأن مستقبل الضفة الغربية.
وفي بريطانيا، تواجه حكومة بورنهام ضغوطًا سياسية وشعبية متزايدة بشأن موقفها من الحرب في غزة والقضية الفلسطينية.
وتضع هذه الحسابات الطرفين أمام مساحة محدودة للمناورة، إذ يصعب على أي من الحكومتين التراجع بسهولة عن مواقفها من دون تحمل كلفة سياسية داخلية.
الضفة في قلب المواجهة
وبذلك، يبدو أن الضفة الغربية بدأت تتحول إلى واحدة من أهم ساحات الخلاف بين بريطانيا وإسرائيل.
فبينما ترى لندن أن استمرار الاستيطان، خصوصًا في منطقة E1، يقوض حل الدولتين، تدفع الحكومة الإسرائيلية باتجاه توسيع المشروع الاستيطاني وترسيخ السيطرة على أجزاء أكبر من الضفة.
وهنا يتجاوز الخلاف قضية مستوطنة أو مشروع بناء محدد، ليصل إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية نفسها.
فإذا أدى التوسع الاستيطاني إلى منع قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا، فإن بريطانيا تجد نفسها أمام معضلة: كيف يمكنها الاستمرار في دعم حل الدولتين بينما تتسارع الإجراءات الإسرائيلية التي تقول إنها تقوض هذا الحل؟
هل نحن أمام تحول تاريخي؟
ورغم وصول العلاقات إلى واحدة من أكثر مراحلها توترًا، فإن الأزمة الحالية لا تعني بالضرورة أن بريطانيا قطعت علاقاتها الاستراتيجية مع إسرائيل.
لكن التطورات الأخيرة تشير إلى تغير واضح في طبيعة العلاقة.
فمن انتقادات دبلوماسية وبيانات سياسية، بدأت لندن تتحرك باتجاه إجراءات أكثر تحديدًا ضد الاستيطان، في وقت أصبح فيه الاعتراف بالدولة الفلسطينية وانتقاد العمليات الإسرائيلية في غزة جزءًا من السياسة البريطانية.
وتقول “فايننشال تايمز” إن استعادة العلاقات إلى سابق عهدها لن تكون سهلة، خصوصًا إذا استمر التصعيد حول غزة والضفة الغربية.
وبينما تواصل إسرائيل توسيع مشروعها الاستيطاني، تحاول بريطانيا التأكيد أنها لن تسمح بتقويض حل الدولتين.
وهكذا، لم تعد القضية الفلسطينية مجرد ملف في السياسة الخارجية البريطانية، بل أصبحت عاملًا مباشرًا في تحديد مستقبل العلاقة بين لندن وتل أبيب.
والسؤال الذي تطرحه المرحلة المقبلة هو: هل تتوقف بريطانيا عند حدود الضغط السياسي، أم تنتقل إلى إجراءات اقتصادية وتجارية أكثر قوة ضد إسرائيل والمستوطنات؟
إذا انتقلت لندن إلى المرحلة الثانية، فقد لا تكون الأزمة الحالية مجرد خلاف عابر، بل بداية إعادة صياغة للعلاقة البريطانية الإسرائيلية التي ظلت لعقود قائمة على شراكة أمنية ودفاعية وتجارية وثيقة.

