
المركز الفلسطيني للإعلام
في الظاهر، تبدو المسألة وكأنها خطوة إدارية لإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، أحد أهم أطر التمثيل السياسي للشعب الفلسطيني.
لكن خلف إجراءات التشكيل والأرقام والمقاعد، تبرز معركة أكثر عمقًا: من يملك حق صناعة التمثيل الفلسطيني؟ ومن يقرر شكل المؤسسة التي يفترض أن تمنح الشرعية للقرار الوطني؟
فمع التحضير لإعادة تشكيل المجلس الوطني بالتوازي مع الاستعداد للانتخابات التشريعية، تتجه السلطة الفلسطينية إلى هندسة تركيبة سياسية جديدة لمؤسسة يفترض أن تكون الإطار الأوسع لتمثيل الفلسطينيين في الوطن والشتات.
المفارقة أن الانتخابات تُطرح بوصفها مدخلًا لتجديد الشرعية، فيما يجري في الوقت ذاته اعتماد آليات أخرى لاختيار أعضاء المجلس، بينها المجاميع الانتخابية والتوافق والتعيين في الحالات التي يتعذر فيها إجراء الاقتراع المباشر.
350 مقعدًا.. ومعركة على من يختارهم
بحسب النظام الانتخابي المعتمد لعام 2026، يتكون المجلس الوطني من 350 عضوًا؛ 200 منهم يمثلون الأراضي الفلسطينية، و150 يمثلون الفلسطينيين في الخارج والشتات.
والأصل، وفق النظام، أن يتم اختيار الأعضاء عبر الانتخاب المباشر وبالتمثيل النسبي الكامل حيثما أمكن ذلك.
لكن الباب الذي فُتح أمام استخدام المجاميع الانتخابية والتوافق والتعيين في المناطق التي يتعذر فيها إجراء الانتخابات يطرح سؤالًا سياسيًا يتجاوز الجانب الإجرائي: هل يصبح الاستثناء وسيلة لإنتاج جزء أساسي من تركيبة المجلس؟
فالفارق كبير بين أن تكون الانتخابات هي القاعدة والاستثناء حلًا اضطراريًا، وبين أن تتحول آليات غير مباشرة إلى وسيلة لتحديد هوية أعضاء مؤسسة يفترض أن تستمد قوتها من التفويض الشعبي.
وبهذا المعنى، فإن المعركة الحقيقية ليست على عدد المقاعد التي سيحصل عليها كل طرف، بل على الطريق الذي سيصل عبره أصحاب هذه المقاعد إلى المجلس.
المجاميع الانتخابية.. الصندوق الغائب
تكشف آلية المجاميع الانتخابية واحدة من أكثر نقاط الخلاف حساسية.
فبدل أن يشارك الفلسطينيون بصورة مباشرة في اختيار ممثليهم، يجري في بعض الحالات الاعتماد على مجموعات محدودة تتولى مهمة الاختيار نيابة عن جمهور أوسع.
هذه الآلية قد تكون مفهومة عندما تفرض الظروف تعذر إجراء الانتخابات، لكن الإشكالية السياسية تبدأ عندما يصبح السؤال: من اختار أعضاء هذه المجاميع؟ ومن منحهم التفويض؟ وكيف يمكن التأكد من أنهم يعكسون حقيقة التوازنات السياسية والاجتماعية داخل المجتمعات التي يتحدثون باسمها؟
الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة يرى أن جوهر المشكلة يرتبط بنمط أوسع من إدارة المؤسسات الفلسطينية، يقوم على التعيين وتأجيل الاستحقاقات الانتخابية والتحكم في شكل التمثيل.
وبحسب هذه القراءة، فإن إعادة تشكيل المجلس الوطني لا تجري بمعزل عن حسابات المرحلة السياسية المقبلة، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات التشريعية وما قد تفرزه من نتائج لا يمكن ضمانها مسبقًا.
وهنا تبرز فرضية سياسية لافتة: هل يجري بناء تركيبة المجلس الوطني باعتبارها شبكة أمان سياسية لأي تغير محتمل في موازين القوى داخل السلطة؟
الشتات.. 150 مقعدًا خارج الصندوق
ربما تكون معركة التمثيل في الخارج هي الأكثر دلالة على طبيعة الإشكالية.
فمن أصل 350 مقعدًا، خُصص 150 مقعدًا للفلسطينيين في الخارج والشتات، أي ما يقارب نصف عدد أعضاء المجلس.
وهذا الرقم وحده يكشف أهمية الكتلة الانتخابية الفلسطينية خارج الأراضي الفلسطينية في تحديد تركيبة المجلس.
لكن الفلسطينيين في الشتات ليسوا كتلة متجانسة؛ فهم موزعون بين عشرات الدول، وتختلف ظروفهم القانونية والسياسية والتنظيمية من بلد إلى آخر، فضلًا عن وجود ملايين اللاجئين الفلسطينيين.
ومن هنا، فإن طريقة اختيار ممثلي الشتات ليست تفصيلًا تقنيًا، بل واحدة من أهم مفاتيح تشكيل المجلس.
فإذا تعذر الاقتراع المباشر في بعض الدول، يبقى السؤال: لماذا لا تكون هناك آليات أكثر اتساعًا تضمن مشاركة الجاليات نفسها في اختيار ممثليها؟
وإذا كان الهدف هو تمثيل الشتات، فإن معيار النجاح لا ينبغي أن يكون فقط في عدد المقاعد المخصصة له، وإنما في مدى امتلاك هؤلاء الممثلين تفويضًا حقيقيًا من الفلسطينيين الذين يفترض أنهم يمثلونهم.
من يمثل الفلسطينيين الذين لا يملكون صندوقًا؟
الكاتب والمحلل السياسي هلال نصار يضع القضية في إطار أشمل، معتبرًا أن المجلس الوطني لا ينبغي أن يكون انعكاسًا للخريطة الحزبية فقط، بل يجب أن يعكس مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني، بما يشمل النساء والشباب والأكاديميين والنقابيين والمستقلين واللاجئين وفلسطينيي الشتات.
وهذا الطرح يقود إلى سؤال آخر: إذا كان المجلس هو المؤسسة التي يفترض أن تجمع مختلف مكونات الشعب الفلسطيني، فكيف يمكن ضمان تمثيل الفئات التي لا تملك أدوات سياسية أو تنظيمية تمكنها من الوصول إلى المجاميع الانتخابية؟
فالمشكلة لا تتعلق فقط بمن يملك حزبًا أو تنظيمًا قادرًا على تحريك أنصاره، وإنما بمن لا يملك أيًا من ذلك.
وهنا يمكن أن يتحول نظام الاختيار غير المباشر إلى إعادة إنتاج تلقائية للقوى الأكثر تنظيمًا ونفوذًا، على حساب المستقلين والفئات الاجتماعية التي لا تمتلك شبكات سياسية قوية.
غياب حماس والجهاد.. أين تذهب فكرة المجلس الجامع؟
ثمة سؤال آخر أكثر حساسية يتعلق بغياب حركتي حماس والجهاد الإسلامي عن عملية التشكيل.
فالمجلس الوطني، تاريخيًا، يفترض أن يكون إطارًا جامعًا للقوى الفلسطينية، حتى في ظل الخلافات السياسية والفكرية بينها.
لكن استبعاد قوى سياسية وازنة من عملية تشكيل المؤسسة يضع علامة استفهام حول مدى قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها ممثلًا شاملًا للشعب الفلسطيني.
وهنا تتجاوز القضية الخلاف بين فتح وحماس أو بين فصيل وآخر؛ إذ إن السؤال يتعلق بمفهوم التمثيل نفسه.
هل يستطيع مجلس وطني أن يكون وطنيًا جامعًا إذا لم تشارك فيه قوى فلسطينية رئيسية؟
قد تكون هناك أسباب سياسية وتنظيمية تفسر غياب هذه القوى، لكن النتيجة السياسية تبقى واحدة: تركيبة المجلس المقبلة ستولد في ظل انقسام لم يُحسم، وليس في ظل توافق وطني شامل.
الانتخابات التشريعية.. الوجه الآخر للمشهد
لا يمكن قراءة عملية إعادة تشكيل المجلس الوطني بعيدًا عن الانتخابات التشريعية المقررة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
فالمؤسستان مختلفتان من حيث الوظيفة، لكن توقيت التحرك في المسارين يفتح بابًا واسعًا للتحليل السياسي.
فالانتخابات التشريعية قد تعيد توزيع موازين القوى داخل النظام السياسي، بينما تتيح إعادة تشكيل المجلس الوطني إعادة ترتيب التوازنات داخل منظمة التحرير.
ومن هنا، فإن المسارين قد ينتجان نتيجتين سياسيتين متوازيتين: صندوق انتخابي يحدد شكل السلطة، وترتيبات داخلية تحدد شكل المؤسسة الوطنية الأوسع.
ويشير عفيفة إلى أن هذه المعادلة ترتبط أيضًا بحسابات حركة فتح ومستقبل السلطة وتركيبة منظمة التحرير، ما يجعل المجلس الوطني جزءًا من معركة سياسية أكبر حول شكل المرحلة المقبلة.
من يجدد الشرعية.. الشعب أم المؤسسة؟
الكاتب والمحلل السياسي محمد مصطفى شاهين يذهب إلى جوهر الإشكالية حين يطرح سؤال التفويض.
فإذا كان ملايين الفلسطينيين في الشتات غير قادرين على اختيار ممثليهم بصورة مباشرة، فمن أين تحصل مجموعة محدودة على التفويض الذي يسمح لها باختيار أعضاء المجلس نيابة عنهم؟
السؤال يبدو إجرائيًا، لكنه في الحقيقة سياسي بامتياز.
لأن الشرعية لا تتعلق فقط بالنتيجة النهائية، بل بالطريق الذي أنتجها.
وقد يكون العضو المختار شخصًا ذا كفاءة وخبرة وتمثيل اجتماعي حقيقي، لكن ذلك لا يلغي السؤال عن الجهة التي منحته التفويض.
وهنا تكمن المفارقة: المؤسسة التي يفترض أن تكون مصدرًا للشرعية الوطنية قد تجد نفسها مطالبة أولًا بإثبات شرعيتها هي.
يضع شرعية المنظمة أمام إشكالية
وحذّر أستاذ القانون العام في جامعة الخليل ومؤسس تجمع الكل الفلسطيني، الدكتور بسام القواسمي، من أن تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني عبر التعيين بدلاً من الانتخاب يتعارض مع النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية.
وأكد أن المجلس، بوصفه السلطة العليا للمنظمة وللشعب الفلسطيني، يفترض أن يستمد شرعيته من انتخابات حرة ومباشرة يشارك فيها الفلسطينيون كافة.
وقال القواسمي إن المادة الخامسة من النظام الأساسي لمنظمة التحرير تنص على انتخاب أعضاء المجلس الوطني انتخاباً حراً ومباشراً من قبل الشعب الفلسطيني، متسائلاً عن أسباب عدم إجراء هذه الانتخابات منذ نشأة المنظمة عام 1964 وحتى اليوم، رغم مرور نحو 62 عاماً، وما يزيد على 20 دورة انتخابية كان يفترض أن يشهد خلالها المجلس عملية انتخابية دورية.
المجلس الوطني.. شرعية غائبة منذ عقود
وانتقد القواسمي الحديث عن تشكيل المجلس الوطني المقبل من خلال تعيين أعضاء من داخل فلسطين وخارجها، معتبراً أن هذا المسار يتناقض مع الأصل الذي حدده النظام الأساسي، وهو انتخاب أعضاء المجلس من الشعب الفلسطيني.
وأوضح أن استمرار غياب الانتخابات طوال العقود الماضية أسهم، برأيه، في إضعاف الثقة بالقيادة السياسية ومنظمة التحرير، ووسّع الفجوة بين المنظمة وقطاعات من الشعب الفلسطيني، مشدداً على أن إجراء انتخابات دورية للمجلس الوطني كان من شأنه تعزيز الالتفاف الشعبي حول منظمة التحرير ومؤسساتها.
واستند القواسمي كذلك إلى المادة الرابعة من النظام الأساسي، التي قال إنها تعتبر جميع الفلسطينيين أعضاء طبيعيين في منظمة التحرير، مؤكداً أن ذلك يعني أن الأصل هو أن يكون الشعب الفلسطيني بمختلف أماكن وجوده قاعدة أساسية في تشكيل المجلس الوطني، لا أن يخضع تمثيله للانتقاء أو التعيين.
وأضاف أن طرح شروط تتعلق بالتوقيع على تعهدات أو الاعتراف بمنظمة التحرير للمشاركة في العملية الانتخابية يثير إشكالية، باعتبار أن الفلسطينيين، وفق النظام الأساسي الذي يستند إليه، هم أعضاء طبيعيون في المنظمة وقاعدتها الشعبية.
التشريعي والوطني.. تمثيل الداخل والخارج
وفيما يتعلق بالعلاقة بين المجلس الوطني والمجلس التشريعي، أوضح القواسمي أن المجلس الوطني يمثل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، في حين يختص المجلس التشريعي بتمثيل الفلسطينيين المقيمين داخل الأراضي الفلسطينية.
وأشار إلى أن أعضاء المجلس التشريعي، وعددهم 132 عضواً، يصبحون أعضاء في المجلس الوطني بصورة تلقائية، بينما يجري الحديث عن استكمال عضوية المجلس الوطني من خلال تعيين أعضاء آخرين، معتبراً أن جوهر الإشكالية يكمن في الطريقة التي يجري بها استكمال المجلس وتحديد تركيبته بعيداً عن الانتخاب الشعبي المباشر.
اللجنة التنفيذية.. أزمة الشرعية تبدأ من المجلس
ولفت القواسمي إلى أن الإشكالية لا تتوقف عند تشكيل المجلس الوطني، وإنما تمتد إلى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، باعتبار أن انتخابها يفترض أن يتم من أعضاء المجلس الوطني.
وقال إن انتخاب لجنة تنفيذية من مجلس غير منتخب يفتح، من وجهة نظره، إشكالية تتعلق بشرعية وقانونية المؤسسات القيادية لمنظمة التحرير، لأن المجلس الوطني يمثل الهيئة التي يُفترض أن تمنح اللجنة التنفيذية شرعيتها عبر عملية انتخابية.
وبحسب القواسمي، فإن تشكيل المجلس الوطني بالتعيين، ثم انتخاب اللجنة التنفيذية من مجلس غير منتخب، يؤدي إلى استمرار دائرة من الشرعية غير المستندة إلى انتخابات شعبية مباشرة، وهو ما ينعكس على صورة منظمة التحرير وموقعها التمثيلي باعتبارها الإطار الجامع للفلسطينيين.
المطلوب إعادة بناء المنظمة عبر الانتخابات
ودعا القواسمي إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة تشمل الفلسطينيين في الداخل والخارج، بما يفضي إلى انتخاب مجلس وطني يمثل جميع الفلسطينيين، ومن ثم تشكيل لجنة تنفيذية تستمد شرعيتها من مجلس منتخب.
وأكد أن الوصول إلى مجلس وطني منتخب ولجنة تنفيذية منتخبة من شأنه إعادة تعزيز شرعية منظمة التحرير وتكريسها باعتبارها “البيت الجامع” لكل الفلسطينيين، بعيداً عن منطق التعيين والانتقاء.
وشدد على أن إعادة بناء الشرعية الفلسطينية تبدأ من تمكين الشعب من اختيار ممثليه، معتبراً أن بقاء المؤسسات الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها المجلس الوطني واللجنة التنفيذية، خارج إطار الانتخابات الدورية يفاقم أزمة التمثيل ويعمّق الفجوة بين الشعب والمؤسسات السياسية.
وبشأن الانتخابات المقرر إجراؤها في 28 تشرين الثاني/نوفمبر وفق المرسوم المشار إليه، أعرب القواسمي عن استغرابه من التناقض في التصريحات السياسية بشأن إجرائها، داعياً إلى حسم الموقف وعدم إبقاء الشارع الفلسطيني أمام حالة من الإرباك.
وختم بالتأكيد على ضرورة توحيد الشعب والسلطة والقوانين، وإعادة بناء الشرعية الفلسطينية عبر انتخابات حرة، محذراً من استغلال الانقسام والفراغ السياسي، ومشدداً على أن انتخاب المجلس الوطني واللجنة التنفيذية يمثلان مدخلاً أساسياً لتعزيز وحدة منظمة التحرير ووحدة القرار الوطني الفلسطيني.
إعادة بناء منظمة التحرير أم إعادة ترتيب النفوذ؟
في النهاية، تكشف معركة المجلس الوطني عن صراع أكبر من مجرد تشكيل هيئة جديدة.
إنها معركة على مستقبل منظمة التحرير الفلسطينية نفسها، وعلى سؤال من يملك مفاتيحها في المرحلة المقبلة.
فإعادة تشكيل المجلس يمكن أن تكون فرصة حقيقية لإعادة بناء المؤسسة الوطنية على أساس الانتخاب والشراكة والتعددية، وفتح الباب أمام القوى والفئات التي بقيت لسنوات خارج دوائر القرار.
لكنها قد تتحول أيضًا إلى إعادة ترتيب للنفوذ داخل المؤسسة نفسها، إذا طغت الحسابات السياسية على مبدأ التمثيل الشعبي.
ولهذا فإن المعيار الحقيقي لنجاح العملية لن يكون عدد المقاعد ولا أسماء الأعضاء، وإنما مدى قدرة المجلس الجديد على تمثيل الفلسطينيين باعتبارهم شعبًا، لا باعتبارهم مجاميع حزبية أو جغرافية يجري توزيعها وفق ترتيبات سياسية.
فالشرعية لا تُقاس فقط بمن يجلس تحت قبة المجلس، بل بمن منحه الفلسطينيون حق الجلوس هناك.
وبينما تتقدم ترتيبات التشكيل، يبقى السؤال الذي يصعب تجاوزه حاضرًا بقوة:
هل يجري انتخاب مجلس وطني يمثل الفلسطينيين، أم يجري أولًا تحديد المجلس ثم البحث عن صيغة تمنحه شرعية التمثيل؟

