Site icon Palestinealyoum

المخيمات الفلسطينية بلبنان.. 3 سنوات من الحرب تعيد رسم معادلات الصمود والتهجير

المخيمات الفلسطينية في لبنان

خاص المركز الفلسطيني للإعلام

لم تكن المخيمات الفلسطينية في لبنان، على مدى عقود، مجرد تجمعات سكنية للاجئين، بل تحولت إلى ذاكرة حية للنكبة، وعنوان دائم لحق العودة، وشاهداً على قضية لم تنجح الحروب ولا سنوات اللجوء الطويلة في طمسها.

غير أن هذه المخيمات عاشت في الوقت ذاته واقعاً إنسانياً وقانونياً شديد التعقيد، فرضته القيود على العمل والملكية والخدمات، إلى جانب الفقر والبطالة والاكتظاظ وتراجع البنية التحتية وأزمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”.

ومع اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخلت المخيمات مرحلة مختلفة، بعدما تداخلت تداعيات الحرب الفلسطينية مع التطورات الأمنية في لبنان، خصوصاً مع اشتعال جبهة الجنوب وانخراط فصائل فلسطينية في المواجهات.

وبينما يرى الحاج أبو سامر موسى، عضو قيادة الساحة ومسؤول العلاقات الفلسطينية لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين/لبنان، أن الحرب عمّقت الدور الأمني والسياسي للمخيمات وكشفت هشاشتها في الوقت ذاته، يؤكد مدير مؤسسة العودة الفلسطينية ياسر علي أن السنوات الثلاث الماضية أظهرت الحاجة الملحة إلى مرجعية فلسطينية موحدة تحمي القرار الفلسطيني وتحول دون تحويل المخيمات إلى ساحات لصراعات القوى الإقليمية.

إرث ثقيل من اللجوء

قبل الحرب، كان لبنان يضم 12 مخيماً فلسطينياً رسمياً، تتوزع بين الجنوب وبيروت والشمال والبقاع، إلى جانب عشرات التجمعات الفلسطينية غير الرسمية التي تعاني في كثير منها من ضعف الخدمات وغياب المقومات الأساسية.

الحاج أبو سامر موسى، قيادي في الجهاد الإسلامي

وفي هذه البيئات، تراكمت على مدى سنوات أزمات الاكتظاظ والفقر والبطالة وتدهور البنية التحتية، فيما شهدت بعض المخيمات، خصوصاً برج البراجنة وشاتيلا، توسعاً عمرانياً عشوائياً شديد التعقيد، تتداخل فيه الأبنية وأسلاك الكهرباء وشبكات المياه في مساحة ضيقة، ما يرفع المخاطر على السكان ويحرم كثيراً من المنازل من التهوية والضوء الطبيعي.

ويشير موسى في حديث للمركز الفلسطيني للإعلام إلى أن الأزمات المالية المتكررة التي واجهتها “الأونروا” انعكست بصورة مباشرة على الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية، في وقت يتحمل فيه اللاجئون جزءاً كبيراً من تكاليف العلاج والاستشفاء، بينما تفرض القوانين والقيود اللبنانية واقعاً صعباً أمام حصول الفلسطينيين على بعض الحقوق المدنية والاقتصادية.

ولم يكن الوضع الأمني أقل تعقيداً؛ إذ عاشت المخيمات على مدى سنوات في ظل ترتيبات أمنية خاصة، مع مداخل محددة وغياب الأجهزة الأمنية الرسمية عن داخلها، ما جعلها عرضة للتوترات والاشتباكات الداخلية، وأبقى المدنيين في دائرة الخطر.

بعد أكتوبر.. المخيم يدخل قلب المشهد

يرى موسى أن حرب غزة لم تغيّر جوهر المخيم باعتباره عنواناً للجوء وحق العودة، لكنها عمّقت موقعه في الصراع الإقليمي، خصوصاً مع انخراط فصائل فلسطينية، بينها حماس والجهاد الإسلامي، في المواجهات انطلاقاً من الساحة اللبنانية.

وبذلك، انتقلت المخيمات، وفق هذه الرؤية، من كونها ساحات للعمل السياسي والإغاثي والاجتماعي إلى جزء من معادلة الإسناد التي تشكلت على الحدود اللبنانية الفلسطينية، الأمر الذي جعلها أكثر تعرضاً للتداعيات الأمنية للحرب.

ويرى موسى أن هذا الواقع أعاد القضية الفلسطينية إلى الواجهة داخل المخيمات، وعزز حضورها لدى الأجيال الشابة، لكنه في المقابل جعل الوجود الفلسطيني أكثر عرضة للضغط والاستهداف، خصوصاً مع انتقال عمليات الاغتيال والاستهداف إلى العمق اللبناني.

ومن وجهة نظره، أسقطت هذه التطورات فكرة وجود حصانة جغرافية للمخيمات، بعدما طالت الاستهدافات شخصيات وقيادات فلسطينية في مناطق مختلفة، ما جعل المخيمات أمام واقع أمني جديد لم تعهده خلال السنوات السابقة.

المدنيون في قلب الكلفة

ورغم التحولات الأمنية، يؤكد موسى أن غالبية سكان المخيمات هم مدنيون يعيشون أصلاً في ظروف اقتصادية وإنسانية قاسية، وأنهم وجدوا أنفسهم أمام كلفة إضافية فرضتها الحرب.

وتبرز مخيمات الجنوب في هذا السياق، إذ تحملت أعباء النزوح من القرى والبلدات الجنوبية، واستقبلت عائلات لبنانية نازحة، رغم محدودية إمكاناتها وارتفاع أعبائها المعيشية.

ويرى موسى أن هذا التفاعل يعكس مستوى من الترابط بين اللاجئين الفلسطينيين والبيئة اللبنانية في الجنوب، لكنه يكشف في الوقت ذاته حجم الاستنزاف الذي تعرضت له المخيمات خلال سنوات الحرب.

أزمة القرار الفلسطيني

لكن تداعيات الحرب، بحسب موسى، لم تتوقف عند الأمن والاقتصاد، بل كشفت أزمة أعمق تتعلق بالقرار الفلسطيني نفسه.

فالتعدد السياسي والتنظيمي داخل المخيمات، وتباين المواقف من السلاح والعلاقة مع الدولة اللبنانية والصراع مع الاحتلال، أضعف، وفق رؤيته، إمكانية وجود مرجعية فلسطينية موحدة قادرة على إدارة الملفات الأمنية والسياسية والخدمية.

ويعتبر أن الاستهدافات التي طالت شخصيات فلسطينية كشفت محدودية القدرة على توفير الحماية، فيما ساهم تراجع دور اللجان الشعبية والمؤسسات المحلية وتراجع التمويل في إضعاف قدرة المخيمات على إدارة شؤونها.

وفي السياق ذاته، يطرح ياسر في حديثه للمركز الفلسطيني للإعلام علي الحاجة إلى إعادة بناء مرجعية فلسطينية واضحة، مؤكداً أن السنوات الثلاث الماضية أظهرت أن حماية المخيمات والقرار الفلسطيني المستقل تتطلب تنسيقاً أكبر بين الفصائل والقوى الفلسطينية، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية والارتباطات الخارجية.

ولا يرى علي أن الحل يكمن في عزل المخيمات عن القضية الفلسطينية أو عن الصراع مع الاحتلال، لكنه يشدد على أن أي انخراط يجب أن يكون مدروساً ومنظماً، وألا تتحول المخيمات إلى ساحات مفتوحة لصراعات القوى الإقليمية.

الهجرة.. الخطر الذي لا يُرى

في قلب هذه التحولات، تبرز الهجرة باعتبارها أحد أخطر التحديات التي تواجه مستقبل المخيمات.

ويصف موسى ما يحدث بأنه “تفريغ هادئ”، إذ تدفع الضغوط الاقتصادية والأمنية وتراجع الخدمات شريحة متزايدة من الشباب والكفاءات إلى البحث عن فرص خارج لبنان.

ولا يتعامل علي مع هذه الظاهرة باعتبارها جديدة بالكامل، مشيراً إلى أن موجات الهجرة الفلسطينية تكررت بعد محطات كبرى شهدها لبنان، من الحرب اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي إلى حرب المخيمات وما تلاها.

لكن خطورة المرحلة الراهنة، بحسب قراءته، تكمن في احتمال تحول الهجرة من ظاهرة فردية إلى نزيف ديموغرافي متواصل.

فالفلسطيني الذي يغادر المخيم لا يفعل ذلك بالضرورة لأنه تخلى عن فلسطين أو أسقط حق العودة، بل غالباً بحثاً عن الأمان والعمل ومستقبل أفضل لأبنائه. إلا أن تراكم هذه الحالات يمكن أن يؤدي، بمرور الوقت، إلى إفراغ المخيمات من طاقاتها البشرية.

وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة: قد يبقى المخيم قائماً بمبانيه وشوارعه، بينما يتراجع سكانه الفلسطينيون تدريجياً.

حق العودة في مواجهة واقع الهجرة

ورغم تصاعد الهجرة، يؤكد علي أن ذلك لم يؤدِ بالضرورة إلى تراجع التمسك بحق العودة.

فبعد عقود طويلة على النكبة، لا يزال المخيم، في الوعي الفلسطيني، مرتبطاً بفلسطين الأصلية وبالقرى والبلدات التي هُجّر منها الآباء والأجداد.

ويرى علي أن الهجرة لا تعني تلقائياً التخلي عن حق العودة، إذ يستطيع الفلسطيني أن يبحث عن حياة أكثر أمناً خارج لبنان مع احتفاظه بهويته وارتباطه بمخيمه وقضيته.

ويؤكد أن الروابط العائلية والاجتماعية والثقافية بين المهاجرين والمخيمات تظل قائمة، وأن كثيراً من الفلسطينيين الذين غادروا لبنان ظلوا على صلة بمجتمعاتهم الأصلية.

لكن الخطر، كما يراه موسى، يبدأ عندما تتحول الهجرة إلى نتيجة دائمة للضغط الاقتصادي والأمني، بحيث يصبح تفريغ المخيمات واقعاً قائماً من دون الحاجة إلى قرار معلن.

مخيمات ما بعد الحرب

ولا يتوقع موسى أن تعود المخيمات الفلسطينية في لبنان ببساطة إلى ما كانت عليه قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، معتبراً أن الحرب أحدثت تحولات أمنية وسياسية عميقة.

ياسر علي

فقد أصبحت المخيمات أكثر انكشافاً أمنياً، وتصاعدت الضغوط المرتبطة بملف السلاح، بينما عمّقت الحرب الانقسامات السياسية بين القوى الفلسطينية، بالتزامن مع استمرار أزمة “الأونروا” وتراجع خدماتها.

أما علي، فيرى أن مستقبل المخيمات لن يتحدد فقط بنتائج الحرب، بل أيضاً بطريقة تعامل الدولة اللبنانية مع اللاجئين الفلسطينيين في المرحلة المقبلة.

فالمخيمات، برأيه، لا تعيش في فراغ، وإنما تتأثر بالسياسات اللبنانية والواقع الاقتصادي والاجتماعي المحيط بها. ولذلك فإن معالجة الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية، وتحسين ظروف الحياة، يمكن أن تشكل عاملاً أساسياً في الحد من الهجرة وتعزيز قدرة الفلسطينيين على الصمود.

بين البقاء والرحيل

في المحصلة، تقف المخيمات الفلسطينية في لبنان أمام معادلة شديدة التعقيد: فهي مطالبة بالحفاظ على دورها الوطني والتمسك بحق العودة، وفي الوقت ذاته تواجه واقعاً اقتصادياً وأمنياً يدفع أبناءها إلى البحث عن حياة أكثر استقراراً خارجها.

وبين رؤية موسى التي تحذر من “التفريغ الهادئ” وتآكل المخيم تحت ضغط الهجرة وتراجع الخدمات، ورؤية علي التي تشدد على ضرورة بناء مرجعية فلسطينية موحدة وحماية القرار المستقل، تبدو الأزمة أكبر من مجرد تداعيات لحرب عابرة.

فالمعركة الحقيقية التي تواجه المخيمات اليوم ليست فقط في بقائها العمراني، وإنما في بقائها البشري والوطني؛ أي في قدرتها على الاحتفاظ بسكانها وهويتها وذاكرتها، من دون أن تتحول إلى ساحات لصراعات الآخرين.

وبعد ثلاث سنوات من الحرب، يبدو السؤال الأكثر إلحاحاً ليس فقط: ماذا حلّ بالمخيمات الفلسطينية في لبنان؟ بل: هل تستطيع هذه المخيمات أن تبقى شاهداً حياً على قضية اللاجئين، في الوقت الذي يدفع فيه الواقع أبناءها إلى الرحيل؟

فإذا كان حق العودة لا يزال ثابتاً في الوعي الفلسطيني، فإن الحفاظ على المخيم نفسه بات يحتاج إلى معركة أخرى؛ معركة ضد الفقر، والهجرة، وتراجع الخدمات، والانقسام، والتهميش، وضد كل ما يمكن أن يحول المخيم من مساحة حية للذاكرة الفلسطينية إلى مجرد أثر من آثار اللجوء.

ويُعدّ لبنان من أبرز ساحات اللجوء الفلسطيني في الشتات، إذ تشير بيانات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” إلى وجود نحو نصف مليون لاجئ فلسطيني مسجلاً في لبنان، فيما تقلّ التقديرات الفعلية للمقيمين بصورة دائمة عن هذا الرقم، نتيجة الهجرة المستمرة خلال العقود الماضية.

ويتوزع اللاجئون على 12 مخيماً رسمياً وعشرات التجمعات الفلسطينية، ويتركز جزء كبير منهم في المخيمات الكبرى في بيروت والجنوب والشمال، وسط ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، وتراجع متواصل في الخدمات وفرص العمل، ما جعل مسألة النزيف الديموغرافي والهجرة واحدة من أبرز التحديات التي تواجه الوجود الفلسطيني في لبنان.

Exit mobile version