Site icon Palestinealyoum

بذكرى الطوفان الثالثة.. حين تستعيد الصورة سيرة قائدها المشتبك بوجه غطرسة الإبادة

بذكرى الطوفان الثالثة.. حين تستعيد الصورة سيرة قائدها المشتبك بوجه غطرسة الإبادة

وللحرية الحمراء بابٌ.. بكل يدٍ مضرجةٍ يُدق

في الميدان، وبين أصوات الرصاص، لم يكن الشهيد والقائد الكبير يحيى السنوار يردد أبيات الشعر بحثًا عن لحظة عابرة، بل كان يصنع بالكلمات ما يصنعه القائد في أشد ساعات المواجهة قسوة: يرفع معنويات مقاتليه، ويذكّرهم بأن طريق الحرية، في نظره، يمر عبر الصمود والثبات والاستعداد للتضحية.

كان ذلك المشهد، الذي بقي من الأيام الأخيرة في حياة قائد طوفان الأقصى، أشبه بإشارة مبكرة إلى تلك النهاية المشرقة؛ لرجل يقف وسط مقاتليه، يحمل بندقيته، يرتدي جعبته العسكرية، ويواجه حرب إبادة إجرامية تدفع فيها إسرائيل بأحدث ما لديها من قوة وتكنولوجيا واستخبارات، بينما يبدو هو واثقًا من الطريق الذي اختاره لنفسه وللمقاومة في غزة وشعبها البطل الصامد.

وفي 16 تشرين الأول/أكتوبر 2024، وفي اليوم الـ377 لمعركة طوفان الأقصى، ظهر المشهد الأخير ليحيى السنوار في مواجهة مباشرة مع القوات الإسرائيلية في حي تل السلطان بمدينة رفح جنوبي قطاع غزة. جعبته العسكرية، لثامه، إصابته، عصاه، وإصراره على البقاء في المواجهة، رسمت صورة رجل رسم خاتمة حياته بالطريقة التي اختار أن يعيش بها سنواتها الأخيرة: مقاتلًا في الميدان، لا قائدًا بعيدًا عنه.

مرتديًا جعبته العسكرية، مشتبكًا، مقبلًا غير مدبر، هكذا ارتقى الشهيد القائد يحيى السنوار، أبو إبراهيم، إلى ربه، في خاتمة حملت في تفاصيلها ما يتجاوز لحظة الاستشهاد ذاتها.

فبعد مطاردة طويلة شاركت فيها منظومات عسكرية واستخبارية متقدمة، وانشغل الاحتلال خلالها بالبحث عن الرجل الذي حملته أجهزته الأمنية باعتباره أحد أهم أهداف الحرب، انتهت المطاردة في مواجهة ميدانية مباشرة.

لم تكن نهاية السنوار في مكان منعزل عن مقاتليه، ولم تأتِ وهو يطلب النجاة من المواجهة، بل جاءت في قلب الاشتباك، حيث كان يقاتل بصمود منقطع النظير القوة التي لاحقته طويلا.

وتحولت عصاه التي ظهرت في المشهد الأخير إلى واحدة من أكثر الصور اختزالًا للحظة؛ عصا رجل جريح لم تكن عجزًا عن القتال، وإنما امتدادًا لمقاومة حتى اللحظة الأخيرة؛ أصيب في يده، وربطها ببسالة ورباطة جأش، ثم واصل المواجهة، في مشهد ترك أثره في الذاكرة الفلسطينية بوصفه صورة لقائد بطل بقي داخل المعركة صامدًا مشتبكا حتى أنفاسه الطيبة الأخيرة.

وقبل أن تصبح العصا جزءًا من صورته الأخيرة، كانت الكلمات حاضرة في الميدان.

ولم يكن استحضار بيت الشعر الحماسي الذي يقول: وللحرية الحمراء بابٌ بكل يدٍ مضرجةٍ يُدق، تفصيلًا عابرًا في شخصية قائد عاش سنواته وهو يرى المواجهة مع الاحتلال معركة طويلة تتطلب الصبر والاستعداد للتضحية.

كان السنوار يعرف أن المقاتل لا يحتاج في لحظات الخوف إلى الأوامر وحدها، بل إلى معنى يمنحه القدرة على الاستمرار؛ لذلك جاءت الكلمات في قلب الميدان، متجاورة مع السلاح، لتؤدي وظيفة معنوية لا تقل أهمية عن القيادة العسكرية نفسها.

وفي ذلك المشهد، بدا القائد واحدًا من المقاتلين؛ يتحرك بينهم، يتابعهم، ويرفع معنوياتهم، ويشاركهم اللحظة التي يعرف الجميع فيها أن الحرب ليست مجرد خرائط وخطط، وإنما اختبار للإرادة والثبات.

تكشف الصور والمشاهد الجديدة التي نشرتها كتائب القسام في الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى جانبًا من هذه الشخصية، إذ يظهر السنوار في جولات ولقاءات ميدانية برفقة قيادات من كتائب القسام في رفح، ويتابع مجريات العمل في مواقع مختلفة داخل القطاع.

وتكتسب هذه المشاهد دلالتها من كونها تقدم القائد في البيئة التي خاض فيها مقاتلوه الحرب؛ بين المواقع الميدانية، وفي أجواء المواجهة، بعيدا عن الصورة التي حاولت الروايات الإسرائيلية تكريسها عنه باعتباره قائدًا يختبئ بعيدًا عن المقاتلين.

فالصور، في هذا السياق، لا تقدم مجرد لحظات أرشيفية، وإنما تستعيد نمطًا من القيادة يقوم على الحضور والمتابعة والاحتكاك المباشر بالميدان.

ومن خلال هذا الحضور، تظهر شخصية السنوار بوصفه قائدًا كان معنيًا بتفاصيل المعركة، يتابع الإعداد والاستعداد، ويتحرك بين رجاله، في الوقت الذي كانت فيه آلة الحرب الإسرائيلية تبحث عنه مستخدمة إمكاناتها العسكرية والاستخبارية الهائلة.

لم يكن السنوار شخصية عسكرية عادية بالنسبة إلى الاحتلال، فمنذ اندلاع طوفان الأقصى، أصبح الرجل أحد أبرز أهداف الحرب، وتحولت عملية الوصول إليه إلى مهمة مركزية بالنسبة لجيش الاحتلال وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.

ومع ذلك، مضت أشهر طويلة قبل أن تنتهي المطاردة في رفح؛ وخلال تلك الفترة، ظل الرجل قادرًا على الحركة والاختفاء وإدارة ما يرتبط بدوره القيادي، رغم منظومة المراقبة والتتبع التي أحاطت بقطاع غزة.

وهنا تبرز إحدى أكثر المفارقات وضوحًا في سيرته خلال الحرب؛ دولة تمتلك قدرات تقنية واستخبارية متقدمة، وتستعين بشبكة واسعة من أدوات الرصد، احتاجت إلى وقت طويل للوصول إلى رجل يتحرك داخل قطاع محاصر وتحت حرب شاملة.

وحين وقع الاشتباك الأخير، لم يكن الوصول إليه خاتمة عملية استخبارية محكمة كما أراد الاحتلال أن تبدو القصة، بل جاء في سياق مواجهة ميدانية انتهت باستشهاده.

في قراءة المشهد الأخير، رأى الكاتب والمحلل السياسي فايد أبو شمالة أن صورة السنوار خلال معارك رفح تستحضر رمزية المقاتل الثائر، مشيرًا إلى ما تذكر به من صور قائد المقاومة الليبية عمر المختار وقائد المقاومة الجزائرية الأمير عبد القادر الجزائري.

وأشار أبو شمالة إلى أن هذه الرمزية تتجسد في الكوفية والعباءة وملامح المقاتل المتقدم في العمر، إلى جانب صورة الرجل الذي يواجه قوة عسكرية متفوقة، ضمن سردية مقاومة الاستعمار والاحتلال.

وفي الصورة الفلسطينية، تبدو الرموز أكثر التصاقًا بالواقع؛ كوفية، جعبة عسكرية، سلاح، عصا، ووجه يعرف أن المعركة وصلت إلى لحظتها الأخيرة.

لم تعد المسألة عندها صورة لقائد سياسي أو عسكري فحسب، بل صورة إنسان يواجه مصيره في المكان الذي اختار أن يكون فيه، ويستمر في القتال رغم إصابته، حتى يسقط شهيدًا.

في الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى، جاءت الصور الجديدة التي نشرتها كتائب القسام لتعيد السنوار إلى المشهد من زوايا مختلفة.

تظهر التسجيلات لقاءاته وجولاته الميدانية برفقة القياديين أنيس إسماعيل الدربي ومحمود حمدان، وهما من قادة كتائب القسام في رفح، كما توثق جانبًا من متابعة السنوار للمجريات الميدانية، وظهوره بالكوفية والعباءة خلال تحركاته في مناطق مختلفة من قطاع غزة.

وتضم المادة المصورة كذلك مشاهد من مراحل التدريب والاستعداد العسكري التي سبقت وأعقبت اندلاع طوفان الأقصى، ضمن سلسلة أقمار الطوفان التي توثق مسيرة عدد من قادة ومقاتلي كتائب القسام الذين استشهدوا خلال الحرب.

وبذلك تستعيد الصور سيرة الرجل من بدايات المعركة إلى نهايتها؛ من التخطيط والاستعداد، إلى متابعة الميدان، ثم إلى المشهد الأخير الذي ارتقى فيه مشتبكًا.

كان القائد الكبير يحيى السنوار، قبل أن يصبح اسمه مرتبطًا بطوفان الأقصى، واحدًا من أبرز قادة حماس في قطاع غزة، وتولى قيادة الحركة في القطاع لسنوات، قبل انتخابه رئيسًا لمكتبها السياسي في آب/أغسطس 2024، خلفًا للشهيد إسماعيل هنية.

لكن الموقع السياسي لم يكن الصورة التي اختار أن يختم بها حياته.

في المشهد الأخير، سقطت كل المسافات بين القائد والمقاتل؛ فلم تكن هناك منصة ولا خطاب ولا مكتب، وإنما ميدان مفتوح، وقوة عسكرية تهاجم، ورجل مصاب يواصل الاشتباك.

ولهذا اكتسبت تلك اللحظة قوتها الإنسانية والرمزية؛ لأنها اختزلت سيرة طويلة في صورة واحدة: قائد يقف حيث يقف مقاتلوه، يحمل ما يحملونه، ويواجه ما يواجهونه، ثم يمضي إلى نهايته في المكان نفسه الذي قاد منه معركته.

لم تكن لحظة استشهاد يحيى السنوار نهاية قصة رجل فحسب، بل تحولت إلى صورة تختزن مرحلة كاملة من تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

فمن أبيات الحرية التي كان يرددها في الميدان، إلى جعبته العسكرية، ومن جولاته بين مقاتليه إلى عصاه في اللحظات الأخيرة، تتشكل سيرة قائد أراد أن يقول بالفعل قبل القول إن القيادة ليست موقعًا بعيدًا عن الخطر.

وفي الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى، تستعيد الصور الجديدة ذلك المسار كله: قائد يخطط ويتابع، وقائد يحضر في الميدان، ثم مقاتل يواجه خصمه عندما تقترب النهاية.

هكذا غدت عصا السنوار مثلًا في الذاكرة، كما غدت صورته الأخيرة واحدة من أكثر الصور اختزالًا لمعنى الصمود؛ رجلًا أصيب فضمّد يده، ثم عاد إلى المواجهة، وبقي في موقعه حتى النهاية.

وبين أبيات الحرية ومشهد الاشتباك الأخير، تبدو الحكاية مكتملة في رمز واحد: قائد لم يطلب من مقاتليه طريقًا لم يسلكه، ولم يجعل من منصبه حجابًا يحجبه عن الخطر، بل مضى إلى النهاية مقبلًا غير مدبر، شامخًا في اللحظة التي أرادها الاحتلال أن تكون صورة انتصار، فإذا بها في الذاكرة الفلسطينية صورة قائد ارتقى مشتبكًا كما هو شعبه في غزة وفلسطين وكل مقاتلي المقاومة في الميدان.

Exit mobile version