Site icon Palestinealyoum

بذكرى الطوفان.. 3 أعوام من الإبادة الإسرائيلية بغزة وسؤال العدالة الدولية: أين المحاسبة؟

بذكرى الطوفان.. 3 أعوام من الإبادة الإسرائيلية بغزة وسؤال العدالة الدولية: أين المحاسبة؟

مع حلول الذكرى الثالثة لمعركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر، لم تعد حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على قطاع غزة قضية عسكرية أو سياسية فحسب، بل تحولت إلى اختبار تاريخي لمنظومة القانون الدولي برمتها، بعدما انتقلت الانتهاكات الموثقة إلى أروقة المؤسسات القضائية الدولية، وأصبح قادة الاحتلال، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، موضع ملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية، فيما تواجه دولة الاحتلال دعوى أمام محكمة العدل الدولية على خلفية اتهامات بارتكاب أفعال تندرج ضمن جريمة الإبادة الجماعية.

وبينما تراكمت الأدلة والشهادات والتقارير الدولية حول حجم الدمار والخسائر البشرية والظروف الإنسانية الكارثية في غزة، ظل السؤال الأكثر إلحاحا يتجاوز حدود القانون المكتوب إلى قدرة النظام الدولي على إنفاذه: ماذا تعني الأحكام والقرارات الدولية إذا بقيت بلا تنفيذ؟ وأي قيمة تكتسبها قواعد القانون الدولي إذا بدا أن الدولة المتهمة قادرة على مواصلة أفعالها رغم أوامر القضاء الدولي؟

من هنا، تبدو القضية الفلسطينية أمام مفارقة كبرى؛ إذ لم يسبق أن حظيت الانتهاكات بهذا القدر من التوثيق والجدل القانوني والدبلوماسي، وفي الوقت نفسه لم تبدُ العدالة الدولية عاجزة بهذا الوضوح عن تحويل قراراتها إلى إجراءات توقف الانتهاكات أو تضمن محاسبة المسؤولين عنها.

تعود جذور المسار الجنائي الدولي في الحالة الفلسطينية إلى سنوات سبقت الحرب الحالية. فقد قبلت دولة فلسطين اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما، وانضمت إليه عام 2015، فيما قررت الدائرة التمهيدية للمحكمة في شباط/فبراير 2021 أن الاختصاص الإقليمي للمحكمة في الحالة الفلسطينية يشمل قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية. وفي آذار/مارس من العام نفسه أعلن مكتب المدعي العام فتح التحقيق رسميا في الجرائم التي تدخل ضمن اختصاص المحكمة منذ 13 حزيران/يونيو 2014.

ومع اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023، دخل التحقيق مرحلة أكثر حساسية، خصوصا بعد إحالة الوضع في فلسطين إلى المدعي العام من جانب جنوب أفريقيا وبنغلادش وبوليفيا وجزر القمر وجيبوتي في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، ثم إحالتين إضافيتين من تشيلي والمكسيك في كانون الثاني/يناير 2024. وأكد مكتب المدعي العام أن التحقيق القائم منذ 2021 يشمل التصعيد الذي أعقب هجمات السابع من أكتوبر.

وفي 20 أيار/مايو 2024، تقدم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان بطلبات لإصدار أوامر قبض، لتأتي الخطوة الأبرز في 21 تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه، عندما أصدرت الدائرة التمهيدية للمحكمة أوامر اعتقال بحق رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير حربه السابق يوآف غالانت، بعدما رفضت الطعون الإسرائيلية المتعلقة باختصاص المحكمة.

وبحسب المحكمة، يتعلق الاتهام بحق نتنياهو وغالانت، في ما يتصل بالأفعال محل البحث، بجرائم حرب تشمل تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب وتوجيه هجمات ضد السكان المدنيين عمدا، إضافة إلى جرائم ضد الإنسانية، بينها القتل والاضطهاد وأفعال لا إنسانية أخرى. وتبقى أوامر الاعتقال قائمة، فيما تصنف المحكمة الرجلين ضمن المطلوبين الموجودين خارج نطاق احتجازها.

على مسار مواز، اختارت جنوب أفريقيا طريق محكمة العدل الدولية، عندما رفعت في 29 كانون الأول/ديسمبر 2023 دعوى ضد دولة الاحتلال بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، مطالبة باتخاذ تدابير مؤقتة لحماية الفلسطينيين في قطاع غزة.

وفي 26 كانون الثاني/يناير 2024، أصدرت المحكمة مجموعة من التدابير المؤقتة ذات الأثر الملزم، وطالبت إسرائيل باتخاذ جميع الإجراءات التي في وسعها لمنع ارتكاب الأفعال الداخلة ضمن نطاق المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية، بما فيها قتل أفراد الجماعة والتسبب لهم بأذى جسدي أو نفسي خطير وفرض ظروف معيشية تستهدف إحداث تدميرها كليا أو جزئيا، إلى جانب ضمان عدم ارتكاب قواتها تلك الأفعال.

ولم يتوقف المسار عند ذلك، إذ عادت المحكمة في 28 آذار/مارس 2024 لتؤكد تدابيرها السابقة وتضيف تدابير جديدة، في ظل تدهور الظروف الإنسانية، ثم أصدرت في 24 أيار/مايو أمرا جديدا أعاد التأكيد على التدابير السابقة وطالب بإجراءات إضافية في ظل الوضع في رفح. وشددت المحكمة على ضرورة تنفيذ التدابير بصورة فورية وفعالة.

وبذلك لم تعد المسألة مجرد جدل سياسي حول طبيعة الحرب، بل أصبحت أمام أعلى هيئة قضائية دولية تنظر في مسؤولية الدول، وبموجب اتفاقية دولية تحظر الإبادة الجماعية وتلزم الدول بمنعها والمعاقبة عليها.

أخذت القضية بعدا دوليا متزايدا مع انضمام دول إلى الإجراءات أمام محكمة العدل الدولية عبر طلبات التدخل أو إعلانات التدخل، بما عكس اتساع الاهتمام القانوني الدولي بالقضية.

فقد سجلت المحكمة تدخلات أو طلبات تدخل من دول بينها كولومبيا وليبيا وفلسطين وإسبانيا وتركيا وتشيلي والمالديف وبوليفيا والمكسيك وأيرلندا وكوبا وبليز، إلى جانب إجراءات أخرى ارتبطت بالقضية. كما تقدمت نيكاراغوا بطلب للتدخل قبل أن تسحب طلبها لاحقا.

وتكشف هذه التحركات أن القضية لم تعد محصورة بين جنوب أفريقيا وإسرائيل، بل تحولت إلى ساحة قانونية تتقاطع فيها مواقف دول متعددة حول تفسير اتفاقية الإبادة الجماعية وحدود مسؤولية الدول وواجباتها تجاه منع الجريمة.

وفي مسار آخر ذي صلة، أصدرت محكمة العدل الدولية في 19 تموز/يوليو 2024 رأيا استشاريا تاريخيا خلص إلى عدم قانونية استمرار وجود إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ودعا إلى إنهائه في أسرع وقت ممكن، مع وقف النشاط الاستيطاني الجديد وإجلاء المستوطنين وتقديم التعويضات عن الأضرار الناجمة عن الأفعال غير المشروعة. كما أكدت المحكمة أن سياسات وممارسات إسرائيل، بما فيها الإخلاء القسري وهدم المنازل والقيود المفروضة على السكان، تتعارض مع قواعد القانون الدولي.

هنا تحديدا تبرز المعضلة الأكبر في التجربة الفلسطينية مع العدالة الدولية؛ فالقضية لم تعد تفتقر إلى النصوص أو الهيئات أو الملفات القضائية، بل تبدو المشكلة في الفجوة بين وجود القانون وقدرته على فرض نفسه على أرض الواقع.

فمحكمة العدل الدولية أصدرت تدابير مؤقتة ملزمة، وأكدتها وعدلتها أكثر من مرة، بينما واصل المجتمع الدولي متابعة حرب طويلة الأمد شهدت مستويات هائلة من الدمار والخسائر الإنسانية. وفي المقابل، صدرت أوامر اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بحق أعلى مسؤولين سياسيين وعسكريين إسرائيليين على خلفية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لكن تنفيذ تلك الأوامر ظل رهنا بقدرة الدول الأطراف في نظام روما على تطبيق التزاماتها القانونية.

وهنا تتجسد فكرة عقم العدالة الدولية، ليس بمعنى غياب القانون، وإنما بمعنى العجز عن تحويل القانون إلى قوة رادعة عندما يتعلق الأمر بدولة تحظى بحماية سياسية ودبلوماسية واسعة. فالعدالة التي تستطيع إصدار الأوامر لكنها لا تستطيع ضمان تنفيذها، تظل معرضة لخطر التحول من أداة لحماية الضحايا إلى سجل تاريخي يوثق الجرائم بعد وقوعها.

ولا تكمن المفارقة في أن المحاكم الدولية لم تتحرك، بل في أنها تحركت بينما ظل أثر قراراتها على مسار الحرب محدودا. وهذا الفارق بين القرار والتنفيذ هو الذي يضع النظام الدولي أمام سؤال جوهري يتعلق بمصداقيته وقدرته على تطبيق القواعد ذاتها على الجميع دون انتقائية.

لم يكن العجز مقتصرا على القضاء الدولي، بل امتد إلى النظام السياسي الدولي بأكمله. فقد بدت الأمم المتحدة، رغم أجهزتها السياسية والإنسانية والقانونية، عاجزة عن وقف الحرب أو فرض احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، فيما اصطدمت محاولات التحرك السياسي المتكررة بتوازنات القوى داخل مجلس الأمن وبالقدرة على استخدام أدوات سياسية تحول دون اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية.

وهكذا نشأت فجوة متزايدة بين ما تقوله المؤسسات الدولية وما يحدث على الأرض. فمن جهة، تتوالى القرارات والتقارير والأحكام والتحذيرات، ومن جهة أخرى تستمر الوقائع التي دفعت تلك المؤسسات إلى التحرك أصلا.

وتحول هذا التناقض إلى أزمة ثقة عالمية في النظام الدولي، خصوصا لدى الشعوب التي ترى أن مبادئ المحاسبة والعدالة لا تطبق بالقدر ذاته عندما يكون المتهم دولة تتمتع بنفوذ سياسي وعسكري كبير.

في المقابل، شهدت القضية تحولا عميقا في الرأي العام العالمي، إذ لم تعد الرواية السياسية وحدها قادرة على احتكار تفسير الحرب، في ظل تدفق الصور والشهادات والتقارير والمواد الميدانية التي وثقت آثار القصف والتهجير والدمار والكارثة الإنسانية.

وأصبح الرأي العام العالمي، بدرجة غير مسبوقة، جزءا من عملية التوثيق والمساءلة، فيما تحولت صور الضحايا والناجين وشهادات العاملين في المجال الإنساني إلى سجل مفتوح يصعب محوه من الذاكرة الجماعية.

غير أن الرأي العام، مهما بلغ تأثيره الأخلاقي والسياسي، لا يمتلك سلطة تنفيذ الأحكام القضائية. ومن هنا يبقى السؤال الأهم متعلقا بقدرة المؤسسات الرسمية على تحويل هذا الوعي المتنامي إلى إجراءات قانونية وسياسية ملموسة تضع حدا للإفلات من العقاب.

بعد سنوات من المسارات القانونية، بات واضحا أن المعركة لم تعد فقط لإثبات ما جرى، بل لضمان ألا يتحول توثيق الجرائم إلى بديل عن محاسبة مرتكبيها.

فالمحكمة الجنائية الدولية مطالبة بمواصلة تحقيقاتها وملاحقة المسؤولين عن الجرائم الداخلة في اختصاصها، فيما تقع على الدول واجبات قانونية في التعاون مع المحكمة وتنفيذ أوامرها. أما محكمة العدل الدولية، فتظل أحكامها وتدابيرها جزءا من الإطار القانوني الذي يحدد مسؤولية الدول والتزاماتها، ويضع على المجتمع الدولي مسؤولية أكبر في ضمان احترام القانون الدولي.

ومن هذا المنظور، فإن ملاحقة قادة الاحتلال، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو، لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مسألة انتقام سياسي، وإنما باعتبارها اختبارا لمبدأ جوهري في القانون الدولي: ألا يكون المنصب السياسي أو القوة العسكرية حصانة من المسؤولية عن الجرائم الدولية.

تقف فلسطين اليوم أمام مشهد تاريخي شديد الدلالة: ملفات قضائية تتراكم، وأحكام وقرارات تصدر، وأوامر اعتقال تُعلن، ودول تقدم مرافعاتها وتتدخل في الإجراءات، بينما يبقى السؤال قائما حول قدرة النظام الدولي على الانتقال من مرحلة التوثيق والإدانة إلى مرحلة الإنفاذ والمحاسبة.

لقد أظهرت الحرب على غزة أن المشكلة لم تعد في غياب القواعد التي تجرّم الإبادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وإنما في غياب الإرادة الكافية لفرض تلك القواعد عندما تصطدم بمصالح القوى الكبرى وحساباتها السياسية.

ومن هنا، تصبح دعوة المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية إلى مواصلة ملاحقة مرتكبي الجرائم، وعلى رأسهم نتنياهو، أكثر من مطلب سياسي؛ إنها دفاع عن جوهر العدالة الدولية نفسها. فإما أن يكون القانون الدولي قاعدة عامة لا تستثني أحدا، أو أن يتحول إلى منظومة انتقائية يفقد معها الضحايا ثقتهم بالعدالة، وتصبح الأحكام الدولية وثائق تاريخية عن جرائم كان يمكن وقفها ولم تُوقف.

إن إنصاف الضحايا لا يتحقق بمجرد تسجيل الجرائم في الملفات، ولا بإصدار الأحكام دون تنفيذها، بل يبدأ عندما يصبح الإفلات من العقاب مستحيلا، وعندما يدرك من يقودون الحروب ويأمرون بالقتل والتهجير أن السلطة لا تمنحهم حصانة، وأن الزمن، مهما طال، لا يسقط المسؤولية عن الجرائم الدولية.

Exit mobile version