Site icon Palestinealyoum

تحالف في مواجهة التفرد.. هل تتحول الانتخابات إلى بوابة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني؟

خاص المركز الفلسطيني للإعلام

لم يعد الحديث عن الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة يدور فقط حول موعد إجرائها أو أسماء القوائم المتنافسة، بل أخذ يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني نفسه، وحدود قدرة القوى المختلفة على التأثير في مساره، في ظل استمرار حالة الانقسام والتفرد بالقرار السياسي.

وفي هذا السياق، برز الإعلان عن تشكيل تحالف انتخابي واسع يضم حركة حماس، وحركة الجهاد الإسلامي، والتيار الإصلاحي في حركة فتح بقيادة محمد دحلان، مع احتمالات لانضمام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وقوى وشخصيات وطنية أخرى، باعتباره محاولة لإعادة رسم المشهد الانتخابي على قاعدة تتجاوز الاصطفافات التقليدية.

ويرى الكاتب والباحث السياسي ميسرة بحر أن هذا التحالف لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد ترتيبات انتخابية عابرة، بل بوصفه تعبيرًا عن محاولة لبناء مشروع سياسي فلسطيني جامع، يمكن أن يفتح الباب أمام إنهاء حالة الشلل التي أصابت المؤسسات والمنظومة السياسية الفلسطينية خلال السنوات الماضية.

ويقول بحر، في حديث صحفي، إن تشكيل قائمة واسعة تضم قوى متباينة أيديولوجيًا وسياسيًا يعكس إدراكًا متزايدًا لدى هذه الأطراف بأن طبيعة المرحلة تفرض تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية والشخصية، خصوصًا في ظل الظروف شديدة التعقيد التي تمر بها القضية الفلسطينية في غزة والضفة الغربية والقدس ومختلف أماكن وجود الشعب الفلسطيني، وفق شهاب.

الانتخابات.. استحقاق أم إعادة إنتاج للواقع القائم؟

تعود الإشكالية الأساسية، وفق بحر، إلى الطريقة التي جرى بها التحضير للانتخابات نفسها؛ إذ صدر قرار الدعوة إليها بمرسوم رئاسي منفرد، في أعقاب تعديلات على قانون الانتخابات بالطريقة ذاتها، وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤال التوافق الوطني ومدى شرعية المسار السياسي الذي تقوده السلطة الفلسطينية.

وبحسب المرسوم الرئاسي، من المقرر إجراء انتخابات المجلس التشريعي في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، غير أن غياب التوافق بين مختلف القوى السياسية على آلية الدعوة إليها وشروطها يثير مخاوف من أن تتحول الانتخابات من وسيلة لإعادة بناء المؤسسات إلى أداة لإعادة إنتاج المشهد السياسي القائم.

ومن هنا، يبدو التحالف الجديد محاولة من القوى المعارضة لعدم ترك الساحة السياسية مفتوحة أمام مسار يُدار بصورة منفردة، ولتحويل الانتخابات، إن جرت، إلى ساحة مواجهة سياسية حول مستقبل النظام الفلسطيني، وليس مجرد منافسة على مقاعد المجلس التشريعي.

من خلافات الأيديولوجيا إلى تقاطع المصالح الوطنية

تكمن أهمية التحالف المرتقب في طبيعة الأطراف التي تسعى إلى تشكيله؛ فالقوى التي يجري الحديث عن جمعها تنتمي إلى مدارس سياسية وفكرية مختلفة، وبينها خلافات عميقة تراكمت على مدى سنوات.

لكن هذه التناقضات، وفق الرؤية التي يطرحها الكاتب والمحلل السياسي الطناني، لم تعد تمنع وجود مساحة مشتركة تتمثل في إصلاح النظام السياسي، ومواجهة الهيمنة، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الفلسطينية باعتبارها مؤسسات تمثيلية لجميع الفلسطينيين.

ويشير الطناني في تصريح صحفي إلى أن قوى المعارضة الست التي اجتمعت في القاهرة كانت قد اقتربت من تفاهم بشأن ضرورة التعامل بصورة جماعية مع ما وصفه بمحاولة تكريس الاستفراد بالنظام السياسي وهندسة مستقبله بما يضمن بقاء الفريق المسيطر على السلطة والمنظمة.

وبهذا المعنى، فإن التحالف لا يقوم بالضرورة على توحيد المواقف الأيديولوجية أو إنهاء الخلافات السياسية بين مكوناته، وإنما على بناء تقاطع وطني مؤقت أو مرحلي حول هدف أكثر إلحاحًا: تغيير قواعد إدارة النظام السياسي الفلسطيني وإعادة فتح المؤسسات أمام المشاركة الأوسع.

ثلاثة سيناريوهات أمام الانتخابات

ويرى ميسرة بحر أن مستقبل الانتخابات يمكن أن يتحرك في ثلاثة اتجاهات رئيسية.

السيناريو الأول هو فتح حوار بين حركة فتح وبقية الفصائل، يفضي إلى تفاهم وطني شامل بشأن الانتخابات وقواعدها والمرحلة السياسية التي ستليها. ويعتبر بحر أن هذا هو السيناريو الذي يفترض أن تعمل جميع القوى على تحقيقه، باعتباره الطريق الأقل كلفة على النظام السياسي والمجتمع الفلسطيني.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في محاولة إفشال التحالف الجديد من خلال أدوات سياسية وقانونية مختلفة، سواء عبر تعديلات جديدة على القوانين أو إجراءات أخرى من شأنها التأثير في شكل المنافسة الانتخابية ونتائجها.

ويأتي السيناريو الثالث في حال تعذر تحقيق ذلك، ويتمثل في تأجيل الانتخابات أو إلغائها، وهي خطوة يرى بحر أن مبرراتها يمكن إعدادها بسهولة، كما حدث في التجربة السابقة.

شبح 2021 يعود إلى المشهد

ولا تبدو المخاوف من التأجيل بعيدة عن الذاكرة السياسية الفلسطينية؛ ففي 30 نيسان/أبريل 2021، أعلن رئيس السلطة محمود عباس تأجيل الانتخابات التي كان مقررًا إجراؤها آنذاك إلى أجل غير مسمى، مبررًا القرار بعدم ضمان مشاركة الفلسطينيين في القدس.

وأثار القرار حينها رفضًا واسعًا من الفصائل والقوى والشخصيات الفلسطينية، التي اعتبرت أن تأجيل الانتخابات أدى إلى تعطيل استحقاق كان يُنظر إليه باعتباره فرصة لإنهاء حالة الانقسام وإعادة ترتيب المؤسسات الفلسطينية على أساس انتخابي.

واليوم، ومع اقتراب موعد الانتخابات الجديدة، يعود السؤال ذاته بصورة مختلفة: هل تكون الانتخابات مدخلًا لإعادة بناء النظام السياسي، أم أن الخلاف على قواعدها سيقود إلى تكرار تجربة التأجيل؟

بين الانتخابات وإصلاح منظمة التحرير

ولا يتوقف الرهان لدى بعض القوى على المجلس التشريعي وحده، إذ يرى الطناني أن المشاركة الواسعة في الانتخابات، في حال إجرائها، يمكن أن تشكل خطوة باتجاه إعادة بناء التمثيل السياسي الفلسطيني بصورة أشمل.

فالمسألة، وفق هذا التصور، لا تتعلق فقط بإنتاج مجلس تشريعي جديد، وإنما بفتح الطريق أمام انتخابات المجلس الوطني وتثبيت منظمة التحرير باعتبارها المظلة الجامعة للفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم.

وبالتالي، يمكن أن تتحول الانتخابات إلى جزء من مسار أوسع لإعادة الاعتبار للمؤسسات الفلسطينية وإصلاح منظمة التحرير على أساس تمثيلي، بدل أن تبقى عملية صنع القرار محصورة في دوائر سياسية ضيقة.

تحذير من انتخابات تعمّق الانقسام

في المقابل، يحذر الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح من أن إجراء الانتخابات في ظل غياب توافق وطني قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويزيد من حالة التشظي بدل أن يسهم في معالجتها.

ويضع الصباح الانتخابات في سياق فلسطيني بالغ الحساسية، في ظل الحرب على غزة، والواقع المتدهور في الضفة الغربية، وما يجري في القدس، إلى جانب غياب برنامج وطني موحد وآليات مشتركة للتعامل مع التحديات القائمة، وفق حديثه لصحيفة فلسطين.

ويرى أن المشكلة ليست في الانتخابات بحد ذاتها، وإنما في الذهاب إليها دون اتفاق وطني على قواعدها وأهدافها، الأمر الذي يضع الفلسطينيين أمام معادلة صعبة: المشاركة في انتخابات قد تكرس الانقسام، أو رفضها بما قد يفتح المجال أمام استمرار التفرد بالقرار السياسي.

ولهذا، يعتبر أن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في التوصل إلى قيادة موحدة وحوار وطني شامل، يفضي إلى حد أدنى من البرنامج السياسي المشترك، قبل الدخول في استحقاق انتخابي جديد.

هل تستطيع القوى تحويل التحالف إلى مشروع؟

التحدي الحقيقي أمام التحالف الجديد لا يكمن فقط في قدرته على تشكيل قائمة انتخابية واسعة، وإنما في قدرته على الحفاظ على تماسكه وتحويل التفاهم الانتخابي إلى مشروع سياسي قابل للاستمرار.

فجمع قوى متباينة مثل حماس والجهاد الإسلامي والتيار الإصلاحي في فتح والجبهة الشعبية وشخصيات مستقلة، يمثل في حد ذاته اختبارًا سياسيًا كبيرًا، لكنه في الوقت ذاته يعكس حجم القلق المشترك من استمرار الوضع القائم.

وقد تنجح هذه القوى في تحويل الانتخابات إلى فرصة لإعادة توزيع موازين القوة داخل المؤسسات الفلسطينية، إذا استطاعت الاتفاق على برنامج واضح يتجاوز حدود المنافسة الانتخابية إلى تصور متكامل لإصلاح النظام السياسي.

لكن ذلك يتطلب أيضًا تجاوز الخلافات الداخلية، وعدم اختزال التحالف في مواجهة شخص أو تيار سياسي بعينه، لأن أي مشروع وطني لا يستطيع الاستمرار إذا تأسس فقط على الرفض، من دون تقديم بديل واضح لإدارة المرحلة المقبلة.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو الانتخابات الفلسطينية المقبلة أقرب إلى اختبار سياسي شامل منها إلى استحقاق انتخابي تقليدي. فالسؤال المطروح لم يعد فقط: من سيفوز في الانتخابات؟ بل: أي نظام سياسي ستنتج هذه الانتخابات، ومن سيملك القدرة على تحديد قواعده ومستقبله؟

وبين احتمال التوافق، ومحاولة تعطيل التحالف، وخيار التأجيل أو الإلغاء، يبقى العامل الحاسم هو قدرة القوى الفلسطينية على تحويل اللحظة الانتخابية من ساحة جديدة للصراع الداخلي إلى مدخل لإعادة بناء التمثيل السياسي، واستعادة المؤسسات، وصياغة قيادة قادرة على التعامل مع مرحلة توصف بأنها من الأكثر خطورة في تاريخ القضية الفلسطينية الحديث.

Exit mobile version