Site icon Palestinealyoum

تعثر اتفاق غزة.. الاحتلال يواصل تدمير مقومات الحياة ويفتح الطريق أمام التهجير

تعثر اتفاق غزة.. الاحتلال يواصل تدمير مقومات الحياة ويفتح الطريق أمام التهجير

المركز الفلسطيني للإعلام

حذّر مقال نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية من أن تعثر تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، واستمرار الهجمات الإسرائيلية وتعطيل إعادة الإعمار وتوسيع السيطرة العسكرية، يهدد بتحويل القطاع إلى منطقة غير قابلة للحياة، في ظل استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية وغياب أفق حقيقي للتعافي، بما يعزز المخاوف من دفع الفلسطينيين إلى التهجير وتقويض فرص التسوية السياسية.

وقال خالد الجندي، الباحث المتخصص في الشؤون الأمريكية الفلسطينية، في مقاله الذي حمل عنوان «نهاية غزة»، إن الاتفاق الذي أُعلن في أكتوبر/تشرين الأول 2025 لم يضع حدًا فعليًا لمعاناة الفلسطينيين، إذ لا يزال أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون وسط الدمار والحرمان والعنف، فيما تتعثر الخطوات المفترضة للانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار واستعادة الحياة الطبيعية.

هدنة لا تنهي الحرب

وأوضح الجندي أن وقف إطلاق النار لم يترجم إلى تحسن ملموس ومستدام في حياة سكان القطاع، في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية وعدم تنفيذ الالتزامات الإنسانية بالشكل المطلوب، إلى جانب غياب خطوات جدية لإعادة بناء المنازل والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء.

وأشار إلى أن التعهدات المتعلقة بإدخال المساعدات واستعادة الخدمات الأساسية لم تتحقق على النحو المأمول، رغم الوعود التي أُطلقت بشأن الشروع في إصلاح البنية التحتية خلال المئة يوم الأولى من الاتفاق.

وفي ظل هذا التعثر، لا يزال الفلسطينيون يواجهون ظروفًا معيشية قاسية، مع استمرار الإقامة في خيام مكتظة تفتقر إلى مقومات السكن الآمن، ونقص المياه النظيفة والرعاية الصحية وخدمات الصرف الصحي، فضلًا عن شح الغذاء والدواء وتفاقم المخاطر الصحية.

ووفق الأرقام التي أوردها المقال، أسفرت الهجمات الإسرائيلية عن استشهاد أكثر من 1400 فلسطيني منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، فيما امتدت السيطرة العسكرية الإسرائيلية إلى نحو 65% من مساحة القطاع، الأمر الذي يضيّق المساحة المتاحة لحياة الفلسطينيين ويزيد الضغوط على المناطق التي يتكدس فيها السكان.

إعادة الإعمار رهينة التجاذبات السياسية

ويرى الجندي أن الأزمة لا تقتصر على إخفاق الاستجابة الإنسانية، بل تمتد إلى تعثر الترتيبات السياسية والأمنية التي يفترض أن تفتح الطريق أمام إعادة إعمار غزة وإنهاء الحرب.

وينص الاتفاق على تشكيل إدارة فلسطينية من التكنوقراط، ونشر قوة دولية، والتعامل التدريجي مع ملف سلاح حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، بالتوازي مع انسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيدًا لإعادة الإعمار.

لكن الخلاف بشأن ترتيب هذه الخطوات يعرقل تنفيذ الاتفاق؛ إذ يرفض رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الانسحاب قبل نزع سلاح حماس بالكامل، في حين تتمسك الحركة بضرورة التزامن بين الخطوات الأمنية والانسحاب الإسرائيلي.

وأشار المقال إلى أن حماس وافقت، تحت ضغط الوسطاء، على صيغة تتعلق بنزع السلاح، غير أن الحكومة الإسرائيلية رفضت خريطة الطريق التي طُرحت في يوليو/تموز الماضي، ما عمّق حالة الجمود وأبقى مستقبل القطاع معلقًا على تفاهمات لم تجد طريقها إلى التنفيذ.

وبحسب الجندي، تستفيد حكومة نتنياهو من استمرار الوضع الراهن في ظل غياب ضغوط دولية حاسمة، وتستخدم مطلب نزع السلاح الكامل لتبرير مواصلة السيطرة العسكرية، بالتزامن مع محاولاتها الحفاظ على تماسك ائتلافها الحكومي، ولا سيما شركائها من اليمين المتطرف.

وفي المقابل، يمنح الموقف الأمريكي، وفق قراءة الكاتب، إسرائيل هامشًا واسعًا للمناورة، في ظل عدم ممارسة ضغط كافٍ لضمان تنفيذ الالتزامات بصورة متوازنة، الأمر الذي يضع مصداقية الدور الأمريكي أمام اختبار حقيقي.

تدمير مقومات الحياة يعزز مخاوف التهجير

وحذّر المقال من أن استمرار تدمير البنية التحتية وتعطيل إعادة الإعمار لا يفاقم الكارثة الإنسانية فحسب، بل يثير مخاوف متزايدة من أن يصبح التهجير نتيجة فعلية لسياسات الاحتلال، حتى من دون الإعلان عن عملية تهجير جماعي واسعة ومباشرة.

واستشهد الجندي بتصريحات لمسؤولين إسرائيليين دعوا إلى إخراج الفلسطينيين من القطاع؛ إذ طرح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ما وصفه بـ«الهجرة الطوعية»، فيما تحدث وزير الدفاع يسرائيل كاتس عن تسهيل مغادرة السكان باعتباره جزءًا من الحل النهائي.

كما أشار إلى تصريحات منسوبة إلى نتنياهو تفيد بأن تدمير المنازل يجعل عودة الفلسطينيين مستحيلة، معتبرًا أن مواصلة تدمير مقومات الحياة، بالتزامن مع تعطيل إعادة البناء، تعزز المخاوف من تحويل النزوح القسري إلى واقع طويل الأمد.

وتكمن خطورة هذا المسار في أن التهجير لا يرتبط بالضرورة بقرار مباشر لإخراج السكان من القطاع؛ فحين تُدمّر المنازل والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء، وتتعطل سبل العيش وتغيب فرص التعافي، تصبح الحياة أكثر صعوبة، ويجد الفلسطينيون أنفسهم أمام ظروف تدفعهم إلى البحث عن بدائل خارج أرضهم.

ويحذر الكاتب من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تهجير مزيد من الفلسطينيين أو العودة إلى حرب واسعة، بما يحمله ذلك من تداعيات على الاستقرار الإقليمي، فضلًا عن تعميق معاناة السكان وتقويض فرص التوصل إلى تسوية سياسية.

الاحتلال لا يصنع أمنًا مستدامًا

ولا يرى الجندي أن استمرار الاحتلال والسيطرة العسكرية يوفران ضمانة حقيقية للأمن الإسرائيلي، بل يرجح أن يؤدي هذا المسار إلى تعميق العزلة الدولية لإسرائيل، والإضرار بفرص التطبيع الإقليمي، وإدامة حالة الصراع بدلًا من معالجة جذوره.

ويحذر من أن ترك غزة غارقة في الدمار والحرمان لن ينهي القضية الفلسطينية، بل قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من العنف وعدم الاستقرار، تمتد آثارها إلى أجيال مقبلة.

ويضع هذا التقدير تعثر الاتفاق في سياق أوسع من الخلاف على ترتيبات الحكم والأمن؛ إذ يتعلق الأمر بمستقبل قطاع دمّرت الحرب أجزاء واسعة من بنيته العمرانية والخدمية، وبقدرة الفلسطينيين على استعادة مقومات الحياة على أرضهم.

واشنطن أمام اختبار التنفيذ

ورغم إخفاقات الاتفاق، يرى الجندي أن إنقاذه لا يزال ممكنًا، شرط أن تمارس الولايات المتحدة والوسطاء ضغطًا فعليًا لضمان تنفيذ الالتزامات بالتوازي، وألا يُترك أي طرف قادرًا على تعطيل الاتفاق من دون تبعات.

ويشمل ذلك السماح بدخول الإدارة والشرطة الفلسطينية، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية بصورة كافية، واستعادة الخدمات الأساسية، والبدء الفعلي بإعادة الإعمار، بعيدًا عن الشروط السياسية التي تؤخر تحسين الأوضاع المعيشية للسكان.

ويخلص المقال إلى أن مستقبل غزة يتوقف بدرجة كبيرة على استعداد واشنطن للانتقال من تقديم التعهدات إلى ممارسة ضغط حقيقي على حكومة نتنياهو، بدلًا من منحها مزيدًا من الوقت لمواصلة التدمير وتوسيع السيطرة العسكرية.

وبينما يفترض أن يشكل وقف إطلاق النار بداية لإنهاء الحرب وفتح الطريق أمام التعافي، فإن استمرار الهجمات وتعطيل الإعمار يبقيان القطاع في دائرة الدمار والحرمان، ويهددان بتحويل الأزمة الراهنة إلى واقع دائم، تكون كلفته الأشد على الفلسطينيين وحقهم في البقاء على أرضهم واستعادة حياتهم.

Exit mobile version