Site icon Palestinealyoum

جيل خارج الصفوف.. ماذا فعلت الحرب بمهارات أطفال غزة؟

جيل خارج الصفوف.. ماذا فعلت الحرب بمهارات أطفال غزة؟

المركز الفلسطيني للإعلام/ خاص

ثلاثة أعوام من الانقطاع التعليمي تهدد القراءة والكتابة والحساب لدى مئات آلاف الأطفال، فيما تصطدم محاولات استعادة التعليم بدمار المدارس والفقر والنزوح ونقص الإمكانات

لم تكن خسارة أطفال غزة خلال الحرب مقتصرة على مقاعد دراسية غابوا عنها، أو كتب ودفاتر فقدوها تحت الأنقاض؛ فسنوات الانقطاع المتواصل عن التعليم وضعت مهاراتهم الأساسية في القراءة والكتابة والحساب أمام اختبار قاسٍ، وهددت قدرتهم على مواصلة التعلم بالوتيرة الطبيعية التي يحتاجها نموهم المعرفي.

ومع عودة الطلبة إلى التعليم الوجاهي في أماكن مؤقتة مع انطلاق العام الدراسي 2026-2027، بعد انقطاع امتد قرابة ثلاثة أعوام، برز سؤال يتجاوز استئناف الدراسة إلى ما هو أكثر إلحاحًا: كم من المهارات الأساسية فقدها الأطفال خلال هذه السنوات، وكيف يمكن تعويضها في بيئة ما زالت تعاني الدمار والنزوح وشح الإمكانات؟

وتكشف بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أن نحو 700 ألف طفل في سن الدراسة، بين الرابعة والسابعة عشرة، حُرموا من التعليم الوجاهي النظامي لما يقارب ثلاثة أعوام دراسية متتالية، فيما تضررت قرابة 98% من المباني المدرسية، وفق تحديث المنظمة الصادر في أبريل.

ولا تعكس هذه الأرقام مجرد أزمة في البنية التحتية التعليمية، بل تكشف اتساع التحدي أمام جيل يحتاج إلى استعادة ما فاته من تعلم، بالتوازي مع محاولة مواصلة المنهاج الدراسي في ظروف استثنائية.

مهارات أساسية مهددة بعد سنوات الانقطاع

تبدأ خطورة الفاقد التعليمي من المهارات التي يُفترض أن يكتسبها الطفل بصورة متدرجة، وفي مقدمتها التعرف إلى الحروف والكلمات، والقراءة بطلاقة وفهم النصوص، والكتابة والتعبير، وإجراء العمليات الحسابية الأساسية.

فهذه المهارات لا تُكتسب دفعة واحدة، بل تتراكم عبر التدريب والممارسة والتفاعل مع المعلمين، وتحتاج إلى استمرارية تسمح للطفل بتثبيت ما تعلمه والانتقال إلى مستويات أكثر تقدمًا.

وعندما ينقطع الطالب عن المدرسة لفترات طويلة، أو يتلقى تعليمًا متقطعًا في مراكز مؤقتة تفتقر إلى المواد والوسائل الكافية، يصبح معرضًا لفقدان جزء مما سبق أن تعلمه، أو التأخر في اكتساب مهارات جديدة، خصوصًا في المراحل الأولى من التعليم.

وتزداد المخاطر لدى الأطفال الذين كانوا في بداية تعلم القراءة والكتابة قبل الحرب، إذ تتطلب هذه المرحلة متابعة متواصلة وتدريبًا يوميًا نسبيًا، فيما يمكن أن يؤدي ضعف التأسيس إلى صعوبات لاحقة في فهم المواد الأخرى، حتى عندما ينتقل الطالب إلى صفوف أعلى.

لكن حجم هذا الفاقد لدى أطفال غزة لا يمكن اختزاله في تقدير عام أو رقم واحد؛ إذ يحتاج تحديده بدقة إلى اختبارات ميدانية تقيس مستويات القراءة والفهم والكتابة والحساب بحسب العمر والصف الدراسي، وتقارن النتائج بمستويات التعلم المتوقعة.

أرقام تكشف اتساع الأزمة

تقدم البيانات الدولية صورة واضحة عن حجم الانقطاع الذي سبق محاولات استعادة التعليم.

ففي تحديثها الصادر في 30 أبريل/نيسان 2026، أشارت اليونيسف إلى أن نحو 700 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين الرابعة والسابعة عشرة لم يحصلوا على تعليم وجاهي نظامي لما يقارب ثلاثة أعوام دراسية متتالية، وأن نحو 420 ألف طفل، أي ثلاثة من كل خمسة أطفال، لم يكونوا يحصلون على أي تعليم وجاهي وقت إعداد التحديث.

كما أوضحت أن أكثر من 93% من المباني المدرسية تحتاج إلى إعادة تأهيل رئيسية أو إعادة بناء كاملة، وأن نحو 81% منها تعرضت لضربات مباشرة.

ولا تعني هذه الأرقام أن جميع الأطفال ظلوا بلا أي شكل من أشكال التعلم؛ فقد أطلقت جهات فلسطينية ودولية مبادرات للتعليم الإلكتروني ومراكز التعلم المؤقتة. لكنها توضح الفارق بين إتاحة فرص تعليمية محدودة وبين انتظام الطالب في مدرسة توفر له برنامجًا متكاملًا، ومعلمًا يتابع تقدمه، وبيئة مناسبة للتدريب والتقييم.

وتكشف دراسة التقييم المركّز للأطفال في غزة، التي أجرتها اليونيسف بين 21 ديسمبر/كانون الأول 2025 و15 يناير/كانون الثاني 2026، عبر مسح هاتفي شمل 2071 أسرة لديها أطفال، عن استمرار محدودية فرص التعلم المباشر.

ووفق نتائج الدراسة، لم يكن 29% من الأطفال بين الخامسة والحادية عشرة، و37% من الفئة العمرية بين الثانية عشرة والسابعة عشرة، ملتحقين بتعليم وجاهي أو بمراكز تعلم وقت جمع البيانات. وحذرت المنظمة من أن استمرار اضطراب التعليم يحد من فرص اكتساب المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب، فضلًا عن أثره في النمو والتفاعل الاجتماعي.

وهذه النتائج تخص الفترة التي جُمعت فيها البيانات، ولا تمثل قياسًا لمستوى المهارات لدى جميع الأطفال، كما أنها تسبق انطلاق العام الدراسي الوجاهي الجديد في سبتمبر/أيلول 2026.

العودة إلى التعليم.. بداية الطريق لا نهايته

في 19 سبتمبر/أيلول 2026، عاد مئات آلاف الطلبة إلى التعليم الوجاهي في قطاع غزة، في خطوة مهمة بعد سنوات من الانقطاع، لكن داخل مدارس مؤقتة وخيام وفصول تفتقر إلى كثير من التجهيزات الأساسية.

وقالت وكالة رويترز، في تقرير نشرته في 21 سبتمبر/أيلول، إن المسؤولين التعليميين توقعوا وصول نحو 540 ألف طالب إلى التعليم الوجاهي خلال العام الدراسي الجديد، عبر مدارس مؤقتة ومراكز تعلم ونقاط تعليمية، في حين يظل التعليم الإلكتروني خيارًا للطلبة الذين يتعذر عليهم الحضور.

ونقلت الوكالة عن طلبة عائدين إلى الدراسة وصفهم فرحتهم باستئناف التعليم، إلى جانب الصعوبات التي يواجهونها، ومنها غياب المستلزمات المدرسية وارتفاع أسعارها، فضلًا عن الدراسة داخل خيام تفتقر إلى التجهيزات الملائمة.

وتكتسب العودة أهمية خاصة لأنها تعيد للأطفال جزءًا من الروتين اليومي والتفاعل مع المعلمين والأقران، وتفتح المجال أمام اكتشاف الصعوبات التعليمية التي تراكمت خلال فترة الانقطاع.

غير أن استئناف الدراسة لا يعني تلقائيًا استعادة المهارات المفقودة. فالطالب الذي انتقل إلى صف أعلى من دون إتقان القراءة أو العمليات الحسابية الأساسية يحتاج إلى معالجة الفجوات التي يحملها معه، لا إلى الاكتفاء بتدريس المنهاج المقرر للصف الحالي.

وهنا تبرز الحاجة إلى برامج تعليم علاجي تتيح تحديد مستوى كل طالب، وتقسيم الأطفال وفق المهارات التي يحتاجون إلى تطويرها، وتخصيص وقت للتدريب المكثف قبل الانتقال إلى موضوعات أكثر تقدمًا.

المعلم والقرطاسية والبيئة.. حلقات لا غنى عنها

لا يمكن فصل استعادة المهارات عن الظروف التي يتعلم فيها الأطفال. فالتعليم الفعّال يحتاج إلى معلم قادر على متابعة الطلبة، ومواد تعليمية متاحة، ومكان يسمح بالتركيز، وساعات كافية للتعلم والمراجعة.

وقد أشارت اليونيسف إلى أن نقص المستلزمات الأساسية، ومنها الأقلام والدفاتر، ظل عائقًا أمام العملية التعليمية لأكثر من عامين، وأن إدخال حقائب المستلزمات التعليمية بدأ في منتصف يناير/كانون الثاني 2026. كما لفتت إلى نقص المعلمين والأماكن المتاحة لإنشاء مراكز التعلم، والمخاطر المرتبطة بالأنقاض والذخائر غير المنفجرة في محيطها.

وتفرض هذه الظروف تحديات إضافية على المعلمين؛ إذ يصبح من الصعب تخصيص وقت كافٍ لكل طفل داخل الصفوف المكتظة، أو إجراء تقييم فردي منتظم، أو توفير أنشطة عملية تساعد الطلبة على تثبيت ما يتعلمونه.

كما أن النزوح المتكرر وعدم الاستقرار المعيشي قد يقطعان انتظام الأطفال في الدراسة، بينما تحد صعوبات الكهرباء والاتصال بالإنترنت وغياب الأجهزة من قدرة كثير من الأسر على الاعتماد على التعليم الإلكتروني بديلًا منتظمًا.

ولا تقتصر المسألة على توفر الأدوات وحدها، بل على قدرة النظام التعليمي على تحويل الموارد المحدودة إلى تعلم فعلي، من خلال تنظيم الوقت، وتحديد الأولويات، ومتابعة تقدم الطلبة بصورة منتظمة.

الأثر النفسي.. عائق آخر أمام التعلم

يحتاج الطفل إلى قدر من الشعور بالأمان والاستقرار حتى يتمكن من التركيز واستيعاب المعلومات والاحتفاظ بها. وعندما يعيش في بيئة تتسم بالخوف والنزوح وفقدان أفراد الأسرة أو الأصدقاء، تصبح عملية التعلم أكثر تعقيدًا.

ولا يعني ذلك أن كل طفل مرّ بتجربة الحرب سيعاني الصعوبات نفسها، لكنه يسلط الضوء على ضرورة التعامل مع الصحة النفسية والدعم الاجتماعي باعتبارهما جزءًا من الاستجابة التعليمية، لا ملفًا منفصلًا عنها.

وفي تقريرها عن تقييم أوضاع الأطفال في غزة، أوضحت اليونيسف أن آثار الحرب طالت مجالات متعددة من حياة الأطفال، تشمل النمو المبكر والصحة النفسية والحماية وسبل العيش، إلى جانب الانقطاع التعليمي. وخلصت إلى أن الأطفال في سن المدرسة يواجهون اضطرابًا ممتدًا في التعلم، مع فرص محدودة للتعافي من دون تدخلات مباشرة.

وتتطلب الاستجابة في هذا الجانب توفير بيئات تعليمية آمنة قدر الإمكان، ومساحات للعب والتفاعل، ودعم نفسي واجتماعي مناسب، مع تدريب المعلمين على التعرف إلى مؤشرات الصعوبات التي قد تؤثر في حضور الطفل وتركيزه ومشاركته.

كيف يمكن تعويض ما فاته الأطفال؟

إنقاذ المهارات الأساسية لا يتحقق بمجرد زيادة أعداد الملتحقين بالتعليم، بل يحتاج إلى خطة تستند إلى قياس الفاقد الفعلي، ثم تصميم برامج تستجيب للاحتياجات المختلفة بين الطلبة.

وتبدأ الخطوة الأولى بإجراء تقييمات مبسطة ومنتظمة للقراءة والكتابة والحساب، تراعي عمر الطفل وصفه الدراسي، وتكشف ما يستطيع إنجازه فعلًا بدلًا من الاعتماد على الصف الذي وصل إليه.

أما الخطوة الثانية فتتمثل في تخصيص برامج تعليم علاجي، تركز على المهارات الأساسية وتمنح الأطفال المتأخرين فرصًا إضافية للتدريب، مع متابعة تقدمهم بصورة دورية. وينبغي ألا تتحول هذه البرامج إلى مسار دائم يفصل الطلبة عن أقرانهم، بل أن تكون وسيلة لمساعدتهم على استعادة قدراتهم ومواصلة التعليم.

وتشمل الأولويات أيضًا دعم المعلمين، وتوفير الكتب والقرطاسية، وتوسيع المساحات التعليمية الآمنة، وتعويض نقص ساعات الدراسة، إلى جانب ضمان وصول الأطفال ذوي الإعاقة والطلبة الذين يعيشون في مناطق يصعب الوصول إليها إلى فرص تعلم مناسبة.

كما تبرز الحاجة إلى بيانات منشورة توضح عدد الأطفال الذين عادوا إلى التعليم، ومعدلات الحضور والاستمرار، ومستويات التحصيل في المهارات الأساسية، والفوارق بين المراحل العمرية والمناطق المختلفة. فمن دون هذه المؤشرات، ستظل القدرة على قياس التعافي التعليمي محدودة، حتى مع اتساع المبادرات والأنشطة.

معركة تتجاوز استعادة العام الدراسي

تواجه غزة تحديًا تعليميًا يتجاوز تعويض ما فاته الطلبة من دروس؛ إذ يتعلق الأمر بمنع تحول سنوات الانقطاع إلى فجوة ترافق الأطفال في المراحل اللاحقة، وتؤثر في فرصهم في مواصلة التعليم واكتساب المعرفة والمهارات اللازمة للحياة والعمل.

وتؤكد البيانات الأممية أن حجم الدمار والانقطاع يجعل التعافي مهمة طويلة تتطلب موارد مستدامة وتنسيقًا بين الجهات التعليمية والإنسانية، فيما تمثل العودة إلى الصفوف خطوة أولى لا تكفي وحدها لضمان استعادة التعلم.

وتبقى الأولوية أن تتحول العودة إلى التعليم من مجرد حضور في خيمة أو مركز مؤقت إلى فرصة حقيقية لاستعادة القراءة والكتابة والحساب، مع قياس واضح لما تحقق وما لا يزال يحتاج إلى معالجة.

فالأطفال الذين حُرموا من سنوات دراسية لا يحتاجون إلى مقاعد فحسب، بل إلى تعليم يعيد بناء المهارات التي تقوم عليها بقية مراحل تعلمهم، ويمنحهم فرصة حقيقية للحاق بأقرانهم ومواصلة مستقبلهم.

Exit mobile version