Site icon Palestinealyoum

حلم الغزيات.. «غسالة» تختصر ساعات من الغسيل اليدوي في النزوح

غزة

المركز الفلسطيني للإعلام

تجلس خديجة أبو العراج (65 عامًا) أمام كومة من الملابس، تغمر قطعة بالماء، تفركها بيديها، ثم تعصرها وتضعها جانبًا قبل أن تنتقل إلى أخرى. تتكرر الحركة ذاتها عشرات المرات، حتى تنتهي من الكمية التي تستطيع غسلها في ذلك اليوم.

منذ قرابة ثلاثة أعوام، تؤدي خديجة هذه المهمة يدويًا، إلى جانب مسؤولياتها في إعالة أسرتها وتدبير شؤونها اليومية. فلا غسالة تختصر عليها ساعات العمل، ولا ظروف النزوح تسمح بتأجيل الملابس المتراكمة طويلًا.

بالنسبة إليها، لم تعد الغسالة مجرد جهاز منزلي، بل وسيلة لتخفيف عبء يومي يستنزف الوقت والجهد، خصوصًا مع صعوبة الحصول على المياه وارتفاع كلفة كثير من الاحتياجات الأساسية.

ساعات أمام الملابس

لا تختلف معاناة سهام شهوان (28 عامًا) كثيرًا، لكنها تواجهها مع أربعة أطفال لا تتجاوز أعمارهم عشرة أعوام.

تقول سهام إن غسل الملابس يستغرق منها أكثر من ثلاث ساعات يوميًا، تبدأ خلالها بفرك الملابس وعصرها يدويًا، قبل نشرها وانتظار جفافها. وما إن تنتهي من كمية حتى تبدأ أخرى بالتراكم.

وتقول إن أكثر ما يؤلمها ليس طول ساعات العمل فحسب، وإنما تكرار المهمة يوميًا، في وقت تعاني فيه من أوجاع في الظهر والمفاصل نتيجة الجلوس الطويل والجهد البدني.

وتحتاج أسرة سهام إلى غسل الملابس باستمرار بسبب وجود أربعة أطفال، لكن الاستعانة بمكان مخصص لغسل الملابس ليست خيارًا متاحًا لها؛ إذ قد تصل كلفة غسل ملابس أطفالها إلى نحو 20 شيكلًا يوميًا، وهو مبلغ يصعب توفيره في ظل فقدان زوجها مصدر رزقه.

لذلك تعود إلى الغسيل اليدوي، مهما كان مرهقًا.

تبدأ المعاناة قبل الغسيل

في ظروف النزوح، لا تبدأ مشكلة الغسيل عند كومة الملابس، بل عند البحث عن المياه.

فالكمية المحدودة المتاحة للأسرة لا تستخدم للشرب والطهي فقط، وإنما تحتاجها النساء أيضًا لغسل الملابس، وتنظيف أماكن الإقامة، ورعاية الأطفال والحفاظ على الحد الأدنى من النظافة.

ومع شح المياه، يصبح الغسيل عملية تتطلب التخطيط للكمية المتوفرة والوقت والجهد. وبعد الغسل تأتي مرحلة العصر والنشر والانتظار حتى تجف الملابس، قبل أن تعود الدورة من جديد في اليوم التالي.

وتقول فاطمة إن الحصول على غسالة سيخفف عنها جزءًا كبيرًا من هذا العبء، ويمنحها وقتًا يمكن أن تستخدمه في رعاية أسرتها أو الحصول على قسط من الراحة.

النساء في مواجهة انهيار الخدمات

وتضع منظمة أوكسفام هذه التجارب ضمن آثار أوسع لانهيار خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة في قطاع غزة. وفي تقرير نشرته في يوليو/تموز 2026، استندت المنظمة إلى مقابلات مع 21 امرأة وفتاة نازحة من مناطق مختلفة في القطاع، ووثقت انعكاسات تدهور هذه الخدمات على صحة النساء وسلامتهن وقدرتهن على إدارة تفاصيل الحياة اليومية.

وتشير المنظمة إلى أن نقص المياه لا يؤثر على الاحتياجات الأساسية للشرب فقط، بل يمتد إلى أعمال الرعاية والنظافة التي تتحمل النساء جانبًا كبيرًا منها داخل الأسر.

وتظهر بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة حجم الأزمة؛ إذ تشير إلى أن نحو 1.1 مليون امرأة وفتاة في غزة يفتقرن إلى الوصول إلى المياه النظيفة، فيما تعيش نحو 690 ألف امرأة وفتاة في ملاجئ مكتظة.

كما تشير البيانات إلى أن 95% من الأعمال التي تشغّل النساء أغلقت أبوابها، بما يزيد الضغوط الاقتصادية على الأسر ويحد من قدرة النساء على الوصول إلى دخل مستقل.

ولا تنفصل هذه الظروف عن أشكال أخرى من الضغوط التي تواجهها النساء خلال النزوح. ووفق تحليل لهيئة الأمم المتحدة للسكان بشأن اتجاهات العنف القائم على النوع الاجتماعي في غزة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، شكّلت الإساءة النفسية والعاطفية 34% من الحالات المبلغ عنها، بينما مثّل الحرمان من الموارد والفرص والخدمات 32%.

النظافة احتياج أساسي

وتتسع المشكلة لتشمل احتياجات النظافة الشخصية للنساء والفتيات.

وفي تقرير نشرته هيئة الأمم المتحدة للسكان في 20 أغسطس/آب 2026، جرى توثيق نقص شديد في مستلزمات النظافة الخاصة بالدورة الشهرية، إلى جانب عدم كفاية مرافق المياه والصرف الصحي ومشكلات تتعلق بالخصوصية، ما يزيد صعوبة تلبية الاحتياجات الأساسية للنساء والفتيات في أماكن النزوح.

وفي هذا الواقع، يصبح العمل المنزلي جزءًا من تداعيات الأزمة الإنسانية، وليس مجرد مسؤولية منزلية عادية.

فالغسيل الذي يمكن أن تنجزه الغسالة خلال وقت قصير، قد يتحول في ظروف النزوح إلى ساعات من العمل اليدوي، تبدأ بتوفير المياه ولا تنتهي إلا بعد غسل الملابس وعصرها ونشرها.

«غسالة» كحاجة يومية

بالنسبة إلى سهام، لا يعني امتلاك غسالة التخلص من كل أعباء الحياة، لكنه يعني استعادة ساعات من يومها.

تقول إن تلك الساعات يمكن أن تقضيها مع أطفالها، أو تستخدمها في أعمال أخرى، بدل أن تبقى أمام الملابس تفركها وتعصرها بيديها.

أما فاطمة، فتعود يوميًا إلى المهمة نفسها. كومة ملابس تنتظر، وكمية محدودة من المياه، ووقت طويل من العمل اليدوي.

في حياة النزوح، تبدو الغسالة بالنسبة إلى كثير من النساء أكثر من قطعة أثاث أو جهاز منزلي؛ إنها وسيلة لتقليل ساعات العمل، وتخفيف الضغط البدني، واستعادة جزء من الوقت الذي تستهلكه الأعمال اليومية.

وبينما تتواصل أزمة المياه والخدمات الأساسية في قطاع غزة، تبقى مهام الرعاية والنظافة قائمة، وتبقى النساء مضطرات إلى إنجازها بالموارد المتاحة، مهما كانت محدودة.

وفي نهاية كل يوم، تنتهي فاطمة من غسل الملابس التي أمامها، لكن المهمة لا تنتهي. فملابس جديدة ستتراكم، وستعود في اليوم التالي إلى الماء والصابون والفرك والعصر، في دورة يومية لا تتوقف.

Exit mobile version