Site icon Palestinealyoum

حوكمة المخيمات في لبنان.. صراع الوصاية والتمثيل الفلسطيني

حوكمة المخيمات في لبنان.. صراع الوصاية والتمثيل الفلسطيني

المركز الفلسطيني للإعلام

تتصاعد التساؤلات الفلسطينية بشأن خطة حوكمة المخيمات في لبنان، في ظل مخاوف من اختزالها في الترتيبات الأمنية والإدارية، وتجاوز المشاركة الوطنية، وعدم اقترانها بخطوات عملية لإقرار الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية للاجئين.

وشدد سامي حمود، مدير منظمة ثابت لحق العودة، على رفض فرض أي مشروع يتعلق بمستقبل المجتمع الفلسطيني وقضيته الوطنية بعيدًا عن إرادة ومشاركة مكوناته، مطالبًا بإشراك الفصائل والقوى والمؤسسات والجمعيات واللجان الشعبية والأهلية في صياغة الخطة ومناقشتها وتحديد أولوياتها.

ورفض حمود في تصريح لمراسل المركز الفلسطيني للإعلام اختزال مفهوم “الحوكمة” في الملف الأمني وإدارة المخيمات، مؤكدًا أن المخيمات الفلسطينية ليست مجرد ملف أمني، وأن اللاجئ الفلسطيني ليس مجرد حالة إدارية.

وقال إن الحوكمة الحقيقية تبدأ من الإنسان وحقوقه وكرامته، ومن توفير مقومات الحياة الكريمة له، داعيًا إلى أن تقترن المشاريع المطروحة بقرارات وخطوات ملموسة لإقرار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمدنية للاجئين الفلسطينيين في لبنان.

وطالب بتحسين ظروف العمل والخدمات الصحية والتربوية والبنية التحتية داخل المخيمات، بما يعزز صمود اللاجئين ويحفظ كرامتهم، دون المساس بهويتهم الوطنية أو بحقهم الثابت في العودة.

وأكد حمود أن المطلوب ليس مجرد إدارة للأزمة، بل معالجة وطنية وسياسية وحقوقية حقيقية، تقوم على الشراكة الوطنية لا احتكار القرار، وعلى حوكمة تحمي الحقوق وتصون الكرامة، لا ترتيبات أمنية تأتي على حساب الإنسان.

هواجس التمثيل والمرجعية الفلسطينية

وتتقاطع هذه المطالب مع ملاحظات سياسية وحقوقية بشأن طبيعة المرجعية الفلسطينية التي ستشارك الدولة اللبنانية في إدارة هذا الملف، ومدى قدرتها على تمثيل مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني.

ويرى الكاتب الدكتور محمد أبو طربوش، في مقال تابعه مراسلنا، أن الاعتراف بالتمثيل الدبلوماسي الفلسطيني الرسمي لا يلغي الحاجة إلى مرجعية وطنية جامعة تضم مختلف الفصائل والقوى السياسية والشخصيات المستقلة ومؤسسات المجتمع الفلسطيني.

ويشير إلى أن التمثيل الرسمي يؤدي وظيفة دبلوماسية وسياسية، بينما تتطلب إدارة الشأن الفلسطيني في لبنان إطارًا تشاركيًا أوسع يعكس التعددية الفلسطينية، ويتيح تحمل المسؤولية الجماعية في الحوار والتفاهم والتنفيذ، محذرًا من أن تجاوز هذه التعددية قد يضعف شرعية المشروع وفرص نجاحه واستمراريته.

ومن زاوية حقوقية، يرى علي هويدي، مدير عام الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين، أن الحوكمة ينبغي ألا تقتصر على سكان المخيمات، بل أن تشمل الوجود الفلسطيني في لبنان بمختلف مكوناته، خصوصًا أن نحو 45% من اللاجئين الفلسطينيين يعيشون خارجها.

ويؤكد هويدي، في حديث صحفي، أن المخيم الفلسطيني يحمل بعدًا سياسيًا يرتبط بقضية اللجوء وحق العودة، ولا يجوز اختزاله في إطار إنساني أو إغاثي، رغم أهمية الخدمات التي يحتاج إليها اللاجئون.

ثلاث ملاحظات على مسار إعداد الخطة

ويطرح هويدي ثلاث ملاحظات أساسية بشأن مسار إعداد خطة الحوكمة، تتعلق بآليات التشاور والتمثيل السياسي والحقوق التي لم تحظَ، وفق رؤيته، بالاهتمام الكافي.

وتتمثل الملاحظة الأولى في ضرورة وضع إطار زمني واضح لا يقتصر على المشاورات، بل يضمن الانتقال إلى اعتماد المشروع وتنفيذه. ورغم إعلان لجنة الحوار أن المشاورات ستستمر ستة أشهر، يخشى هويدي أن تطول الإجراءات اللاحقة بفعل تعدد الجهات المعنية والبيروقراطية الإدارية.

أما الملاحظة الثانية فتتعلق بالتمثيل السياسي الفلسطيني، إذ يرى أن إطلاق الخطة كان ينبغي أن يسبقه إشراك أوسع لمختلف الفصائل، سواء المنضوية في منظمة التحرير الفلسطينية أو فصائل التحالف، بالنظر إلى ارتباط المشروع مباشرة بمستقبل المخيمات واللاجئين.

وتتمثل الملاحظة الثالثة في غياب التطرق الواضح إلى حق التملك، إلى جانب قضايا العمل والحماية الاجتماعية وسائر الحقوق الأساسية.

ويشير هويدي إلى أن نحو 17 وزارة لبنانية تتابع جوانب مختلفة من الملف الفلسطيني، بعدما كان عددها نحو عشر وزارات، معتبرًا أن تعدد الجهات يطرح تحديات تتعلق بالتنسيق وسرعة اتخاذ القرارات والتنفيذ.

الحقوق والسيادة.. معادلة لا تنفصل عن الواقع الإنساني

ولا تنفصل قضية الحوكمة عن واقع الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية للاجئين الفلسطينيين في لبنان، حيث تبرز المخاوف من أن ينصب الاهتمام على تنظيم المخيمات وضبط أوضاعها الأمنية والإدارية، دون معالجة القيود التي تواجه الفلسطينيين في حياتهم اليومية.

ويرى أبو طربوش أن تعزيز سيادة الدولة اللبنانية ينبغي ألا يقتصر على تنظيم الالتزامات الأمنية والإدارية والقانونية، بل يجب أن يقترن بضمان الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية للاجئين، مشيرًا إلى أن الاستقرار المستدام لا يتحقق من خلال الضبط الأمني وحده، وإنما يتطلب معالجة الظروف الإنسانية والمعيشية وتحسين فرص العمل وتوفير مقومات الحياة الكريمة.

وتبرز هنا معادلة أساسية في النقاش الفلسطيني، مفادها أن تحسين أوضاع اللاجئين وإقرار حقوقهم لا يتعارضان مع رفض التوطين، بل يعززان كرامتهم وصمودهم وتمسكهم بهويتهم الوطنية وحقهم في العودة إلى ديارهم.

فالمخيم الفلسطيني ليس مجرد تجمع سكاني أو وحدة إدارية وأمنية، وإنما يحمل دلالة سياسية ووطنية مرتبطة بالتهجير واستمرار قضية اللجوء، وهو ما يفرض مراعاة هذه الخصوصية في أي تصور جديد لإدارته.

الأونروا ومسؤولية المجتمع الدولي

ويشكل مستقبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” أحد الملفات الأساسية في النقاش المتعلق بحوكمة المخيمات، نظرًا إلى دورها في تقديم الخدمات الصحية والتعليمية والإغاثية ومتابعة جوانب من البنية التحتية.

ويحذر هويدي من أن تؤثر الحوكمة في دور الوكالة أو الخدمات التي تقدمها، مؤكدًا ضرورة الحفاظ على ولايتها الدولية ومسؤولياتها، وعدم السماح بأن تكون الترتيبات الإدارية الجديدة مدخلًا لتقليص حضورها أو نقل أعبائها إلى جهات أخرى.

ويتقاطع ذلك مع رؤية أبو طربوش، الذي يعتبر الأونروا ركنًا أساسيًا في أي تصور متكامل للحوكمة، باعتبارها عنوانًا لاستمرار المسؤولية الدولية تجاه اللاجئين الفلسطينيين.

ويدعو أبو طربوش إلى الحفاظ على تفويض الوكالة ودورها الخدماتي، وبناء شراكة مؤسساتية تجمع الدولة اللبنانية والأونروا والمرجعية الفلسطينية الوطنية الجامعة، بما يحقق التكامل في إدارة الخدمات والبرامج الإنسانية والتنموية.

وفي هذا السياق، يدعو هويدي إلى عقد مؤتمر جامع يضم المرجعيات الفلسطينية والأونروا والدول المانحة، لمناقشة الخطة وتقديم الملاحظات بشأنها، بما يوسع المشاركة ويتجاوز الاجتماعات الثنائية.

ويشدد على أن تخفيف القيود المفروضة على اللاجئين واتخاذ خطوات عملية في مجال حقوقهم من شأنهما تعزيز الثقة بين التصريحات الرسمية وما يتحقق على الأرض.

شراكة وطنية لا فرض ولا إقصاء

وتبقى المعضلة الأساسية أمام خطة حوكمة المخيمات في قدرتها على إيجاد معادلة متوازنة تحفظ سيادة الدولة اللبنانية، دون أن تتحول إلى مدخل للمساس بالخصوصية الوطنية الفلسطينية أو اختزال قضية اللاجئين في ترتيبات إدارية وأمنية.

ويرى أبو طربوش أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعادة توزيع الصلاحيات فحسب، بل في طبيعة النموذج المؤسساتي المقترح، ومدى قدرته على تحقيق التوازن بين السيادة اللبنانية والشراكة الفلسطينية.

فالمطلوب ليس إقامة سلطة موازية للدولة اللبنانية، ولا اختزال دور الفلسطينيين في تنفيذ القرارات، بل صياغة إطار مؤسساتي متوازن تكون فيه السيادة للدولة اللبنانية، ويُصان فيه حق المجتمع الفلسطيني في إدارة شؤونه عبر مؤسسات جامعة ومنظمة، ضمن القانون وبالتنسيق مع المؤسسات اللبنانية.

وبينما تتطلب الحوكمة تنظيم العلاقة بين المؤسسات اللبنانية والفلسطينية، فإن نجاحها يظل مرهونًا بمدى استجابتها لاحتياجات اللاجئين، وإشراك مختلف مكوناتهم في صناعة القرار، وضمان استمرار مسؤولية الأونروا، وإقرار الحقوق التي تعزز صمودهم وتحفظ كرامتهم.

وعليه، فإن المطلوب ليس فرض نموذج جاهز أو الاكتفاء بإدارة الواقع القائم، بل بناء تفاهم لبناني فلسطيني حقيقي يقوم على الشراكة والحقوق والاحترام المتبادل، ويجعل من تحسين حياة اللاجئين وتعزيز صمودهم جزءًا من معالجة شاملة تحفظ هويتهم الوطنية وحقهم الثابت في العودة إلى فلسطين.

Exit mobile version