Site icon Palestinealyoum

خطاب نتنياهو تحت المجهر.. القاعة تفرغ والإعلام العالمي يرصد عزلة إسرائيل

نتنياهو في الأمم المتحدة

المركز الفلسطيني للإعلام

لم يكن المشهد في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، مساء الخميس، شبيهًا بخطابات رؤساء الحكومات أمام أكبر منصة دولية؛ فعندما اعتلى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو المنبر، كانت عشرات الوفود قد غادرت القاعة احتجاجًا، لتتحول الأنظار من مضمون الكلمة إلى صورة المقاعد الفارغة التي أحاطت بالمتحدث.

وبينما حاول نتنياهو تقديم خطاب دفاعي عن سياسات حكومته وحروبها في المنطقة، بدا أن المشهد المحيط بالكلمة كان أكثر حضورًا من الكلمات نفسها؛ انسحابات جماعية، صيحات استهجان، واحتجاجات خارج مقر الأمم المتحدة، في مقابل وفد إسرائيلي ومؤيدين له داخل القاعة.

وتعاملت وسائل إعلام دولية مع الحدث بوصفه مواجهة سياسية ودبلوماسية تتجاوز حدود الخطاب نفسه، خصوصًا أن الكلمة جاءت في توقيت يواجه فيه نتنياهو ضغوطًا دولية متزايدة بسبب الحرب على قطاع غزة، بالتزامن مع معركة سياسية داخلية وانتخابات مرتقبة في دولة الاحتلال.

القاعة تتحدث قبل المنبر

كان انسحاب الوفود المشهد الأبرز في تغطية الخطاب. ومع وصول نتنياهو إلى المنصة، غادر عشرات المندوبين مقاعدهم، فيما بقيت مقاعد كثيرة خالية خلال الكلمة، وسط هتافات وصيحات استهجان من بعض الموجودين.

ووثقت وسائل إعلام دولية المشهد بوصفه أحد أبرز أحداث خطاب نتنياهو في الدورة الـ81 للجمعية العامة، فيما تكررت داخل القاعة دعوات رئيس الجمعية العامة إلى النظام. وأفادت إذاعة وتلفزيون أيرلندا بأن مزيجًا من الهتافات المؤيدة والمعارضة وعمليات الانسحاب الجماعي رافق صعود نتنياهو إلى المنبر.

أما نتنياهو، فرد على المنسحبين بوصفهم “جبناء أخلاقيًا”، وقال لمن بقي في القاعة إن من يشاركون المنسحبين موقفهم يمكنهم مغادرة المكان أيضًا، في محاولة واضحة لتحويل مشهد الانسحاب من صورة عزلة إلى مواجهة سياسية مع خصومه.

ولم يتوقف المشهد عند أبواب القاعة، إذ شهد محيط مقر الأمم المتحدة في نيويورك احتجاجات شارك فيها متظاهرون رافضون للحرب على غزة، بالتزامن مع وصول نتنياهو لإلقاء كلمته.

خطاب في الأمم المتحدة.. ورسائل إلى الداخل

وركزت التغطيات التي استعرضتها وسائل إعلام إسرائيلية ودولية على أن خطاب نتنياهو حمل سمات سياسية داخلية واضحة، إلى جانب رسائله الموجهة إلى المجتمع الدولي.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بسبب توقيت الخطاب؛ إذ يأتي في ظل حملة انتخابية داخلية، ما يجعل المنبر الأممي مساحة مزدوجة: مخاطبة الخارج من جهة، والجمهور الإسرائيلي من جهة أخرى.

ونقلت رويترز أن نتنياهو كان يسعى من خلال خطابه إلى الدفاع عن إسرائيل في مواجهة ما وصفته الوكالة بالعزلة الدولية المتزايدة، بالتزامن مع سعيه لإعادة انتخابه. كما ربطت الوكالة بين خطاب الأمم المتحدة وبين الضغوط التي يواجهها بسبب حرب غزة والانتقادات الدولية المتصاعدة.

وهكذا، لم يكن حضور الجمهور الإسرائيلي غائبًا عن القاعة الأممية؛ فقد كان حاضرًا في مضمون الخطاب نفسه، وفي اختيار القضايا التي ركز عليها نتنياهو، وفي الطريقة التي واجه بها منتقديه، وفي سعيه إلى تقديم نفسه لجمهوره الداخلي باعتباره المدافع عن إسرائيل في مواجهة ما يصفه بالضغط الدولي.

نتنياهو في مواجهة العالم

في مضمون كلمته، دافع نتنياهو عن سياسات حكومته في المنطقة، وهاجم منتقديه، كما تحدث عن الحرب في غزة والجبهات الإقليمية الأخرى.

وفي مواجهة انسحاب الوفود، حاول رئيس حكومة الاحتلال قلب المشهد سياسيًا، متحدثًا عن “نفاق العالم”، ومدعيًا أن دولًا تنتقد إسرائيل علنًا تشكرها سرًا على مواقفها العسكرية في المنطقة، وهي رواية قدمها نتنياهو خلال الخطاب لتفسير الفجوة بين المواقف العلنية وبعض ما قال إنه مواقف سرية.

لكن هذا الخطاب جاء في قاعة شهدت بالفعل خروج عشرات الوفود، وهو ما جعل الصورة الدبلوماسية المصاحبة للكلمة جزءًا أساسيًا من الحدث نفسه.

وبحسب رويترز، فقد عكس الانسحاب الجماعي الانقسام المتزايد حول سلوك إسرائيل في المنطقة، بينما وصف نتنياهو المنسحبين بأنهم “جبناء أخلاقيًا”، في مواجهة مباشرة مع ممثلي دول غادروا القاعة.

من غزة إلى إيران.. توسيع ساحة الخطاب

لم يحصر نتنياهو خطابه في الحرب على غزة، بل قدم صورة أوسع للصراع الإقليمي، متحدثًا عن جبهات متعددة تشمل غزة ولبنان وسوريا وإيران.

وسلطت التغطيات الإعلامية الضوء كذلك على استخدامه أدوات ووسائل استعراضية خلال الكلمة، في امتداد لأسلوب سبق أن ظهر في خطابات سابقة أمام الجمعية العامة، بهدف إبراز رسائل محددة أمام الجمهور الدولي والإسرائيلي على حد سواء.

وفي تغطية الجزيرة، برزت مشاهد الانسحاب الجماعي إلى جانب عناصر استعراضية أخرى في الخطاب، بينها استخدام أجهزة وتقنيات مرتبطة برسائل سياسية وأمنية أراد نتنياهو إبرازها.

وهنا بدت الكلمة أقرب إلى عرض سياسي متعدد المسارات: الدفاع عن الحرب، مهاجمة الخصوم، مخاطبة الجمهور الإسرائيلي، وتقديم رواية أمنية عن المنطقة، في وقت كانت فيه الكاميرات تنقل صورة أخرى من داخل القاعة.

الإعلام العالمي يلاحق الصورة أكثر من الخطاب

وإذا كان نتنياهو أراد استخدام منصة الأمم المتحدة لتقديم روايته، فإن وسائل إعلام دولية كثيرة جعلت من مشهد الانسحاب عنوانًا موازيًا للخطاب.

فقد ركزت وسائل إعلام على القاعة شبه الخالية، فيما أبرزت أخرى خروج عشرات المندوبين والاحتجاجات التي رافقت الخطاب. ووصف تقرير لـ”آر تي إي” المشهد بأنه خروج لعشرات المبعوثين احتجاجًا على نتنياهو، مع بقاء غالبية المقاعد خالية بعد الانسحاب.

أما رويترز، فربطت بين مشهد الانسحاب وبين الضغوط السياسية التي يواجهها نتنياهو في الداخل والخارج، معتبرة أن الكلمة جاءت في لحظة تتقاطع فيها الحملة الانتخابية مع الأزمة الدبلوماسية الناتجة عن الحرب على غزة.

وفي الإعلام الإسرائيلي نفسه، حظي مشهد مغادرة الوفود باهتمام واسع، إذ جرى التعامل معه باعتباره مؤشرًا على اتساع الفجوة بين حكومة الاحتلال وعدد متزايد من الأطراف الدولية.

صورة تختصر الخطاب

وفي النهاية، لم تعد كلمة نتنياهو مجرد خطاب سياسي أمام الجمعية العامة؛ فقد أصبح المشهد البصري المحيط بها جزءًا من مضمونها.

نتنياهو يتحدث من أعلى منصة الأمم المتحدة، فيما تغادر وفود من القاعة. هو يهاجم منتقديه ويتحدث عن “نفاق العالم”، بينما تنقل الكاميرات مشاهد الاحتجاج داخل القاعة وخارجها. وهو يحاول الدفاع عن سياسات حكومته أمام المجتمع الدولي، في وقت تشير التغطيات إلى أن جزءًا كبيرًا من رسائله كان موجهًا إلى الجمهور الإسرائيلي، في سياق انتخابي داخلي محتدم.

وبذلك، اختزلت صورة القاعة شبه الفارغة مفارقة خطاب نتنياهو: منبر دولي واسع، لكن جمهور دبلوماسي يتقلص أمامه؛ خطاب موجه إلى العالم، ورسائل سياسية واضحة إلى الداخل؛ ومحاولة للدفاع عن صورة إسرائيل خارجيًا، في مقابل مشهد احتجاجي أصبح هو نفسه أحد أبرز عناوين التغطية العالمية.

فالحدث لم يكن في الكلمات وحدها، بل في المقاعد التي خلت، والوفود التي خرجت، والهتافات التي قاطعت الخطاب، والصورة التي بقيت بعد مغادرة نتنياهو المنصة.

Exit mobile version