Site icon Palestinealyoum

دموع السنوار في مكالمته مع الضيف.. مشهد إنساني يعيد استحضار كواليس «سيف القدس»

دموع السنوار في مكالمته مع الضيف.. مشهد إنساني يعيد استحضار كواليس «سيف القدس»

المركز الفلسطيني للإعلام

أعادت مشاهد مصورة نادرة عرضتها قناة الجزيرة، ضمن فيلم «الضيف» في برنامج «ما خفي أعظم»، تسليط الضوء على جانب إنساني من حياة القائد العام السابق لكتائب القسام محمد الضيف، ورئيس حركة حماس في قطاع غزة آنذاك يحيى السنوار، من خلال مكالمة هاتفية جمعتهما عقب إعلان وقف إطلاق النار الذي أنهى معركة «سيف القدس» في مايو/أيار 2021.

وظهرت في التسجيل لقطات للسنوار خلال اتصاله بالضيف، وقد غلب عليه التأثر وذرف الدموع أثناء الحديث عن المعركة، في مشهد استوقف متابعين وأعاد فتح النقاش حول طبيعة العلاقة التي جمعت الرجلين، وما حملته من تقدير متبادل ووفاء، بعيدًا عن الصورة الرسمية التي ارتبطت بظهورهما العام.

وتكتسب اللقطة أهميتها من كونها توثق لحظة مباشرة بين شخصيتين ظلتا بعيدتين نسبيًا عن الظهور الإعلامي المشترك، خصوصًا الضيف الذي أحاطت حياته ومسيرته العسكرية بقدر كبير من السرية، ولم يكن يظهر أمام الكاميرات إلا في مناسبات محدودة.

الضيف يستحضر رفاق أربعة عقود

ولم تقتصر أهمية الفيلم على المكالمة الهاتفية، بل امتدت إلى ما كشفه من جوانب في شخصية الضيف، من خلال استعراض محطات من حياته ومسيرته التي امتدت نحو أربعة عقود، وما رافقها من أحداث وتطورات داخل الحركة وجناحها العسكري.

ومن أبرز ما لفت الانتباه في سرد الضيف استحضاره رفاق دربه، وذكر أسماء الذين شاركوه مراحل مختلفة من العمل، وإبراز أدوارهم والإشارة إلى إسهاماتهم، بدل حصر الحديث في تجربته الشخصية أو تقديم نفسه بوصفه صاحب الإنجاز وحده.

ويقدم هذا الجانب من الفيلم صورة عن الطريقة التي استعاد بها الضيف محطات حياته، إذ حضرت أسماء رفاقه في روايته بوصفهم جزءًا أساسيًا من مسيرته، بما يعكس أهمية العمل الجماعي والذاكرة المشتركة في سرد التجارب الطويلة.

كما أن استحضار هذه الأسماء يمنح الفيلم قيمة تتجاوز التوثيق الشخصي، لأنه يعيد تسليط الضوء على شخصيات ورفاق شاركوا في محطات مختلفة، ولم يكن كثير منهم حاضرًا في المشهد الإعلامي بالقدر الذي يوازي أدوارهم.

القرا: الوفاء للرفاق أكثر ما لفتني

وفي قراءة للمشاهد التي تضمنها الفيلم، قال الكاتب والمحلل السياسي د. إياد القرا إن أكثر ما لفت انتباهه هو ذلك الجانب الإنساني العميق في شخصية القادة، وتحديدًا التواضع والوفاء للرفاق.

وأضاف القرا أن الضيف، وهو يستعرض أربعين عامًا من حياته، لم يكن يتحدث عن نفسه بقدر ما كان يستحضر رفاق دربه، ويذكر أسماءهم واحدًا واحدًا، مقدمًا إياهم على نفسه في كل مرحلة، وناسبًا إليهم الفضل، رغم أنه كان حاضرًا في قلب تلك المحطات.

وأشار إلى أن المشهد الأكثر تأثيرًا بالنسبة إليه كان دموع السنوار وهو يتحدث عن معركة «سيف القدس»، وما عكسه ذلك من تقدير كبير لأبي خالد، بما حمله من مشاعر إنسانية ووفاء لافتين.

وقال القرا إن ما لامسه في المشهد هو رؤية شخصيات ارتبطت أسماؤها بأحداث كبرى، لكنها حين تتحدث تستحضر رفاقها قبل نفسها، وتسبق دموعها كلماتها، معتبرًا أن هذه اللحظات كانت من أكثر المشاهد الإنسانية التي استوقفته في الفيلم، بعيدًا عن السياسة والحرب.

وتابع أن هذا النوع من الوفاء والتواضع يكتسب أهمية خاصة في ظل ما قد تطغى عليه المنافسة وحب الظهور في علاقات القيادات والشخصيات العامة، لافتًا إلى أن الفيلم أتاح للمشاهد الاقتراب من جانب مختلف عن الصورة السياسية والعسكرية المعتادة.

«سيف القدس».. خلفية المشهد

ولفهم السياق الذي جاءت فيه المكالمة، تعود الأحداث إلى مايو/أيار 2021، حين اندلعت معركة «سيف القدس» على خلفية التوترات في مدينة القدس، ولا سيما الاعتداءات الإسرائيلية في المسجد الأقصى ومحاولات تهجير عائلات فلسطينية من حي الشيخ جراح.

واستمرت المواجهة 11 يومًا، منذ العاشر وحتى الحادي والعشرين من مايو/أيار، وشهدت إطلاق رشقات صاروخية من قطاع غزة باتجاه مدن وبلدات إسرائيلية، في مقابل حملة جوية إسرائيلية واسعة استهدفت مناطق سكنية ومنشآت وبنى تحتية في القطاع، وأوقعت شهداء وجرحى وخلّفت دمارًا واسعًا.

وفي فجر 21 مايو/أيار، دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، منهياً جولة المواجهة، وسط تفاعل فلسطيني واسع مع نتائجها وتداعياتها، فيما كانت قيادة الحركة تتابع تطورات الميدان والاتصالات المرتبطة بإنهاء التصعيد.

وفي هذا التوقيت جاءت المكالمة التي وثقها الفيلم بين السنوار والضيف، لتقدم مشهدًا من كواليس اللحظات التي أعقبت إعلان وقف إطلاق النار، وتكشف جانبًا من التواصل بين القيادة السياسية في غزة والقيادة العسكرية لكتائب القسام.

مصائر مختلفة وذاكرة مشتركة

وتكتسب اللقطات بعدًا إضافيًا بالنظر إلى ما شهدته السنوات اللاحقة؛ إذ اغتالت قوات الاحتلال السنوار في رفح خلال أكتوبر/تشرين الأول 2024، فيما أعلنت كتائب القسام رسميًا مقتل الضيف في يناير/كانون الثاني 2025، بعد استهدافه في غارة إسرائيلية على منطقة المواصي غرب خان يونس في يوليو/تموز 2024.

وبذلك، يعود التسجيل بعد سنوات من الواقعة، موثقًا لحظة جمعت الرجلين قبل أن تطوي الأحداث اللاحقة صفحة وجودهما، ليصبح جزءًا من أرشيف مرحلة مفصلية في تاريخ المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية.

ولا تكمن أهمية المشهد في دموع السنوار وحدها، بل في اجتماع أكثر من دلالة داخل تسجيل قصير: استحضار معركة انتهت بعد أيام طويلة من القصف والدمار، وتواصل بين قيادتين في لحظة فاصلة، وما أظهره الفيلم من تقدير ووفاء بين رفاق مسيرة امتدت سنوات.

وفي المحصلة، يفتح فيلم «الضيف» نافذة على جوانب من حياة شخصيات ظلت محاطة بالسرية، ويعيد تقديمها من خلال شهادات ولقطات تتجاوز السرد العسكري والسياسي إلى العلاقات الإنسانية والذاكرة المشتركة. وهي جوانب ربما كانت أقل حضورًا في التغطيات السابقة، لكنها تمنح المادة المصورة قيمة توثيقية وإنسانية تستحق التوقف عندها.

Exit mobile version