Site icon Palestinealyoum

رغم الإبادة.. التعليم الوجاهي يعيد لغزة شيئًا من حياتها

رغم الإبادة.. التعليم الوجاهي يعيد لغزة شيئًا من حياتها

المركز الفلسطيني للإعلام

بعد ثلاثة أعوام أبعدت خلالها الحرب أطفال قطاع غزة عن مدارسهم ومقاعدهم الدراسية، عادت أصوات الطلبة إلى بعض المساحات التعليمية، في مشهد يحمل للأهالي فرحة ممزوجة بالألم، ويعيد إلى الأطفال جانبًا من حياتهم التي توقفت بفعل الحرب.

“رغم كل شيء، فرحانين إن أولادنا رجعوا يتعلموا”.. بهذه الكلمات تختصر أم خالد خليفة شعورها وهي ترى أبناءها عبد العزيز، البالغ 12 عامًا، وفاطمة، 10 أعوام، يعودان إلى التعليم الوجاهي مع انطلاق العام الدراسي الجديد 2026/2027.

وتقول أم خالد إن عودة أبنائها إلى التعليم تمثل بالنسبة لها فرحة كبيرة، رغم صعوبة الظروف التي يعيشها قطاع غزة، مؤكدة أن استمرار الأطفال في التعليم بات ضرورة حتى لا يخسروا سنوات إضافية من أعمارهم الدراسية.

وتضيف أن هذه العودة لا تلغي حجم المعاناة المحيطة بالأطفال وأسرهم، لكنها تمنحهم فرصة لاستعادة جزء من حياتهم الطبيعية، ومواصلة تعليمهم بدل أن تضيع سنوات أخرى من أعمارهم في ظل الحرب والنزوح والحرمان.

فرحة تصطدم بكلفة المدرسة

ولا تنفصل فرحة العودة إلى المدارس عن أعباء الحياة اليومية التي أثقلت كاهل الأسر الغزية، إذ يجد الأهالي أنفسهم أمام تحديات جديدة تتعلق بتوفير الملابس والحقائب والقرطاسية وسائر المستلزمات المدرسية.

أبو يوسف حبوش، الذي عاد أبناؤه أيضًا إلى التعليم، يقول إن فرحته بعودتهم تتزامن مع صعوبة تأمين احتياجات العام الدراسي، في ظل الظروف الاقتصادية القاسية التي تعيشها الأسر في القطاع.

ويشير إلى أن تجهيز الأبناء للمدرسة أصبح عبئًا إضافيًا على العائلات التي تكافح أصلًا لتوفير احتياجاتها الأساسية، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن هذه الصعوبات لا تقلل من أهمية عودة التعليم الوجاهي، باعتباره ضرورة للحفاظ على مستقبل الأطفال وتعويض ما فقدوه خلال سنوات الحرب.

ويشدد أبو يوسف على أن الأهالي يريدون لأبنائهم مواصلة التعليم مهما كانت الظروف، وألا تتحول الأضرار التي لحقت بالمدارس والانقطاع الطويل للدراسة إلى سبب جديد لحرمانهم من حقهم الأساسي في التعليم.

مدارس مدمرة.. وتعليم يبحث عن مساحة

لكن عودة الطلبة إلى التعليم الوجاهي تأتي في وقت تعرض فيه قطاع التعليم في غزة لدمار واسع، إذ تشير المعطيات الواردة إلى تضرر أو تدمير نحو 97% من المدارس والمنشآت التعليمية، فيما تحولت مدارس أخرى إلى مراكز لإيواء النازحين.

هذا الواقع دفع الجهات التعليمية إلى البحث عن بدائل مؤقتة، من بينها الخيام والمساحات التعليمية المؤقتة والمدارس الميدانية، في محاولة لإعادة آلاف الأطفال إلى مسار التعليم رغم غياب البيئة المدرسية الطبيعية.

ويبدأ أكثر من 500 ألف طالب وطالبة في قطاع غزة عامهم الدراسي الجديد، وسط واقع تعليمي استثنائي يتسم بنقص المقاعد والتجهيزات والمساحات المناسبة للتعلم، بينما لا يزال آلاف الطلبة خارج العملية التعليمية.

وتستهدف خطة التعليم في غزة نحو 350 ألف طالب وطالبة خلال العام الدراسي الحالي، مقارنة بنحو 270 ألفًا في العام الماضي، مع توجه نحو توسيع نطاق التعليم الوجاهي تدريجيًا، إلى جانب التعليم عن بُعد للطلبة الذين يتعذر وصولهم إلى المساحات التعليمية.

الوجاهي وعن بُعد.. محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه

وفي ظل الدمار الواسع الذي أصاب البنية التعليمية، تعتمد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” نموذجًا يجمع بين التعليم الوجاهي والتعليم عن بُعد.

وبدأت الوكالة التدريس الوجاهي في 86 مساحة تعلم مؤقتة، مع العمل على التوسع فيها تدريجيًا، فيما يتلقى نحو 280 ألف طالب تعليمهم عن بُعد.

ويعكس هذا النموذج حجم الفجوة التي خلفتها الحرب في العملية التعليمية؛ فالعودة إلى التعليم لم تعد مجرد استئناف للدراسة داخل المدارس، بل أصبحت عملية معقدة تتطلب توفير أماكن بديلة، وتأمين المعلمين والمستلزمات، ومعالجة الفاقد التعليمي والنفسي الذي تراكم خلال سنوات الانقطاع.

وزارة التعليم: الحلول المؤقتة ليست بديلًا

وأعلنت وزارة التربية والتعليم العالي انطلاق العام الدراسي الجديد في ظل ظروف تعليمية وإنسانية بالغة الصعوبة، في وقت يواصل فيه آلاف الطلبة والمعلمين حياتهم داخل الخيام ومراكز الإيواء، وسط شح في المقومات الأساسية للبيئة التعليمية وتداعيات نفسية واجتماعية ثقيلة.

واستذكرت الوزارة شهداء الأسرة التعليمية من طلبة ومعلمين وعاملين، وأعربت عن تضامنها مع الجرحى والأسرى، مثمنة جهود الكوادر التعليمية التي تواصل أداء رسالتها في بيئات غير مستقرة وبالإمكانات المتاحة.

وقالت الوزارة إنها تمكنت، بالتعاون مع شركائها، من اتخاذ خطوات عملية لاستعادة العملية التعليمية، توجت بإعادة نحو نصف مليون طالب وطالبة إلى مقاعد الدراسة، إلى جانب تجهيز عشرات المدارس الميدانية والمساحات التعليمية البديلة وتزويدها بما أمكن من الأثاث والمستلزمات الطلابية.

لكن الوزارة تؤكد أن هذه الحلول الميدانية تبقى استجابة طارئة، وليست بديلًا عن استعادة التعليم النظامي الوجاهي داخل مدارس آمنة، داعية “أونروا” إلى اتخاذ خطوات أوسع لإعادة تشغيل مدارسها والحد من الانقطاع الدراسي الممتد.

كما طالبت المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية بإيجاد حلول للنازحين المقيمين داخل المباني المدرسية، بما يحفظ حقهم في المأوى وكرامتهم، ويفتح المجال في الوقت ذاته أمام أعمال الصيانة والتأهيل وإعادة المدارس إلى وظيفتها التعليمية.

جيل يحاول استعادة ما سرقته الحرب

ولا تتوقف الحاجة التعليمية عند إعادة فتح أبواب الصفوف، إذ تطالب وزارة التربية والتعليم بتوفير تمويل عاجل ومستدام لقطاع التعليم، وتأمين الأثاث والمستلزمات المدرسية، وتفعيل برامج التعلم التعويضي لمعالجة الفاقد التعليمي، إلى جانب توفير الدعم النفسي والاجتماعي للطلبة والمعلمين.

فالأطفال الذين عادوا إلى التعليم اليوم لا يعودون إلى واقع ما قبل الحرب؛ إنهم يعودون بعد سنوات من القتل والنزوح وفقدان المنازل والأقارب، وبعد انقطاع طويل عن المدرسة، وفي وقت ما تزال فيه آثار الحرب حاضرة في تفاصيل حياتهم اليومية.

ومع ذلك، تبدو عودة الطلبة إلى مقاعد الدراسة أكثر من مجرد بداية لعام أكاديمي جديد؛ إنها محاولة لاستعادة إيقاع الحياة الذي انتزعته الحرب من أطفال غزة.

ففي صورة أم خالد وهي تفرح بعودة عبد العزيز وفاطمة إلى التعليم، وفي حديث أبي يوسف عن رغبته في أن يكمل أبناؤه دراستهم رغم كلفة المستلزمات، تتجسد حكاية آلاف الأسر التي ترى في المدرسة مساحة لحماية ما تبقى من مستقبل أبنائها.

وبين مدارس مدمرة، وخيام تعليمية، ومساحات مؤقتة، وتعليم عن بُعد، تبدأ غزة عامًا دراسيًا جديدًا وهي تحمل فوق كاهلها واحدة من أثقل الفجوات التعليمية التي خلفتها الحرب.

ومع ذلك، يصر الأهالي على أن لا تكون الحرب فصلًا أخيرًا في حياة أبنائهم التعليمية؛ فكل حقيبة مدرسية تعود إلى طفل، وكل مقعد يستقبل طالبًا، يمثل محاولة لاستعادة سنوات ضاعت، وفتح نافذة صغيرة نحو مستقبل لا يريد الغزيون أن تبتلعه الحرب.

Exit mobile version