Site icon Palestinealyoum

زيتون غزة.. موسمٌ اقتلعت الحرب جذوره وقتلت فرحته

زيتون غزة.. موسمٌ اقتلعت الحرب جذوره وقتلت فرحته

غزة – المركز الفلسطيني للإعلام

أخرجت حرب الإبادة الصهيونية على قطاع غزة 90% من المساحات المزروعة بالزيتون من القطاع الإنتاجي، وخفّضت إنتاج الزيت إلى نحو 700 طن، مقابل خمسة آلاف طن قبل الحرب، في انهيار يمتد من الأشجار والحقول إلى المعاصر وفرص العمل ومؤونة الأسر.

وبحسب معطيات نشرها المكتب الإعلامي الحكومي، في سبتمبر الماضي، تقلصت مساحة الزيتون من نحو 50 ألف دونم إلى خمسة آلاف فقط، فيما تراجع عدد الأشجار من قرابة مليونين إلى نحو 150 ألف شجرة، بما يكشف حجم الدمار الذي أصاب أحد المحاصيل الأساسية في اقتصاد غزة وغذائها.

وتضع هذه الأرقام موسم الزيتون الحالي أمام أزمة تتجاوز ضعف المحصول، إذ فقد القطاع معظم قاعدته الإنتاجية، بينما تواجه الأشجار المتبقية نقصا في مستلزمات العناية، وتواجه المعاصر صعوبات التشغيل، وبينهما يحاول المزارعون الحفاظ على ما تبقّى من مصدر دخل لم تعد عائداته مضمونة، حتى مع ارتفاع أسعار منتجاته.

من 40 ألف طن إلى 5 آلاف

وأظهرت بيانات المكتب الإعلامي الحكومي تراجع إنتاج ثمار الزيتون من نحو 40 ألف طن سنويا قبل الحرب إلى نحو خمسة آلاف طن، وتوزعت الكميات السابقة بين 35 ألف طن للعصر وخمسة آلاف للتخليل، مقابل نحو أربعة آلاف طن للعصر وألف طن للتخليل في المعطيات الحالية.

وتعني المقارنة انخفاض إنتاج الثمار بنحو 87.5%، فيما يشير تراجع الزيت من خمسة آلاف طن إلى 700 طن إلى فقدان نحو 86% من الإنتاج السابق، وهي نسب تقيس الانخفاض في الإنتاج، ولا تعادل تلقائيا نسبة العجز في احتياجات السوق، التي تتأثر أيضا بحجم الاستهلاك والكميات الواردة من خارج القطاع.

وتكمن خطورة هذا الانكماش في أن خسارة الأشجار تؤثر في مواسم متتالية، فإعادة تأهيل بستان جُرّفت أشجاره تتطلب استصلاح الأرض وتأمين الشتلات والمياه والرعاية، ثم انتظار نمو الأشجار وإثمارها، وخلال هذه الفترة، يبقى المزارع مطالبا بتأمين معيشة أسرته وتمويل العودة إلى الزراعة، بعدما فقد المورد الذي كان يساعده على ذلك.

وامتدت الخسائر إلى العاملين في هذا القطاع، إذ أفاد المكتب بتراجع عدد المزارعين المرتبطين به من نحو 20 ألفا إلى ألف فقط، وعدد العمال من نحو ثلاثة آلاف إلى قرابة 200، كما انخفض عدد المعاصر من نحو 40 إلى سبع، ومصانع التخليل من 14 إلى ثلاثة.

وتكشف هذه الأرقام أن اقتلاع الأشجار عطّل شبكة من الأعمال تتجاوز مالك الحقل، وتشمل القطاف والنقل والعصر والتخزين والتسويق، وحين يتراجع الإنتاج إلى هذا الحد، تضيق فرص العمل الموسمية وتتقلص الإيرادات التي كانت تتوزع بين المزارعين والعمال وأصحاب المنشآت.

ويصبح أثر الخسارة مضاعفا لدى الأسر التي كانت تحتفظ بجزء من المحصول للاستهلاك وتبيع الباقي، فهي تفقد مؤونة تنتجها بنفسها، ودخلا تستخدمه لتغطية احتياجات أخرى، ثم تضطر إلى شراء ما كانت توفره من أرضها في سوق ترتفع فيها الكلفة.

الوصول إلى الأرض شرط لإنقاذ ما بقي

ولا يقتصر التحدي على المساحات التي دُمرت، فالأراضي والأشجار الباقية تحتاج إلى إمكان الوصول المنتظم لخدمتها وجني ثمارها، وتوضح التقييمات الأممية أن الضرر المادي وقيود الوصول يشكلان عائقين متداخلين أمام استئناف الزراعة.

ففي تقييم نشرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “فاو” ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية “يونوسات” في أغسطس، استنادا إلى وضع الوصول في 24 يونيو 2026، لم تتجاوز الأراضي المزروعة السليمة والمتاحة للوصول معا 3% من إجمالي الأراضي المزروعة في غزة.

وأظهر التقييم إمكان الوصول إلى 4091 هكتارا، لكن 448 هكتارا فقط كانت غير متضررة، بينما احتاجت بقية المساحات المتاحة إلى التأهيل، وتشمل هذه البيانات مجمل الأراضي المزروعة، ولا تخص الزيتون وحده.

وتفسر هذه الخلفية لماذا لا يكفي بقاء الشجرة لضمان محصولها، فالحقل الذي تنقطع عنه الخدمة، أو تتعطل مرافقه، يظل مهددا بتراجع الإنتاج حتى إن نجا من التجريف المباشر.

المستهلك يدفع أكثر والمزارع يخسر

وتظهر آثار الأزمة في السوق، فلا المزارع مستفيد من ارتفاع السعر ولا المواطن قادر على الشراء بهذه الأسعار، فارتفاع سعر البيع لا يضمن تحسن دخل المزارع عندما تنخفض الكمية المنتجة وتزداد النفقات، وفي المقابل، يواجه المستهلك صعوبة في تأمين الزيت والزيتون، لتلتقي خسارة المنتج وضعف قدرة الأسرة على الشراء في نتيجة واحدة، تراجع حضور محصول محلي أساسي على موائد الغزيين.

وتؤكد “فاو” أن تعافي الأمن الغذائي في القطاع يتطلب استئناف الإنتاج المحلي وإعادة بناء سبل عيش المنتجين، مع إتاحة الأراضي والمدخلات والخدمات الأساسية، ومنها الطاقة اللازمة للري.

وبهذا المعنى، تكشف أرقام المكتب الإعلامي الحكومي عن خسارة تتجاوز موسما واحدا، أرض فقدت أشجارها، ومزارعون فقدوا دخلهم، وأما إنقاذ ما بقي، فيبدأ بتمكين المزارعين من أرضهم وتأمين وسائل الإنتاج، وإلا تحولت خسائر الحرب إلى عجز يتكرر مع كل موسم، وتستمر آثاره من الحقول إلى موائد الأسر.

Exit mobile version