
المركز الفلسطيني للإعلام
تتجدد المأساة الإنسانية في قطاع غزة مع اشتداد المنخفض الجوي وتساقط الأمطار بغزارة، إذ تحولت مخيمات النزوح ومراكز الإيواء إلى برك مائية، وغمرت السيول خيام آلاف العائلات التي تعيش أصلًا في ظروف بالغة القسوة، وسط نقص حاد في وسائل التدفئة والأغطية والملابس الشتوية، وتراجع قدرة الجهات المختصة على مواجهة تداعيات المنخفض.
ومع تعمق المنخفض الجوي المتمركز شرق جزيرة قبرص، وجدت مئات آلاف العائلات النازحة نفسها أمام معاناة إضافية، بعدما تسربت مياه الأمطار إلى خيامها المهترئة، وأغرقت مقتنياتها القليلة، فيما اضطر عدد من الأسر إلى مغادرة أماكن إقامتها بحثًا عن مواقع أكثر أمانًا، رغم محدودية الخيارات المتاحة في ظل اتساع رقعة الدمار.
ولا تقتصر خطورة المشهد على الأضرار المباشرة التي خلفتها الأمطار، بل تمتد إلى ما تفرضه الظروف الجوية من تهديدات صحية ومعيشية على الأطفال والنساء وكبار السن، في وقت لا تزال فيه آثار الحرب والحصار حاضرة في مختلف مناحي الحياة بالقطاع.
من شمال القطاع إلى جنوبه.. الخيام تحت المياه
في شمال قطاع غزة، غمرت مياه الأمطار خيام النازحين ومراكز الإيواء في جباليا وبيت لاهيا، حيث تتفاقم المعاناة بفعل الدمار الواسع الذي طال المباني والبنية التحتية ومرافق الخدمات الأساسية، وفق مراسلنا.
وفي ظل غياب المساكن الصالحة للإقامة، وجد النازحون أنفسهم أمام واقع قاسٍ، إذ باتت الأرض الطينية بديلًا عن الفرش، فيما لم تعد الأغطية والملابس المتوافرة كافية لحماية العائلات من البرد والأمطار.
وفي مدينة غزة، تسللت مياه الأمطار والرياح القوية إلى خيام النازحين في منطقة الميناء غرب المدينة، ما دفع مئات العائلات، وبينها أطفال ونساء، إلى مغادرة خيامها خلال ساعات الفجر، بحثًا عن مأوى بديل وسط ظروف جوية صعبة، وفي ظل غياب أماكن إيواء مجهزة لاستقبال مزيد من النازحين.
أما في المحافظة الوسطى، فقد تحولت الشوارع الترابية ومحيط مراكز الإيواء في دير البلح وشمال مخيم النصيرات إلى تجمعات واسعة للمياه، وحاصرت السيول الخيام المصنوعة من القماش والنايلون، وألحقت أضرارًا بالممتلكات والأمتعة التي لا تملك العائلات بدائل عنها.
وفي جنوب القطاع، لم تكن الأوضاع أفضل حالًا؛ إذ شهدت منطقة المواصي غرب خان يونس، التي لجأ إليها آلاف النازحين باعتبارها منطقة أقل خطورة، تجمعًا لمياه الأمطار والسيول، فيما تسببت الرياح القوية في اقتلاع خيام وإلحاق أضرار بأخرى، لتجد عائلات كثيرة نفسها في العراء، دون حماية كافية من البرد والمطر.
وتكشف هذه المشاهد عن اتساع نطاق الكارثة، إذ لم تعد أي منطقة في القطاع بمنأى عن تداعيات المنخفض، بينما يواجه النازحون خطر فقدان حتى الملاجئ المؤقتة التي احتموا بها بعد تدمير منازلهم.
بنية تحتية مدمرة تضاعف آثار المنخفض
ولا يمكن فصل حجم الأضرار التي خلفتها الأمطار عن واقع البنية التحتية في قطاع غزة، التي تعرضت لدمار واسع خلال الحرب، ولا سيما شبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار ومحطات ضخ المياه العادمة.
فمع تضرر هذه المرافق وتعطل أجزاء واسعة منها، أصبحت الشوارع والمناطق السكنية عاجزة عن استيعاب كميات الأمطار، حتى في الظروف الجوية الاعتيادية، الأمر الذي يجعل تأثير المنخفضات الجوية أكثر خطورة، خصوصًا في المناطق المنخفضة والمكتظة بخيام النازحين.
كما أن تدمير الطرق والشوارع، وتراكم الركام والأنقاض، وتضرر شبكات المياه والصرف الصحي، كلها عوامل تعيق حركة المياه وتزيد من احتمالات تجمعها داخل المخيمات ومراكز الإيواء.
وتتفاقم الأزمة مع استمرار القيود المفروضة على إدخال الاحتياجات الأساسية، وفي مقدمتها الخيام المناسبة والنايلون المقاوم للمياه والأغطية والملابس الشتوية ومواد الإيواء، ما يحرم العائلات من الحد الأدنى من الحماية اللازمة لمواجهة فصل الشتاء.
وبذلك تتداخل آثار الحرب مع تداعيات المنخفض الجوي، لتتحول الأمطار من ظاهرة طبيعية إلى عامل إضافي يضاعف معاناة السكان، في ظل غياب المساكن الملائمة وتعطل الخدمات الأساسية ومحدودية المساعدات المتاحة.
الدفاع المدني والبلديات.. إمكانات محدودة أمام كارثة متفاقمة
وفي مواجهة هذه الظروف، تواجه طواقم الدفاع المدني والبلديات والمؤسسات الإغاثية صعوبات كبيرة في التعامل مع تجمعات المياه وإنقاذ العائلات المتضررة، نتيجة النقص الحاد في المعدات والآليات والوقود.
فعدد من المركبات والآليات تعرض للتدمير أو الأضرار خلال الحرب، كما أن نقص الوقود يحد من قدرة الطواقم على تشغيل مضخات سحب المياه ومركبات الطوارئ، والوصول إلى المناطق التي تشهد تجمعات مائية واسعة.
وأمام اتساع رقعة الأضرار، أطلقت طواقم الدفاع المدني مناشدات عاجلة للمجتمع الدولي والمؤسسات الأممية، للمساعدة في توفير المعدات والآليات والوقود اللازم، وتمكينها من الاستجابة لنداءات المواطنين والتعامل مع تداعيات المنخفض الجوي.
وتبرز خطورة هذا العجز في المخيمات المكتظة، حيث يمكن أن يؤدي استمرار تجمع المياه إلى انهيار الخيام وتضرر أماكن الإيواء، فضلًا عن صعوبة إجلاء العائلات التي لا تملك وسائل نقل أو أماكن بديلة تلجأ إليها.
الأمراض والبرد.. تهديد إضافي للأطفال والنساء
ولا تقف تداعيات غرق الخيام عند حدود تلف الأمتعة وفقدان المأوى المؤقت، إذ تحمل الظروف الحالية مخاطر صحية متزايدة، خصوصًا مع اختلاط مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي والنفايات المتراكمة في محيط أماكن النزوح.
ويزيد هذا الواقع احتمالات انتشار الأمراض الجلدية والمعوية، في ظل الاكتظاظ وضعف خدمات النظافة والصرف الصحي، ومحدودية المياه النظيفة والمواد اللازمة للحفاظ على الصحة العامة.
كما يواجه الأطفال وكبار السن والمرضى مخاطر متزايدة جراء التعرض المباشر للبرد والرطوبة، خصوصًا مع غياب وسائل التدفئة، ونقص الأغطية والملابس الشتوية، وعدم توافر ظروف مناسبة للنوم والإقامة.
وتتضاعف هذه المخاطر بفعل تدهور القطاع الصحي ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، ما يجعل التعامل مع الأمراض والمضاعفات الناتجة عن البرد والرطوبة أكثر صعوبة، ويضع الفئات الأكثر هشاشة أمام تهديدات إضافية.
شتاء آخر من النزوح.. أين الاستجابة الدولية؟
ومع دخول فصل الشتاء، تتجدد الأسئلة بشأن حجم الاستجابة الدولية للاحتياجات الإنسانية في قطاع غزة، ومدى جدية الجهود المبذولة لتوفير مستلزمات الإيواء والحماية من البرد والأمطار، وإصلاح ما يمكن إصلاحه من البنية التحتية والخدمات الأساسية.
فالمطلوب لا يقتصر على تقديم مساعدات طارئة لشفط المياه أو توزيع الأغطية، بل يتطلب توفير حلول إيواء مناسبة، وإدخال الخيام والمواد العازلة للمياه، وتأمين الوقود والمعدات اللازمة للدفاع المدني والبلديات، إلى جانب معالجة الأضرار التي لحقت بشبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار.
كما أن استمرار القيود على إدخال الاحتياجات الأساسية، في ظل اتساع الاحتياجات الإنسانية، يجعل العائلات النازحة عرضة لتكرار المأساة مع كل منخفض جوي، ويحول الشتاء إلى اختبار قاسٍ لقدرتها على البقاء في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
وهكذا، لا تبدو مأساة غزة مع الأمطار مجرد أزمة موسمية عابرة، بل امتدادًا لأزمة إنسانية مركبة صنعتها الحرب والدمار والنزوح والحصار. فبين خيام تغرق، وأطفال يواجهون البرد، وعائلات تفقد ما تبقى لها من ممتلكات، تقف الاحتياجات الإنسانية أكبر من إمكانات الاستجابة المتاحة، فيما يبقى توفير الحماية والمأوى والخدمات الأساسية مسؤولية عاجلة لا تحتمل التأجيل.
