Site icon Palestinealyoum

طفل في غزة يعمل 12 ساعة يوميًا لإعالة أسرته.. يوميات رمضان تحت الحرب

طفل في غزة يعمل 12 ساعة يوميًا لإعالة أسرته.. يوميات رمضان تحت الحرب

المركز الفلسطيني للإعلام

بين خيمة ممزقة على شاطئ البحر ومقهى صغير يعمل فيه طوال النهار، يعيش الطفل الفلسطيني رمضان يعقوب غبان، البالغ من العمر 12 عامًا، يومًا لا يشبه أيام الأطفال.

ففي الوقت الذي يفترض أن يكون فيه رمضان داخل صفه الدراسي، أو يلعب مع أقرانه، يبدأ يومه في السادسة والنصف صباحًا، يجمع قطع الخشب والبلاستيك لإشعال النار وغلي الماء، ثم يتوجه إلى عمله في مقهى على شاطئ البحر، حيث يقضي نحو 12 ساعة يوميًا في العمل من أجل توفير الطعام والشراب لأشقائه.

وتروي صحيفة الغارديان، في تقرير نشرته الثلاثاء 22 سبتمبر/أيلول، تفاصيل يوم من حياة رمضان، ضمن سلسلة تتتبع حياة خمسة فلسطينيين عاديين في قطاع غزة مع اقتراب الحرب من عامها الرابع، وتكشف كيف أعادت الحرب تشكيل تفاصيل حياتهم اليومية.

يوم يبدأ بالبحث عن الحطب

يستيقظ رمضان عند الساعة السادسة والنصف صباحًا، داخل خيمة منصوبة فوق منصة في الكثبان الرملية المطلة على البحر في منطقة النُوَيري الساحلية بالنصيرات، بعدما نزحت عائلته من بيت لاهيا.

الخيمة التي يعيش فيها مع أشقائه لم تعد توفر حتى الحد الأدنى من الحماية؛ فقد نهشت الفئران جوانبها وأحدثت ثقوبًا في قماشها، فيما يتسلل الرمل من فتحاتها إلى الداخل.

ولا تملك العائلة غازًا للطهي، لذلك يبدأ رمضان يومه بالبحث عن قطع صغيرة من الخشب والبلاستيك لإشعال النار وغلي الماء لإعداد الشاي.

ويخرج الطفل بين الخيام والكثبان الرملية بحثًا عما يمكن حرقه، إذ لم تعد الأشجار متوفرة بكثرة في المنطقة. وفي أحد الأيام عثر على بعض قطع البلاستيك وقطعة من الخشب جرفها البحر، ثم قطع أغصانًا من شجيرة شوكية، قبل أن يشعل النار مع شقيقه عدي لإعداد الشاي.

رمضان، وهو من بيت لاهيا، لديه ثلاث شقيقات وشقيق واحد.

من الخيمة إلى العمل

بعد الإفطار، يبدأ رمضان رحلته القصيرة إلى مكان عمله؛ فالمقهى يقع على بعد نحو 300 متر فقط من خيمته، ويصل إليه خلال دقائق سيرًا على الشاطئ.

وفي الطريق يرى الصيادين وهم يصطادون الأسماك وسرطانات البحر ويبيعون ما يصطادونه، وأحيانًا يتوقف لمشاهدتهم وهم يخرجون صيدهم من البحر.

لكن الوصول إلى المقهى يعني بالنسبة لطفل في الثانية عشرة بداية يوم عمل طويل.

يعمل رمضان عادة من السابعة صباحًا وحتى المساء، أي نحو 12 ساعة، وأحيانًا يمتد عمله إلى وقت متأخر من الليل، عندما يبقى الزبائن لتناول الطعام حتى العاشرة مساءً.

وتتمثل مهامه في نقل الطاولات وترتيب الكراسي وإخراج الطاولات إلى الشاطئ ثم إعادتها ليلًا، وتنظيف المكان وترتيبه، وتسوية الرمال المحيطة بالطاولات وجمع القمامة.

وفي أحد الأيام، شاهد أشخاصًا يشوون الطعام في المقهى، وانتشرت رائحة الشواء في المكان، فاستحضر منزله الذي كان يتمنى لو ظل قائمًا، متخيلًا أنه وأسرته ربما كانوا يتناولون الشواء أيضًا.

وبعد مغادرة هؤلاء الأشخاص، تركوا كيسًا من رقائق البطاطا، وكان رمضان جائعًا، فأخذه وأكله.

«أعمل لأنني مضطر»

يقول رمضان إن العمل متعب جدًا، لكنه يضطر إليه من أجل إعالة أشقائه.

ويرى أطفالًا من أبناء الجيران يقضون وقتهم في اللعب مع آبائهم، بينما يجد نفسه مضطرًا إلى العمل حتى يتمكن من توفير الطعام والشراب لشقيقاته الأصغر، ويقول إن شقيقاته يبكين عندما لا يتوفر المال لشراء الطعام.

وهكذا، تحولت مسؤوليات إعالة الأسرة إلى طفل في الثانية عشرة، بعدما فقد والده، وتغيرت حياة العائلة بالكامل بسبب الحرب.

أب بقي تحت الأنقاض أربعة أشهر

قبل الحرب، كان والد رمضان يعمل في قطف الفراولة في بيت لاهيا، إلى جانب جمع المواد القابلة لإعادة التدوير، لكنه لم يعد قادرًا على العمل.

وتروي القصة أن والد رمضان قُتل عندما ذهب إلى منزل عمه وعمته لمساعدتهما على الإخلاء، بعدما علمت العائلة أن منزلًا قريبًا تعرض للقصف.

كانت الأسرة في مدرسة تستخدم مأوى للنازحين عندما جاءت امرأة وأبلغتهم بمقتل والدهم.

في البداية لم يصدقوا الخبر، لكنهم عندما توجهوا إلى المنزل وجدوه مدمرًا.

وحاول رمضان وأفراد أسرته إزالة الأنقاض والبحث عن والدهم، إلا أن القصف وإطلاق القذائف حالا دون وصولهم إليه، واضطروا إلى الفرار.

وبقي الأب تحت الأنقاض أربعة أشهر، وبعد مرور هذه المدة، عادت الأسرة إلى بيت لاهيا، وتمكنت من انتشال جثمانه ودفنه في المقبرة.

مهمة أخرى: توفير المياه

في نحو الساعة الواحدة والنصف ظهرًا، يصل صهريج مياه إلى المنطقة، ويترك رمضان عمله للحظات، ويصعد مسرعًا إلى المكان برفقة شقيقاته لتعبئة المياه.

ويتمكنون من ملء نحو 15 عبوة مخصصة للشرب والغسيل، ثم يضعونها في عربة مصنوعة من صندوق بلاستيكي، بعجلات غير متناسقة ومحور بدائي من قطعة خشب، ويسحبونها عبر الكثبان الرملية عائدين إلى الخيمة.

ويقول رمضان إن وصول شاحنات المياه غير منتظم؛ فقد تأتي في السادسة صباحًا، وأحيانًا تصل بعد الظهر.

أما الخيمة، فلا تسلم من الفئران التي أتلفت كل شيء تقريبًا، حتى إنها قضمت عبوات المياه.

ولم تعد لدى الأسرة عبوات سليمة؛ فمعظمها أصبح يتسرب منه الماء، ولذلك يضطرون إلى استخدام الزجاجات البلاستيكية.

من بيت بغرفتين إلى خيمة تنهشها القوارض

قبل الحرب، كان رمضان يعيش مع عائلته في منزل مكون من غرفتي نوم وغرفة معيشة وحمام ومطبخ.

كان يذهب إلى المدرسة صباحًا، يجلس مع زملائه، يتناول وجبة الإفطار ويلعب معهم خلال الاستراحة.

أما اليوم، فقد أصبح يعيش داخل خيمة، فيما القوارض تنخر جوانبها وتمزق أجزاء منها.

ويخشى الطفل من اقتراب فصل الشتاء، عندما تهب الرياح والعواصف، ويتسرب الماء إلى الخيمة أثناء نومهم، أو تتعرض المنطقة للغرق.

ويقول إن الشتاء يشهد رياحًا وعواصف قوية، وإن المقاهي تغلق أبوابها عندما يرتفع البحر ويقترب من الشاطئ.

الخوف من عودة الحرب والمجاعة

لا يقتصر خوف رمضان على فقدان المأوى أو استمرار الفقر، بل يعيش تحت هاجس عودة الحرب في أي لحظة.

ويقول إن أكثر ما يخيفه هو أن تعود الحرب، أو أن يتعرض المقهى الذي يعمل فيه للقصف، أو أن يُقصف هو أثناء سيره، أو أن يُستهدف منزل أو قاعة قريبة من المكان الذي يعيش فيه.

كما يخشى عودة المجاعة ونقص الطعام والمياه.

ويستعيد رمضان أيام المجاعة، حين كانت أسرته تبقى أحيانًا ثلاثة أو أربعة أيام دون طعام، وحين كان يذهب إلى نقطة توزيع المساعدات في زيكيم للحصول على الخبز.

وهناك، يقول إنه رأى الناس يتدافعون ويتشاجرون للحصول على كيلوغرام واحد من الطحين.

ويؤكد أنه رأى ذلك بعينيه، كما رأى أشخاصًا يُقتلون، ويتذكر إطلاق النار بالقرب منهم أثناء وجودهم في المكان.

ويقول إن الناس كانوا يضطرون إلى الاستلقاء على الأرض، فيما كانت الرصاصات تأتي من الأعلى، ومن يرفع رأسه كان معرضًا للموت فورًا، ويأمل ألا تعود تلك الأيام.

عشرة شواكل مقابل يوم عمل طويل

ينتهي يوم عمل رمضان بين السابعة والعاشرة مساءً، ويحصل مقابل عمله على 10 شواكل فقط.

ويقول إن هذا المبلغ كان قبل الحرب يكفي لشراء الكثير من الأشياء، لكنه اليوم لا يكاد يكفي لشراء بعض الجبن ورغيف من الخبز.

ومع ذلك، يجد في عمله شيئًا يحبه؛ فالمقهى قريب من البحر، وهو يحب استنشاق هواء البحر والسباحة عندما تتاح له الفرصة.

ويقول إنه تعلم السباحة بنفسه، وإنه عندما يحصل على استراحة قصيرة بين مهامه يركض إلى البحر ليبرد جسده.

أحلام طفل لم تستطع الحرب انتزاعها

رغم كل ما مر به، لا يزال رمضان يحتفظ بأحلام تتجاوز واقع الخيمة والمقهى والعمل والمجاعة.

يقول إنه يريد في المستقبل أن يصبح منقذًا بحريًا، حتى يتمكن من إنقاذ الأشخاص الذين يتعرضون للغرق.

كما يحلم بأن يصبح طبيبًا أو محاميًا.

أما أمنيته الأهم فهي أن تنتهي الحرب، وأن يعاد بناء المنازل، وأن ينسحب الاحتلال وتعود الحياة إلى ما كانت عليه.

عندها، يقول رمضان، لن يضطر إلى العمل، وسيتمكن من العودة إلى الدراسة داخل الصفوف المدرسية.

فهو لم يدخل المدرسة منذ بداية الحرب، منذ يومها الأول، رغم أنه كان يحب القراءة كثيرًا، وكانت اللغة العربية مادته المفضلة.

حتى اللعب أصبح خطرًا

ولا يملك رمضان وقتًا كافيًا للعب خلال النهار.

وفي المساء، وبعد مغادرة زبائن المقهى، يخرج أحيانًا لرؤية أصدقائه.

كان الأطفال في السابق يصنعون الطائرات الورقية ويطلقونها في الهواء، لكن حتى هذه اللعبة البسيطة لم تعد آمنة.

يقول رمضان إنهم توقفوا عن صناعة الطائرات الورقية بعدما تعرض أطفال كانوا يطيرونها للقصف، مشيرًا إلى أن ثلاثة أطفال تعرضوا للقصف أثناء طيرانهم بطائراتهم الورقية في حادثة وقعت مؤخرًا.

لذلك، لم يعد يصنع الطائرات الورقية.

وفي نهاية يومه، يمشي رمضان عائدًا إلى الخيمة عبر الشاطئ، ثم يغتسل ويغير ملابسه ويصلي ويتناول العشاء وينام، استعدادًا ليوم آخر يبدأ مجددًا في السادسة والنصف صباحًا.

وهكذا، يرسم يوم واحد من حياة طفل في الثانية عشرة صورة لجيل فلسطيني في غزة، انتقلت فيه تفاصيل الطفولة من المدرسة واللعب والبيت إلى البحث عن الحطب والمياه، والعمل لساعات طويلة، والخوف من القصف والجوع والشتاء، بينما تبقى أحلام بسيطة مثل العودة إلى الصف، والقراءة، واللعب، وبناء منزل جديد، معلقة على نهاية حرب لم تنتهِ بعد.

Exit mobile version