Site icon Palestinealyoum

طنجرة فارغة ووجع وطن.. معلّم غزة الذي اختصر حكاية الجوع وخذلان العالم

طنجرة فارغة ووجع وطن.. معلّم غزة الذي اختصر حكاية الجوع وخذلان العالم

لم يكن الرجل المسن الذي ظهر في مقطع مصوّر وهو يقف في طابور إحدى التكايا شمال قطاع غزة، ممسكاً بطنجرة فارغة، مجرد شخص ينتظر وجبة طعام، بل كان صورة مكثفة لحكاية شعب أنهكته حرب الإبادة الإسرائيلية التي استخدمت فيها كل الأسلحة المحرمة دوليا وإنسانيا وعلى رأسها التجويع والحصار، وانتُزعت منه أبسط مقومات الحياة، حتى بات الحصول على لقمة تسد رمق أطفاله رحلة يومية من الانتظار والقهر.

إنه الحاج عبد الله أيوب، البالغ من العمر 77 عاماً، الذي أفنى عقوداً من حياته في مهنة التعليم، وخرّج أجيالاً من الطلاب، وامتدت مسيرته التعليمية إلى عدد من دول العالم، قبل أن يجد نفسه اليوم، بعد رحلة عمر حافلة بالعطاء، واقفاً في طابور طويل، يحمل إناءً فارغاً (طنجرة)، وينتظر أن تضع يدٌ فيه شيئاً من الطعام ليعود به إلى أطفاله.

في ذلك المشهد، لم يكن ثمة خطاب طويل ولا كلمات استغاثة، ولم يحتج الرجل إلى شرح ما حلّ به وبأهله؛ فملامح وجهه، ونظرات عينيه، وطريقة احتضانه للإناء، كانت أبلغ من آلاف الكلمات؛ بل بدا وكأن سنوات العمر بما حملته من تعب وكرامة وعطاء تقف أمام مغرفة طعام، في مشهد تختلط فيه مرارة الحاجة بقسوة العجز، ويصبح فيه الأب منشغلاً بتأمين وجبة لأطفاله، ولو على حساب ما تبقى من قوته.

والأشد إيلاماً أن الرجل الذي قضى سنواته معلماً للأجيال، وصانعاً للمعرفة، يجد نفسه اليوم يتعلم درساً قاسياً في زمن الحرب؛ درساً عنوانه أن الجوع لا يميز بين طفل وشيخ، ولا بين من أفنى عمره في خدمة الناس ومن أنهكته سنوات الحصار، وأن الإنسان قد ينتقل من مقعد المعلم إلى طابور انتظار الطعام، دون أن يفقد حقه في الكرامة والحياة.

وسرعان ما انتشر المقطع المصوّر على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعدما لامس وجدان آلاف المتابعين، الذين وجدوا في صورة الحاج عبد الله اختصاراً لمأساة غزة بكل تفاصيلها؛ فالرجل لم يكن وحيداً في طابور الطعام، بل كان يحمل خلفه حكاية ملايين الفلسطينيين الذين يواجهون الجوع والنزوح والفقدان، ويحاولون التمسك بما تبقى من الحياة وسط ركام الحرب.

وتوقفت تعليقات المتفاعلين عند المفارقة المؤلمة في حياة الرجل؛ فالمعلم الذي اعتاد أن يمنح المعرفة لأجيال من الطلاب، وأن يعود إلى منزله بعد يوم من العمل والعطاء، أصبح ينتظر اليوم دوره للحصول على وجبة لعائلته. وكتب أحد المتابعين أن الرجل الذي كان يعزم الناس ويستقبلهم، بات ينتظر دوره أمام التكية، في إشارة إلى التحول القاسي الذي فرضته الحرب والحصار على حياة الغزيين.

واستحضرت تعليقات أخرى ما يحمله المشهد من قهر إنساني، معتبرة أن أصعب ما في الصورة ليس الإناء الفارغ وحده، بل ما تختزنه عينا الرجل من عجز وألم، وهو ينتظر مغرفة طعام لا يعرف إن كان سيحصل عليها، بينما ينتظره أطفاله بوجبة قد تكون كل ما يتاح لهم في ذلك اليوم.

ولم تخلُ التفاعلات من الشعر الذي حاول ترجمة ما عجزت الكلمات العادية عن وصفه؛ إذ كتبت خلود العنزي أبياتاً استحضرت فيها صورة الشيخ الواقف في طابور الحاجة، متسائلة عن حاله وهو ينتظر الطعام ولا يجد من يمد إليه يد العون، فيما عبّر حساب آخر عن وجع المشهد بالقول إن جرح الشيخ غالٍ، وإن ما يعيشه أهل غزة يبكي الضمير ويترك غصة في الحناجر.

أما حساب عاصي، فاستحضر في أبيات شعرية مرارة النزوح وقسوة العيش، واصفاً المعلم الغزي بأنه مشتت الخطى ومكسور الوجدان، يحمل وعاء قوت أطفاله منتظراً أن يمتلئ، قبل أن يختصر المشهد بعبارة أعوذ بالله من قهر الرجال.

وكتب محمود البراوي، الذي قال إنه يعرف الرجل، أن الحاج عبد الله كان قبل الحرب يعود إلى أهله برزق من تعب يديه، لكنه يقف اليوم ممسكاً بقدر فارغ، ولا يدري إن كان سيتمكن من العودة إليهم بشيء من الطعام. وتساءل في رسالته عن عدد المرات التي سيُعاد فيها تصوير الوجع نفسه قبل أن يتحرك العالم لإنهاء معاناة الفلسطينيين.

وفي تفاعل آخر، تجاوزت التعليقات حدود التعاطف مع الرجل إلى استحضار المسؤولية الأخلاقية والإنسانية تجاه المحاصرين، والدعوة إلى عدم الاكتفاء بالبكاء على مشاهد الجوع، بل تحويل هذا التأثر إلى مواقف عملية تضغط من أجل كسر الحصار وإدخال المساعدات، وإنقاذ الأطفال وكبار السن والعائلات التي باتت تكافح من أجل البقاء.

وتتفاقم الأزمة الإنسانية بفعل القيود المفروضة على دخول المساعدات والمواد الأساسية إلى القطاع، والاعتماد على عدد محدود من المعابر، إلى جانب العراقيل التي تواجه عمليات إدخال الشحنات وتفريغها وتوزيعها، فضلاً عن نقص التمويل الذي يهدد بتقليص الاستجابة الإنسانية في وقت تتسع فيه الاحتياجات.

وفي أحدث تقاريره الصادرة في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى تراجع عدد الشاحنات الإنسانية التي جرى تسجيلها للدخول إلى غزة بنسبة 16% مقارنة بالأسبوع السابق، فيما كشفت بيانات القطاع الخاص عن دخول 343 شاحنة تجارية خلال الفترة من 19 إلى 25 تشرين الأول، لم تحمل سوى 129 شاحنة منها مواد غذائية.

وأمام هذه المأساة، تتجدد الدعوات إلى الأمة العربية والإسلامية والمجتمع الدولي لتحمل مسؤولياتهم تجاه قطاع غزة، وعدم السماح بتحول صور الجوع والحرمان إلى مشاهد مألوفة تمر أمام العالم دون تحرك جاد.

فالحاج عبد الله أيوب ليس مجرد رجل مسن ظهر في مقطع عابر، بل هو أب ومعلم وإنسان يمثل آلاف الآباء والأمهات الذين باتوا يقفون في طوابير الطعام، يحملون أوعية فارغة وأملاً متعباً في العودة إلى أطفالهم بما يسد جوعهم. وخلف كل إناء فارغ حكاية أسرة، وخلف كل طابور طويل أطفال ينتظرون، ومرضى يحتاجون إلى الغذاء والدواء، وكبار سن أنهكتهم سنوات الحرب والنزوح.

لقد اختصر الحاج عبد الله في صورته الموجعة مأساة غزة؛ لم يرفع لافتة، ولم يطلق صرخة، ولم يطلب سوى الطعام. لكن طنجرتَه الفارغة تحولت إلى صرخة في وجه ضمير العالم، وإلى شهادة على زمن صار فيه تأمين وجبة لأطفال فلسطين معركة يومية.

إنها ليست حكاية رجل ينتظر الطعام فحسب، بل حكاية وطن ينتظر أن تتحرك له أمة، وعالم ينتظر أن يستعيد ضميره.

Exit mobile version