Site icon Palestinealyoum

عام على هدنة غزة.. صخب حربي أقل لكن الطمأنينة لم تحضر بعد

قصف سيارة في غزة

غزة – المركز الفلسطيني للإعلام

جدار تتكئ عليه، وباب تغلقه، وأمان لعائلتها وزملائها، بهذه الأمنيات البسيطة، لخّصت هيام، منسّقة البرامج في مركز شؤون المرأة في غزة، ما تفتقده وهي تعيش داخل خيمة، وفق شهادة عرضتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة في إحاطة يوم أمس، فبعد عام على وقف إطلاق النار، ما زال وجود مكان يحمي الإنسان ويمنحه شيئا من الخصوصية مطلبا بعيد المنال.

في غزة، لم يكن انتهاء العمليات العسكرية الواسعة كافيا لينتهي الشعور بأن الخطر قد يعود في أي لحظة، استمرت الغارات وإطلاق النار، وبقي النزوح واقعا مفتوحا، فيما لم تتحول الأحياء المدمرة إلى أماكن يمكن استئناف الحياة فيها.

وبين احتمال ضربة جديدة واحتمال فقدان المأوى أو تعذّر العلاج، لم يحصل السكان على ما يجعلهم يثقون بأن الغد سيكون أكثر أمانا.

هذه هي المفارقة التي تطبع الذكرى الأولى لسريان وقف إطلاق النار، انخفضت وتيرة الحرب، لكن مقومات الطمأنينة لم تُستعد، وما يزال الفاصل بين النجاة والاستقرار واسعا، فالقدرة على البقاء حيا يوما إضافيا لا تعني امتلاك بيت آمن، أو ضمان عودة الأبناء، أو القدرة على اتخاذ قرار يتجاوز تدبير الاحتياجات العاجلة.

الخطر الذي يبقى ممكنا

لا تنشأ الطمأنينة من تراجع عدد الغارات وحده، ما دام القصف يستمر في إيقاع الشهداء والإصابات، ففي بيان نُشر أمس الجمعة، قالت أكثر من مائة منظمة إنسانية وحقوقية ومدنية إن أكثر من 1400 فلسطيني، بينهم ما لا يقل عن 327 طفلا، استشهدوا خلال عام من الغارات وإطلاق النار والعمليات العسكرية الصهيونية، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار.

وحذرت المنظمات من تحريك الجيش الصهيوني “الخط الأصفر” بشكل أكبر إلى داخل القطاع، بما يضغط السكان داخل مساحات أصغر، وبذلك، ظل الخطر مرتبطا بالمكان نفسه، فحدود المناطق التي يستطيع الناس الإقامة فيها لا تمنحهم يقينا بأن البقاء ممكن، أو بأن الانتقال الأخير سيكون نهاية النزوح.

أعلنت “يونيسف” في أغسطس استشهاد ما لا يقل عن 300 طفل خلال ثلاثمائة يوم منذ إعلان وقف إطلاق النار، وتكشف هذه الحصيلة حدود الحديث عن الأمان بعد الهدنة، فالاتفاق الذي يُفترض أن يوقف الحرب لم يمنع استمرار وصول أطفال إلى قوائم الشهداء.

وبالنسبة للأسر، يعني استمرار هذه الوقائع أن الاطمئنان إلى توقف الحرب يظل صعبا، فحين ترحل شهداء جدد خلال الهدنة، يبقى احتمال الفقد حاضرا، ويصبح الهدوء بين ضربتين أقل من أن يمنح شعورا مستقرا بالأما.

مكان للنوم لا يكفي للاستقرار

تبدأ الطمأنينة من القدرة على البقاء في مكان دون الخشية من الاضطرار إلى مغادرته مجددا، لكن قرابة مليوني شخص في غزة ما زالوا يحتاجون إلى مساعدات إيواء، وفق المنظمة الدولية للهجرة، التي حذرت في أمس من أن نصف الخيام والمآوي المؤقتة القائمة في حالة سيئة أو سيئة جدا وتحتاج إلى الاستبدال.

ومع اقتراب الشتاء، لا تغطي الإمدادات المتاحة والمقررة لدى الشركاء سوى 17% من احتياجات الإيواء الخاصة بهذا الفصل، وتتحول الخيمة، التي كان يفترض أن تكون محطة قصيرة، إلى إقامة طويلة لا تملك شروط الحماية والاستقرار.

فالخروج من دائرة الخطر لا يتحقق بمجرد العثور على مساحة للنوم، فالسكان يحتاجون إلى سقف يمكن الوثوق به، وإلى خصوصية، وإلى مكان يحتفظون فيه بأشيائهم دون الاستعداد الدائم لحملها.

 وحين يبقى السكن مؤقتًا، تتأجل معه قرارات الحياة الأخرى، العودة إلى العمل، وانتظام الأطفال في التعليم، وترتيب احتياجات الأسرة بعيدا عن الاستجابة المتلاحقة للطوارئ.

ويزيد ضيق المساحة المتاحة من صعوبة العثور على بديل، ففي تقرير 2 أكتوبر، أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” إلى استمرار القيود على الوصول إلى 65% من أراضي القطاع، فيما تكتظ المساحة المتبقية بالسكان، فحتى الانتقال من مأوى غير آمن إلى آخر أقل خطرا يصطدم بندرة الأرض المجهزة والخدمات الضرورية.

انتظار العودة بلا موعد

لا تزال إعادة الإعمار أبعد من أن تمنح معظم الأسر موعدا واقعيا للعودة، ورغم تدخلات إزالة الأنقاض واستعادة بعض الخدمات، فإن حجم الدمار يجعل استعادة الحي والبيت والحياة المحيطة به مسارا لم تتضح نهايته.

وقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في يوليو وجود أكثر من 61 مليون طن من الركام في القطاع، وأعلن مع الاتحاد الأوروبي مشروعا لإدارة الأنقاض ودعم انتشال الرفات والتعرف إلى أصحابها، بما يوضح أن أجزاء من غزة ما زالت تواجه مهمات تسبق إعادة البناء نفسها.

لهذا الانتظار أثر يتجاوز خسارة المسكن، فالبيت عنوان ثابت، وذاكرة، ومكان تُبنى حوله علاقات الجيرة والعمل والتعليم، وحين تغيب إمكانية العودة، تبقى الأسرة عاجزة عن تحديد أين ستعيش، وأين سيتعلم أطفالها، وكيف ستعيد ترتيب حياتها، فيمر الوقت، لكن المرحلة المؤقتة لا تنتهي.

حين لا يمكن الوثوق باليوم التالي

يمتد غياب الاستقرار إلى الاحتياجات التي يفترض أن يكون الحصول عليها أمرا اعتياديا، ووفق “أوتشا”، يعتمد 74% من سكان غزة على مياه الشرب المنقولة بالصهاريج، بينما تعوق القيود على المعدات وقطع الغيار ونقص التمويل استعادة خدمات المياه والصرف الصحي.

وفي مطلع أكتوبر، حذّر المكتب من تقليص الوجبات المطهية والطرود الغذائية الشهرية بسبب نقص التمويل، وهكذا، تبقى تفاصيل اليوم مرتبطة باستمرار مساعدة أو وصول إمداد، بدل أن تكون جزء من حياة يمكن توقعها والاعتماد عليها.

ولا يختلف الأمر عند المرض، ففي 24 سبتمبر المنصرم، قالت منظمة الصحة العالمية إن 19 مستشفى فقط من أصل 36 تعمل، ولو جزئيا، وإن أيا منها لا يعمل بكامل طاقته.

 وأشارت إلى تعذّر العلاج لمرضى السرطان، وعدم انتظام غسيل الكلى، ومخاطر متزايدة تواجه الأمهات والمواليد بسبب نقص الأدوية والمعدات والكوادر.

هذه الاختلالات جزء من غياب الأمان نفسه، فاطمئنان الأسرة يتصل أيضا بمعرفتها أن المريض سيجد علاجا، وأن الماء لن ينقطع، وأن الطعام سيكون متاحا، وحين تصبح هذه الضرورات غير مضمونة، لا يغادر القلق الحياة اليومية حتى في الساعات التي يصمت فيها القصف.

وبعد عام، ما تزال غزة تنتظر انتقال وقف إطلاق النار من اتفاق يضبط وتيرة العمليات إلى واقع يحمي الناس ويمنحهم استقرارا وبينهما تعيش الأسر زمنا لا تستطيع اعتباره حربا انتهت، ولا سلاما واطمئنانا بدأ.

فالطمأنينة التي ينتظرها السكان بسيطة في معناها، ثقيلة في غيابها، أن يناموا دون توقع الفقد، وأن يخرج أبناؤهم ويعودوا، وأن يصبح مكان إقامتهم بيتا، وأن يستطيعوا التفكير في الأسبوع المقبل، فعام على الهدنة، وما زال الغد في غزة احتمالا يُخشى منه، أكثر مما هو حياة يُخطَّط لها.

Exit mobile version