Site icon Palestinealyoum

عام على وقف إطلاق النار.. الإبادة مستمرة والأزمة الإنسانية تتعمق

عام على وقف إطلاق النار.. الإبادة مستمرة والأزمة الإنسانية تتعمق

المركز الفلسطيني للإعلام

بعد عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ، تكشف حصيلة جديدة للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن الهدوء النسبي الذي فرضه الاتفاق لم يضع حدًا للانتهاكات الإسرائيلية ولا للأزمة الإنسانية المتفاقمة، بل استمرت الاعتداءات بوتيرة أقل كثافة، فيما بقيت مقومات الحياة الأساسية بعيدة عن متناول قطاعات واسعة من سكان القطاع.

وفي تقرير أصدره المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بالتزامن مع مرور عام على وقف إطلاق النار، أكد أن الاتفاق خفّض وتيرة الهجمات، لكنه لم يوقف ما وصفه بأفعال تندرج ضمن الأفعال المنصوص عليها في المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.

وخلال عام من وقف إطلاق النار، وثق التقرير ارتقاء ما لا يقل عن 1445 فلسطينيًا وإصابة 5072 آخرين، فيما شملت حصيلة الشهداء حتى 3 أكتوبر/تشرين الأول 312 طفلًا و139 امرأة.

وأشار إلى أن الحصيلة لا تشمل جميع المفقودين تحت الأنقاض، ولا الوفيات الناجمة عن الحرمان من مقومات الحياة، لافتًا إلى أن حصيلة الضحايا منذ بدء الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 بلغت، وفق وزارة الصحة، 74228 شهيدًا و175188 مصابًا.

وأوضح التقرير أن أنماط القتل التي سادت خلال العمليات العسكرية استمرت خلال فترة وقف إطلاق النار، ومن بينها قصف المنازل فوق رؤوس ساكنيها، واستهداف التجمعات المدنية، وقتل النازحين داخل الخيام ومراكز الإيواء، فضلًا عن عمليات القتل قرب ما يعرف بـ”الخط الأصفر” ومناطق الوصول المقيد.

كما وثق استهداف أفراد الشرطة المدنية والقائمين على حفظ النظام، إلى جانب قتل مدنيين أثناء محاولتهم تأمين الغذاء وسبل العيش.

إصابات بلا تعافٍ

ولم تتوقف آثار الحرب عند أعداد القتلى، إذ أكد التقرير استمرار الأذى الجسدي والنفسي للسكان، مشيرًا إلى تسجيل نحو 2500 إصابة جديدة تحتاج إلى إعادة تأهيل خلال عام من وقف إطلاق النار.

وبذلك ارتفعت الحصيلة التراكمية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى نحو 43 ألف إصابة يُحتمل أن تغيّر مجرى حياة أصحابها، من بينها حالات بتر وإصابات في الحبل الشوكي والدماغ وحروق بالغة.

ويواجه كثير من المصابين ظروفًا صعبة بعد خروجهم من المستشفيات، إذ يعودون إلى خيام أو مبانٍ متضررة لا توفر بيئة مناسبة للتعافي، في ظل نقص خدمات التأهيل والأطراف الصناعية والأدوات المساعدة.

غزة لم تدخل “ما بعد الصدمة”

ويرى التقرير أن سكان قطاع غزة لم يدخلوا فعليًا مرحلة “ما بعد الصدمة”، لأن مصادر الصدمة نفسها ما زالت قائمة.

فآلاف الأسر لا تزال تنتظر معرفة مصير أبنائها المفقودين، أو انتشال جثامين من تحت الركام، أو الحصول على موافقات لسفر مرضاها، فيما تنتظر عائلات أخرى فرصة للعودة إلى منازلها أو استعادة مصدر دخلها.

وأشار التقرير إلى تقييم نشر في أبريل/نيسان 2026، أظهر علامات متوسطة أو شديدة من القلق والخوف وفقدان الأمل بالمستقبل لدى أكثر من 60% من الشباب.

كما تستمر اضطرابات النوم والخوف والانسحاب الاجتماعي بين الأطفال، بالتزامن مع استنزاف العاملين الصحيين الذين يقدمون العلاج للآخرين، بينما يواجهون هم أيضًا الفقد والنزوح.

60 ألف طفل فقدوا أحد والديهم

وتكشف أرقام التقرير حجم الكارثة التي لحقت بالبنية الأسرية في غزة، مع وجود قرابة 60 ألف طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما، وأكثر من 26 ألف أرملة.

ويترك فقدان المعيل النساء الناجيات أمام أعباء إضافية تتعلق بالرعاية وتأمين الاحتياجات الأساسية، في ظل غياب الدخل والسكن والخدمات، بينما يفقد الأطفال مصادر الحماية والاستقرار التي يحتاجون إليها.

وبحسب التقرير، فإن استمرار هذه الظروف طوال عام وقف إطلاق النار أبقى الحزن والخوف والعجز جزءًا من الحياة اليومية، وقوّض قدرة السكان على تصور مستقبل يمكنهم فيه استعادة حياتهم.

العلاج والسكن والغذاء.. مقومات حياة مقيدة

وفي الجانب الصحي، أظهر التقرير أن القيود الإسرائيلية أبقت العلاج والسكن والغذاء وسائر مقومات البقاء خارج متناول قطاعات واسعة من السكان.

وأشار إلى نفاد نحو 47% من الأدوية الأساسية، فيما تجاوز عدد المرضى والجرحى الذين يحتاجون إلى العلاج خارج القطاع 20 ألفًا.

وخلال سنوات الحرب، توفي 1628 مريضًا أثناء انتظار الإجلاء، فيما بقي مرضى السرطان والكلى والقلب والسكري أمام علاج متقطع يعتمد على توافر الدواء والوقود والمستهلكات، إلى جانب الموافقات الإسرائيلية على سفر المرضى.

أما على صعيد السكن، فقد احتاج نحو 94% من سكان القطاع إلى مساعدات المأوى والمواد غير الغذائية في يونيو/حزيران 2026.

وفي الوقت ذاته، بقي نحو ثلثي مساحة قطاع غزة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، ما حصر غالبية السكان في رقعة جغرافية محدودة، حيث يعيش مئات الآلاف في خيام متهالكة أو مبانٍ متضررة ومتصدعة، وسط مخاطر تهدد سلامتهم.

المساعدات.. فجوة بين الاتفاق والواقع

ويقدم التقرير قراءة لحركة الشاحنات الداخلة إلى القطاع خلال الفترة بين 13 أكتوبر/تشرين الأول 2025 و16 أغسطس/آب 2026، أظهرت أن المتوسط اليومي لم يتجاوز نحو 211 شاحنة، مقابل معدل معلن يبلغ 600 شاحنة ضمن ترتيبات الاتفاق.

كما انخفض المتوسط اليومي لشاحنات المساعدات بنحو 41% عند مقارنة بداية الفترة المرصودة بنهايتها، بالتزامن مع ارتفاع ملحوظ في شاحنات القطاع الخاص.

وبقيت الأسر معتمدة بدرجة كبيرة على المساعدات والمطابخ المجتمعية، في وقت ظل فيه إدخال الوقود والمواد الخام ومعدات الطاقة والإصلاح مقيدًا، الأمر الذي حال دون استعادة القدرة المحلية على إنتاج الغذاء وتوفير فرص العمل.

اقتصاد منهك وبطالة مرتفعة

ولم يكن الاقتصاد بمنأى عن آثار الحرب، إذ أظهر التقرير انكماش اقتصاد قطاع غزة بنحو 5% في الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالربع السابق، بعدما بلغ معدل البطالة نحو 78% خلال عام 2025.

وبقيت المصانع والورش والمزارع ومراكب الصيد عاجزة عن استعادة نشاطها بسبب الدمار وقيود الوصول ونقص المعدات ومدخلات الإنتاج.

وبالتالي، فإن توفر بعض السلع في الأسواق لم يكن كافيًا لإخراج الأسر من أزمتها، إذ إن فقدان الدخل دفع عائلات إلى تقليل الوجبات والاستدانة وبيع ما تبقى من ممتلكاتها، بل وتأجيل العلاج لتغطية الاحتياجات اليومية.

المياه والصرف الصحي والتعليم.. أزمات بلا نهاية

وامتدت القيود إلى شبكات المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات وإزالة الركام، ما أبقى السكان بالقرب من مصادر التلوث والمرض ومخلفات الحرب، في ظل تعذر إصلاح الخدمات وتشغيلها بصورة منتظمة.

وفي التعليم، حُرم أطفال غزة من التعليم النظامي للعام الدراسي الرابع على التوالي، بعدما دمرت أعداد كبيرة من المدارس أو تحولت إلى مراكز إيواء.

وانتقلت العملية التعليمية إلى مساحات مؤقتة تفتقر إلى مقومات التعليم الآمن والملائم، في وقت تتداخل فيه أزمة التعليم مع الجوع والنزوح والإصابات وفقدان مصادر الدخل، بما يزيد مخاطر التسرب من المدارس والانخراط في سوق العمل، ومن بينها عمالة الأطفال.

كما تتضاعف الصعوبات أمام الأطفال ذوي الإعاقة، في ظل محدودية وصولهم إلى التعليم وخدمات التأهيل والدعم اللازمة.

دعوة للتحرك الدولي

وفي ختام تقريره، دعا المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان المجتمع الدولي إلى التحرك لوقف أفعال الإبادة وحماية سكان قطاع غزة، مطالبًا الدول الأطراف في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية بوقف تزويد إسرائيل بالأسلحة والذخائر، وتعليق أي تعاون يمكن أن يسهم في استمرار الجرائم، وضمان الامتثال للتدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية.

كما طالب برفع الحصار وفتح المعابر، وتأمين احتياجات السكان، وتسهيل إجلاء المرضى والجرحى، وإدخال المواد والمعدات اللازمة لإصلاح المساكن والمرافق واستعادة الخدمات وسبل العيش.

وشدد كذلك على ضرورة وقف خطط التهجير وانسحاب القوات الإسرائيلية بما يسمح للنازحين بالعودة الطوعية والآمنة والكريمة إلى مناطقهم، إلى جانب دعم ملاحقة المسؤولين عن الجرائم أمام المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية المختصة، وضمان إنصاف الضحايا الفلسطينيين.

عام على الهدنة.. لا نهاية للأزمة

وبحسب ما يوثقه التقرير، فإن مرور عام على وقف إطلاق النار لم يتحول إلى بداية حقيقية لمرحلة التعافي في قطاع غزة؛ فالقتل استمر، والإصابات تراكمت، والمرضى ظلوا ينتظرون العلاج، ومئات الآلاف بقوا بلا مساكن آمنة، فيما واصلت القيود التأثير في الغذاء والمياه والصحة والتعليم والعمل.

وتكشف الحصيلة أن وقف إطلاق النار، رغم خفضه مستوى العمليات العسكرية، لم ينهِ الظروف التي جعلت الحياة اليومية في غزة رهينة للأزمة الإنسانية، ولم يفتح الطريق أمام تعافٍ حقيقي أو عودة مستقرة إلى الحياة الطبيعية.

Exit mobile version