Site icon Palestinealyoum

عام على وقف إطلاق النار بغزة.. القتل مستمر والإعمار رهينة التعثر السياسي

قصف غزة

خاص المركز الفلسطيني للإعلام

مرّ عام على اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي رعته الولايات المتحدة الأمريكية، وسط فجوة واسعة بين الوعود التي رافقت الاتفاق والواقع الذي يعيشه الفلسطينيون على الأرض؛ فبدلًا من أن يشكل وقف الحرب بداية لعودة الحياة وإعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية، لا يزال القطاع يواجه القتل والنزوح وأزمة السكن، فيما تتعثر الملفات السياسية والأمنية التي كان يفترض أن تفتح الطريق أمام مرحلة جديدة.

وفي تقرير نشرته وكالة «أسوشيتد برس» الأمريكية في 10 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بعنوان «اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة كان يفترض أن ينهي الحرب في غزة.. وبعد عام، تعثر التقدم»، سلطت الوكالة الضوء على تعثر تنفيذ بنود الاتفاق، واستمرار الخلافات بشأن مستقبل القطاع، في وقت لم يتمكن فيه الفلسطينيون من استعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة بعد ثلاث سنوات من الحرب الإسرائيلية المدمرة.

وبحسب التقرير، لم يؤدِّ الاتفاق إلى إنهاء المعاناة الإنسانية، إذ استمرت الهجمات الإسرائيلية وسقوط الضحايا، بينما بقيت مساحات واسعة من القطاع تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، وتواصلت أزمة النزوح في ظل الدمار الواسع الذي أصاب المنازل والبنية التحتية والمرافق المدنية.

وقف إطلاق النار لم ينهِ القتل

رغم مرور عام على دخول الاتفاق حيز التنفيذ، لا يزال الفلسطينيون يواجهون مخاطر القصف والاستهداف، في وقت لم تتوقف فيه الخروقات الإسرائيلية بصورة كاملة، ولم تتحول الهدنة إلى حالة مستقرة تضمن حماية المدنيين وعودة الحياة الطبيعية.

وأشار التقرير الأمريكي إلى مقتل أكثر من 1400 فلسطيني منذ بدء وقف إطلاق النار، وفق السلطات الصحية في قطاع غزة، في حصيلة تعكس استمرار الخسائر البشرية رغم الاتفاق الذي كان يفترض أن يضع حدًا للحرب.

وتبقى هذه الأرقام جزءًا من حصيلة أوسع خلفتها الحرب الإسرائيلية التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأوقعت عشرات آلاف الشهداء والجرحى، فضلًا عن تدمير واسع النطاق للمنازل والمنشآت المدنية، وتهجير غالبية سكان القطاع من مناطقهم.

ولم يقتصر أثر استمرار الهجمات على الخسائر البشرية المباشرة، بل امتد إلى تعميق حالة انعدام الأمن لدى السكان، الذين لا يزالون يواجهون صعوبة في العودة إلى منازلهم أو استعادة حياتهم، وسط مخاوف من تجدد التصعيد واتساع رقعة الاستهداف.

ويكشف استمرار سقوط الضحايا عن هشاشة الترتيبات القائمة، في ظل غياب آليات فاعلة تضمن وقف الهجمات بصورة دائمة، وتمنع تكرار العمليات العسكرية التي دفعت القطاع إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه الحديث.

غزة بين الركام والخيام

على الأرض، لا تزال آثار الدمار الإسرائيلي تهيمن على المشهد العام في قطاع غزة، حيث دُمرت أحياء سكنية كاملة، وتضررت شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، فيما باتت آلاف العائلات تعيش في خيام ومراكز إيواء تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات السكن الآمن.

ورغم أن وقف إطلاق النار كان يفترض أن يتيح انتقالًا سريعًا إلى مرحلة التعافي، فإن حجم الدمار، واستمرار القيود على إدخال مواد البناء والمعدات اللازمة لإزالة الأنقاض، حالا دون إطلاق عملية إعمار واسعة تتناسب مع احتياجات السكان.

ويواجه النازحون ظروفًا قاسية في أماكن إقامتهم المؤقتة، خصوصًا مع تدهور الخدمات الأساسية وصعوبة توفير المأوى الملائم، في وقت لا تستطيع فيه أعداد كبيرة من العائلات العودة إلى مناطقها بسبب تدمير المنازل أو وقوعها في مناطق تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.

ولا تعني عودة بعض مظاهر الحركة التجارية أو دخول كميات من السلع انتهاء الأزمة، إذ يحتاج التعافي إلى إعادة بناء المساكن والمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والصرف الصحي، فضلًا عن توفير فرص العمل واستعادة مصادر الدخل التي فقدتها الأسر خلال الحرب.

وبذلك، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام واقع يختلف عن الوعود التي رافقت اتفاق وقف إطلاق النار؛ فالحرب قد تكون تراجعت في بعض مظاهرها، لكن آثارها لا تزال حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، من السكن والغذاء إلى العلاج والتعليم والتنقل.

خطة ترامب تصطدم بالخلافات

وتواجه خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غزة تعثرًا في عدد من الملفات الأساسية، رغم أنها طُرحت باعتبارها إطارًا لإنهاء الحرب والانتقال إلى ترتيبات سياسية وأمنية جديدة.

وبحسب التقرير، لا تزال قضايا الانسحاب الإسرائيلي، وتشكيل إدارة فلسطينية للقطاع، ونشر قوة استقرار دولية، وإعادة الإعمار، تواجه عقبات وخلافات تحول دون إحراز تقدم ملموس.

وتشكل هذه الملفات حلقات مترابطة؛ إذ يتوقف إطلاق عملية إعمار واسعة على توافر ضمانات أمنية وسياسية تسمح بوصول المواد والمعدات، بينما ترتبط ترتيبات الإدارة الجديدة بمسائل السيادة الفلسطينية والمرجعية السياسية والأمنية التي ستتولى إدارة القطاع.

كما أن استمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية على مناطق واسعة يثير تساؤلات بشأن قدرة السكان على العودة إلى مناطقهم، وحدود الصلاحيات التي ستتمتع بها أي إدارة فلسطينية مقبلة، فضلًا عن مستقبل العلاقة بين هذه الإدارة والقوى السياسية الفلسطينية القائمة.

وفي المقابل، لا تزال الخلافات بشأن سلاح حركة حماس ومستقبل دورها السياسي والعسكري من أبرز نقاط التعثر، إلى جانب الموقف الإسرائيلي من الانسحاب الكامل من القطاع والضمانات الأمنية التي تطالب بها تل أبيب.

وتعكس هذه الخلافات صعوبة الانتقال من اتفاق يركز على وقف العمليات العسكرية إلى تسوية تحدد مستقبل غزة، وتضمن حقوق سكانها في الأمن والحرية وإعادة بناء مؤسساتهم ومنازلهم.

الانسحاب وإعادة الإعمار.. عقدتان أساسيتان

يمثل الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة أحد أبرز الملفات التي تحدد فرص الانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارًا، في ظل استمرار وجود القوات الإسرائيلية في مناطق واسعة من القطاع.

ويؤثر هذا الواقع مباشرة في حياة السكان، إذ يحد من قدرتهم على العودة إلى بعض المناطق، ويزيد تعقيد جهود إيصال المساعدات وإزالة الأنقاض وإعادة تأهيل البنية التحتية.

كما يثير استمرار السيطرة العسكرية مخاوف من تحول خطوط الانتشار القائمة إلى واقع طويل الأمد، بما يفرض قيودًا جغرافية على حركة الفلسطينيين ويؤثر في إمكانية إعادة توحيد المناطق السكنية والاقتصادية داخل القطاع.

أما إعادة الإعمار، فلا تزال تصطدم بحجم الدمار الهائل ونقص المواد والمعدات، فضلًا عن غياب ترتيبات مستقرة تضمن تمويل المشروعات وتنفيذها وحماية المنشآت التي ستُعاد إقامتها من التعرض للتدمير مجددًا.

وتحتاج غزة إلى خطة شاملة لا تقتصر على توفير الخيام والمساعدات العاجلة، بل تشمل إعادة بناء المساكن والمرافق الصحية والتعليمية وشبكات الخدمات، واستعادة النشاط الاقتصادي، ومعالجة الآثار الاجتماعية والنفسية التي خلفتها الحرب.

ومن دون تقدم حقيقي في هذه الملفات، ستبقى إعادة الإعمار مؤجلة، وسيظل ملايين الفلسطينيين، وفق تقديرات السكان المتأثرين بالنزوح والدمار، أمام مستقبل غير واضح المعالم.

عام من الانتظار الفلسطيني

بالنسبة إلى الفلسطينيين في غزة، لا يقاس العام الذي أعقب وقف إطلاق النار بمجرد مرور الوقت، بل بما لم يتحقق خلاله من عودة إلى المنازل، واستعادة للخدمات، وفتح لآفاق التعافي وإعادة البناء.

فالعائلات التي فقدت منازلها لا تزال تنتظر حلولًا تتيح لها السكن في ظروف تحفظ الكرامة الإنسانية، والجرحى والمرضى يحتاجون إلى خدمات صحية منتظمة، والأطفال الذين حُرموا من التعليم خلال الحرب يحتاجون إلى بيئة آمنة تتيح لهم استئناف دراستهم.

كما أن استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية يضع الأسر أمام أعباء إضافية، في ظل فقدان مصادر الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة والاعتماد على المساعدات الإنسانية.

ولا يمكن فصل هذه المعاناة عن تعثر المسار السياسي؛ فكلما تأخر حسم قضايا الانسحاب والإدارة وإعادة الإعمار، طال أمد الأزمة الإنسانية، وتراجعت فرص استعادة الحياة الطبيعية في القطاع.

وفي ظل هذه الظروف، لا يزال الفلسطينيون ينتظرون انتقال الاتفاق من إطار سياسي معلن إلى خطوات عملية تضمن وقف الهجمات، ورفع القيود التي تعرقل التعافي، وتوفير مقومات الحياة الأساسية، وبدء إعادة إعمار حقيقية تستجيب لحجم الكارثة.

اتفاق بلا أفق واضح

تكشف حصيلة العام الأول أن وقف إطلاق النار، على أهميته في الحد من العمليات العسكرية الكبرى، لم يكن كافيًا وحده لإنهاء معاناة قطاع غزة، في ظل استمرار سقوط الضحايا وتعثر الانسحاب والإعمار والخلافات بشأن مستقبل الحكم.

ويضع ذلك الأطراف الراعية للاتفاق، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، أمام اختبار يتعلق بقدرتها على تحويل التعهدات السياسية إلى التزامات قابلة للتنفيذ، وضمان ألا تتحول الهدنة إلى مرحلة طويلة من الانتظار، يعيش خلالها الفلسطينيون بين آثار الحرب ومخاطر تجددها.

فإنهاء الحرب لا يكتمل بمجرد خفض وتيرة القصف، بل يتطلب وقفًا مستدامًا للهجمات، وانسحابًا يتيح للسكان استعادة مناطقهم، وفتح الطريق أمام المساعدات وإعادة الإعمار، إلى جانب معالجة مستقبل الإدارة الفلسطينية على نحو يضمن حقوق السكان ومشاركتهم في تقرير مصيرهم.

وبعد عام على الاتفاق، لا تزال غزة تواجه السؤال الأصعب: متى يتحول وقف إطلاق النار إلى نهاية فعلية للحرب، وبداية لإعادة بناء ما دمرته؟.

Exit mobile version