Site icon Palestinealyoum

عمارة السعادة.. حين يصبح المأوى قبرًا آخر بغزة ووصمة عار على جبين الإنسانية

عمارة السعادة.. حين يصبح المأوى قبرًا آخر بغزة ووصمة عار على جبين الإنسانية

«مات الضمير الإنساني قبل الوطني».. بهذه الكلمات علّق رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، رامي عبده، على فاجعة انهيار عمارة السعادة في مدينة غزة، في مشهد يختصر مأساة قطاع كامل لم يعد فيه المدنيون يواجهون خطر القصف وحده، بل باتوا مهددين أيضًا بانهيار البيوت التي لجؤوا إليها بحثًا عن مأوى.

فجر الأربعاء، انهارت العمارة المؤلفة من ستة طوابق في منطقة الصناعة غربي مدينة غزة، فوق عائلات نازحة احتمت بها، بعدما كانت قد تضررت وتصدعت جراء قصف خلال حرب الإبادة الإجرامية التي شنّها الاحتلال على غزة وما زال مستمرًا فيها، وسقط معها ضحايا وجرحى، فيما بقي آخرون تحت الركام، وأفادت أحدث الحصائل باستشهاد 21 فلسطينيًا، بينهم أطفال، وإصابة 14 آخرين، وسط استمرار عمليات البحث والإنقاذ.

لم تكن عمارة السعادة مكانًا آمنًا حين دخلتها العائلات النازحة، لكنها كانت بالنسبة إلى من فقدوا بيوتهم خيارًا اضطراريًا في ظل انعدام البدائل؛ مبنى متضرر من الحرب أصبح مأوى لأسر تبحث عن سقف يحميها، قبل أن يتحول في لحظات إلى ركام يدفن من احتموا به.

وانهارت العمارة فوق ساكنيها وخيام نازحين كانت مقامة بجوارها، بينما هرعت طواقم الدفاع المدني والمتطوعون إلى المكان بحثًا عن ناجين وعالقين؛ لكن مهمة الإنقاذ اصطدمت بنقص حاد في المعدات والآليات الثقيلة، لتتحول أيدي المنقذين إلى أدواتهم الأولى في سباق مع الوقت.

وحذّر المنسق الإنساني للأراضي الفلسطينية المحتلة، رامز الأكبروف، من المخاطر التي تهدد مئات العائلات المقيمة في مبانٍ متضررة وغير آمنة، مؤكدًا أن أحدًا لا ينبغي أن يضطر إلى المخاطرة بحياته لمجرد العثور على مكان يؤويه.

وتكشف عمارة السعادة جانبًا من خطر أوسع؛ إذ تشير تقديرات الدفاع المدني إلى وجود نحو ألفي مبنى متداعٍ وآيل للسقوط في قطاع غزة، يقيم فيها عدد كبير من السكان والنازحين، ما يجعل حياة آلاف الأسر معلقة تحت أسقف متصدعة.

يقول ناشطون إن مأساة العمارة لا يمكن فصلها عن واقع النازحين الذين أجبروا على الاختيار بين مبانٍ متضررة لا تضمن سلامتهم، وخيام لا توفر الحماية الكافية، أو العراء.

وكتب الناشط الفلسطيني خالد صافي أن سكان غزة استيقظوا على فاجعة سقوط ستة طوابق فوق نازحين، فيما لا تتوافر المعدات اللازمة لإنقاذ المحاصرين تحت الركام.

أما الإعلامي أحمد أبو سلمية، فوصف المفارقة المؤلمة في اسم العمارة، قائلًا إن «السعادة» تحولت إلى مأساة جديدة، بعدما لجأت إليها عائلات نازحة كانت تعرف أنها غير آمنة، لكنها لم تجد مكانًا آخر سوى الخيمة أو العراء.

ومع اقتراب موسم الأمطار، تتزايد المخاوف من انهيارات جديدة في مبانٍ أضعفتها الحرب، خصوصًا أن آلاف العائلات لا تزال تفتقر إلى مساكن آمنة، فيما تحذر الجهات الإنسانية من أن الأمطار والرياح قد تزيد هشاشة الأبنية المتضررة، فيما يظل توفير المأوى البديل والإخلاء الآمن تحديًا كبيرًا.

وطالب الدفاع المدني والجهات الفلسطينية بإدخال المعدات الثقيلة ووسائل الإنقاذ والوقود، بما يتيح الوصول إلى العالقين تحت الأنقاض والتعامل مع الأبنية المهددة بالسقوط، في وقت دعت فيه جهات فلسطينية إلى تدخل دولي عاجل لتوفير الاحتياجات اللازمة للإنقاذ والإيواء.

واعتبرت فصائل فلسطينية أن انهيار عمارة السعادة يمثل امتدادًا للتداعيات الإنسانية للحرب، محذرة من أن بقاء المباني المتضررة مأهولة في ظل غياب أماكن الإيواء الآمنة ينذر بمزيد من الكوارث.

وفي المقابل، حمّلت حركة حماس الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية عن انهيار العمارة، معتبرة أن تدمير المنازل خلال الحرب دفع السكان إلى اللجوء إلى مبانٍ متضررة وآيلة للسقوط، وطالبت بإدخال معدات رفع الأنقاض والإنقاذ بصورة عاجلة.

أما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فاعتبرت انهيار العمارة «جريمة» وحذرت من استمرار الخطر الذي يتهدد المدنيين داخل المباني المتضررة، مطالبة بإدخال معدات الإنقاذ ومواد الترميم ووسائل الإيواء، ولا سيما مع اقتراب فصل الشتاء.

وفي غزة، لا تتوقف المأساة عند عدد الضحايا الذين أُخرجوا من تحت الركام؛ فكل مبنى متصدع قد يخفي مأساة أخرى، وكل أسرة تقيم داخله تعيش على موعد مجهول مع الانهيار. وبينما كان رامي عبده يتساءل عن غياب التحرك الإنساني أمام هذه الفاجعة، بقيت عمارة السعادة شاهدة على واقع أشد قسوة: عائلات فقدت بيوتها بسبب الحرب، ثم وجدت نفسها مضطرة إلى الاحتماء ببيوت قد تقتلها هي الأخرى.

وهكذا لم تعد مأساة غزة تقتصر على منازل دمرها القصف، بل امتدت إلى تلك التي بقيت واقفة، لكنها لم تعد صالحة للحياة؛ مبانٍ تنتظر الترميم، وأسر تنتظر مأوى، وشتاء يقترب، وركام يخفي تحته قصصًا لم تنتهِ بعد.

Exit mobile version