Site icon Palestinealyoum

غزة بعد ثلاث سنوات.. مدينة تحاول أن تستعيد الحياة من تحت الركام

غزة بعد ثلاث سنوات.. مدينة تحاول أن تستعيد الحياة من تحت الركام

خاص المركز الفلسطيني للإعلام

بعد ثلاث سنوات من الحرب، لا تبدو غزة مدينة خرجت من الحرب بقدر ما تبدو مدينة تحاول أن تتعلم كيف تعيش فوق أنقاضها.

فالبيوت التي كانت تؤوي العائلات تحولت إلى هياكل مهدمة أو مبانٍ آيلة للسقوط، والمدارس التي كانت تستقبل الأطفال صارت في معظمها خارج الخدمة، والمستشفيات تعمل بقدرات محدودة، وشبكات المياه والصرف الصحي تكافح للبقاء، فيما ما تزال أكوام الركام تغلق الطرق وتخفي تحتها أخطارًا وأجسادًا لم تُنتشل بعد.

وبحسب أحدث تقييم بالأقمار الصناعية، تضرر نحو 201 ألف مبنى في قطاع غزة، أي ما يقارب 82% من إجمالي المباني، بينها أكثر من 134 ألف مبنى دُمر بالكامل، بينما تجاوز عدد الوحدات السكنية المتضررة 328 ألف وحدة.

ولا تتوقف الخسارة عند الجدران؛ فالحرب أصابت البنية التي تقوم عليها الحياة اليومية نفسها، من التعليم والصحة والمياه إلى الاقتصاد والزراعة وفرص العمل.

مدينة بلا بيوت كافية

أولى علامات الكارثة تظهر في السكن، فمعظم سكان القطاع فقدوا منازلهم أو اضطروا إلى النزوح منها خلال سنوات الحرب، فيما يعيش آلاف آخرون في مبانٍ متضررة لا توفر الحد الأدنى من الأمان.

وفي أحدث تقديرات الأمم المتحدة، يعيش أكثر من 13% من سكان غزة في مواقع نزوح معرضة للفيضانات أو داخل مبانٍ غير آمنة؛ إذ يوجد نحو 279 ألف شخص في 400 موقع معرض للفيضانات، بينما لا يزال أكثر من 2,300 مبنى غير آمن مأهولًا بنحو 44 ألف شخص.

ومع اقتراب الشتاء، تصبح المسألة أكثر من مجرد نقص في المساكن؛ إنها معركة مع المطر والبرد والمياه الراكدة وانهيار الأبنية التي أنهكتها القصف.

وفي 16 سبتمبر/أيلول الماضي، انهار مبنى سكني متضرر في مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاد 21 شخصًا، بينهم 12 طفلًا، وفق OCHA، في حادثة كشفت مجددًا حجم الخطر الذي يواجهه السكان الذين لا يملكون بديلًا آمنًا.

الركام.. مدينة أخرى فوق المدينة

خلف كل شارع في غزة تقريبًا قصة من الركام، وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى وجود نحو 60 مليون طن من الأنقاض، وهو حجم هائل لا يمثل مجرد مشكلة بيئية، بل عقبة مباشرة أمام عودة السكان وإعادة بناء المدارس والمستشفيات والمنازل وفتح الطرق.

فالركام يحتاج أولًا إلى رفع وفرز، ثم فحص للمخاطر والذخائر غير المنفجرة، قبل أن يصبح بالإمكان البدء بإعادة بناء المناطق المتضررة.

وتزداد المأساة تعقيدًا مع بقاء جثامين ومفقودين تحت الأنقاض. وبحسب وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية، نقلًا عن بيانات أوتشا والدفاع المدني، جرى انتشال أكثر من 630 جثمانًا ورفاتًا من تحت المباني المدمرة بين نوفمبر/تشرين الثاني 2025 وسبتمبر/أيلول 2026، فيما يقدّر عدد المفقودين تحت الركام بأكثر من 8 آلاف شخص.

وهكذا لا يمثل الركام ماضي الحرب فقط؛ بل يظل جزءًا من حاضر غزة، وعقبة أمام مستقبلها.

المياه.. الحياة التي لم تعد تصل بسهولة

حتى أبسط مقومات الحياة اليومية أصبحت تحتاج إلى جهد استثنائي، فبحسب اليونيسف، تضرر أو دُمر نحو 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، فيما يفتقر 82% من الأسر إلى أمن مائي كافٍ، ولا يستطيع نحو 70% الوصول إلى ستة لترات من المياه للفرد يوميًا، وهو مستوى يقل كثيرًا عن الحد الأدنى في حالات الطوارئ.

وفي أحدث تقرير للأمم المتحدة، تعتمد 74% من سكان غزة حاليًا على المياه المنقولة بالشاحنات، بينما انخفض إنتاج محطتي تحلية المياه في جنوب القطاع إلى مستويات مقلقة بسبب نقص قطع الغيار والمعدات، ما يهدد إمدادات المياه لنحو نصف مليون شخص في دير البلح وخانيونس.

وفي الخلفية، تتواصل أزمة الصرف الصحي والنفايات، مع تعطل المركبات والمعدات بسبب نقص الوقود والزيوت وقطع الغيار، حتى بات جمع النفايات في بعض المناطق يعتمد على عربات تجرها الحمير وشاحنات الأمم المتحدة.

مستشفيات تعمل بقدرات محدودة

ولم يخرج القطاع الصحي من الحرب بأقل الخسائر، التقييم المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي أظهر أن أكثر من نصف مستشفيات غزة أصبحت غير عاملة، فيما تعرض القطاع الصحي لضربة عميقة جعلت استعادة الخدمات الطبية واحدة من أكبر تحديات التعافي.

وتكشف التقارير الإنسانية الحديثة أن نقص الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود وقطع الغيار لا يزال يعرقل تقديم الخدمات، فيما تتفاقم المخاطر الصحية بسبب الاكتظاظ وتدهور المياه والصرف الصحي.

وفي صيف 2026، سجلت الجهات الصحية أكثر من 9 آلاف حالة جدري مائي خلال أسبوعين فقط في أكثر من 130 مرفقًا صحيًا، وربطت الجهات الإنسانية ارتفاع الحالات بالازدحام وتدهور البيئة ونقص خدمات النظافة والصرف الصحي.

وهكذا لا تتوقف معركة الصحة عند علاج الجرحى؛ فغزة تواجه أيضًا معركة استعادة منظومة صحية قادرة على الوقاية والعلاج والرعاية اليومية.

مدرسة من خيمة

ربما تكون قصة التعليم من أكثر القصص دلالة على محاولة غزة استعادة حياتها.

فاليونيسف قدرت في أبريل/نيسان 2026 أن نحو 700 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 4 و17 عامًا حُرموا من التعليم الحضوري الرسمي لما يقارب ثلاثة أعوام، وأن نحو 98% من مباني المدارس تضررت، فيما يحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة تأهيل كبيرة أو إعادة بناء كاملة.

لكن العام الدراسي الجديد حمل مشهدًا مختلفًا؛ إذ عاد مئات آلاف الأطفال إلى التعلم الحضوري للمرة الأولى منذ سنوات، عبر مدارس مؤقتة ومساحات تعليمية أُقيم بعضها في الخيام، رغم استمرار الدمار ونقص المستلزمات التعليمية.

وهنا تظهر مفارقة غزة الجديدة: طفل يحمل حقيبته إلى مدرسة مؤقتة، بينما الطريق إليها تحاصره الأبنية المهدمة والركام.

وبهذا وبكل تأكيد انها اضحت محاولة لاستعادة واحدة من أكثر مظاهر الحياة الطبيعية بساطة: أن يذهب الطفل إلى المدرسة.

اقتصاد يحاول الوقوف

لم ينج الاقتصاد الغزي من الحرب، ووفق أحدث تقرير للأونكتاد، تضرر أو دُمر نحو 92% من المنشآت الاقتصادية في غزة، فيما بلغ معدل البطالة نحو 78%، وانخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى نحو 212 دولارًا في عام 2025، أي إلى نحو 17% من مستواه في 2022.

ورغم حدوث انتعاش إحصائي في الناتج المحلي خلال 2025، فإن ذلك جاء من قاعدة اقتصادية شديدة الانكماش، ولا يعني عودة الاقتصاد إلى وضعه السابق.

فالمدينة التي فقدت المصانع والمتاجر والمزارع وورش العمل تحتاج إلى أكثر من إعادة بناء الجدران؛ إنها تحتاج إلى إعادة بناء قدرتها على الإنتاج وكسب الدخل.

ولهذا فإن إعادة الإعمار، إذا اقتصرت على المنازل والبنية التحتية، لن تكون كافية. المطلوب إعادة تشغيل الاقتصاد نفسه.

إعادة الإعمار.. رقم ضخم وطريق طويل

وقدرت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة بنحو 71.4 مليار دولار خلال عشر سنوات، بينها 26.3 مليار دولار مطلوبة خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى لاستعادة الخدمات الأساسية وإعادة بناء البنية التحتية ودعم التعافي الاقتصادي.

وتقدر الأضرار المادية المباشرة بنحو 35.2 مليار دولار، بينما تبلغ الخسائر الاقتصادية والاجتماعية نحو 22.7 مليار دولار.

لكن الأموال ليست العقبة الوحيدة، فإعادة الإعمار تحتاج إلى إزالة الركام، والتعامل مع الذخائر غير المنفجرة، وتأمين دخول المعدات وقطع الغيار ومواد البناء، واستعادة الكهرباء والمياه والصرف الصحي، وتهيئة ظروف تسمح للناس بالعودة إلى مناطقهم والعمل فيها.

ولهذا خلص تقرير أممي في سبتمبر/أيلول إلى أن الانتقال من الإغاثة الطارئة إلى التعافي المبكر وإعادة الإعمار يحتاج إلى استعادة الخدمات الأساسية، وفتح المجال أمام إدخال مواد الإغاثة والتجارة وإعادة الإعمار بصورة منتظمة، وتوفير تمويل متعدد السنوات.

غزة لا تعود إلى ما قبل الحرب

بعد ثلاث سنوات، تبدو المسألة أكبر من إعادة بناء ما تهدم، فغزة تحتاج إلى إعادة بناء الحياة نفسها: البيت، والمدرسة، والمستشفى، والشارع، والماء، والعمل، والزراعة، والأسواق، والجامعة، والميناء، والبلديات، وشبكات الصرف الصحي، وكل التفاصيل التي تجعل المكان مدينة لا مجرد مساحة للسكن.

والتحدي الأكبر أن إعادة البناء لا تبدأ من الصفر؛ بل تبدأ من تحت عشرات ملايين الأطنان من الركام.

ومع ذلك، فإن عودة الأطفال إلى المدارس، وعودة الأسواق ولو بصورة محدودة، وإصلاح شبكات المياه، وترميم بعض المرافق، ومحاولات الناس إعادة فتح مصادر رزقهم، كلها تقول إن المجتمع الغزي لا ينتظر اكتمال إعادة الإعمار كي يبدأ استعادة حياته.

Exit mobile version