Site icon Palestinealyoum

غزة بلا دخل.. اقتصاد البقاء حين تنفد المدخرات وتتراكم الديون

غزة بلا دخل.. اقتصاد البقاء حين تنفد المدخرات وتتراكم الديون

المركز الفلسطيني للإعلام/ خاص

لم تعد الأزمة الاقتصادية في قطاع غزة مجرد انعكاس لارتفاع الأسعار أو نقص السلع في الأسواق، بل تحولت إلى أزمة تمس قدرة العائلات على الاستمرار في الحياة، بعدما أصاب الدمار مصادر الإنتاج، وفقد آلاف العاملين وظائفهم، وتراجعت قدرة المنشآت الاقتصادية على استئناف نشاطها، فيما باتت المساعدات النقدية والغذائية تشكل ركيزة أساسية لبقاء قطاعات واسعة من الأسر المتضررة.

في هذا الواقع، لا يكفي أن يجد المواطن سلعة معروضة في السوق حتى يستطيع شراءها، ولا يعني انخفاض سعر بعض المواد الغذائية أن الأسرة أصبحت قادرة على توفير احتياجاتها.

فالمشكلة الأعمق تتمثل في الفجوة بين ما تحتاجه الأسرة للعيش، وما يتوفر لديها من دخل فعلي أو مساعدة يمكن الاعتماد عليها.

وتكشف بيانات الأمم المتحدة أن الاقتصاد الغزي تعرض لانكماش واسع، وأن قطاعات الإنتاج والعمل تضررت بصورة غير مسبوقة، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية واستمرار مخاطر انعدام الأمن الغذائي. وبذلك، لم تعد الأزمة محصورة في كيفية توفير السلع، بل امتدت إلى كيفية توفير المال اللازم لشرائها، ومقدار ما تستطيع الأسرة الاستغناء عنه قبل أن تصبح احتياجاتها الأساسية مهددة.

وتطرح هذه المعادلة سؤالًا يتجاوز المؤشرات الاقتصادية التقليدية: ماذا يحدث للعائلة التي فقدت مصدر دخلها، وأنفقت مدخراتها، وأصبحت تعتمد على مساعدات متقطعة أو ديون لا تعرف متى تستطيع سدادها؟

انهيار مصادر الدخل.. حين تتوقف عجلة الاقتصاد

تقدم بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد»، المنشورة في 24 سبتمبر/أيلول 2026، صورة عن عمق الأزمة التي أصابت الاقتصاد في قطاع غزة، إذ قدّر التقرير أن 92% من المنشآت الاقتصادية تعرضت للتدمير أو الضرر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ووفق التقرير، بلغ معدل البطالة في القطاع 78% خلال عام 2025، فيما انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 212 دولارًا خلال العام ذاته، أي ما يعادل نحو 17% من مستواه في عام 2022. كما تراجع إنتاج القطاعين الزراعي والصناعي بنسبة 94% لكل منهما مقارنة بمستويات عام 2022، في حين انخفض إنتاج قطاع الإنشاءات بنسبة 99%.

وتعني هذه المؤشرات أن الخسارة لا تقتصر على الوظائف التي اختفت، بل تمتد إلى القدرة على استحداث وظائف جديدة؛ فالمنشأة التي دمرت معداتها أو فقدت مخزونها لا تستطيع العودة إلى الإنتاج بمجرد إعادة فتح أبوابها، والعامل الذي فقد أدوات عمله أو مكان عمله لا يستعيد دخله تلقائيًا مع تحسن حركة الأسواق.

وتتضاعف المشكلة عندما تتضرر قطاعات متعددة في الوقت نفسه؛ إذ لا يقتصر أثر توقف مصنع أو ورشة على العاملين فيه، بل يمتد إلى الموردين والناقلين والتجار والأسر التي كانت تعتمد على دخل هؤلاء العاملين.

وفي اقتصاد تتراجع فيه الأنشطة الإنتاجية بهذا الحجم، تصبح المنافسة على فرص العمل المحدودة أكثر حدة، بينما تتقلص قدرة المشروعات الصغيرة على استيعاب العمال أو توفير دخل مستقر.

ولا يعني ذلك أن جميع سكان القطاع فقدوا دخلهم كليًا، أو أن كل الأنشطة الاقتصادية توقفت، لكنه يوضح حجم الانكماش الذي يواجهه سوق العمل، ويكشف لماذا لا تكفي عودة بعض المحال والأسواق إلى النشاط لإعادة الحياة الاقتصادية إلى مستوياتها السابقة.

مفارقة الأسواق.. البضائع موجودة والقدرة على شرائها غائبة

تكشف تقارير مراقبة الأسواق الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» أن توفر السلع لا يعني بالضرورة قدرة الأسر على الحصول عليها.

ففي نشرتها بشأن المساعدات النقدية ومراقبة الأسواق في غزة، الصادرة في يونيو/حزيران 2026، أشارت المنظمة إلى استمرار توافر كثير من السلع الغذائية وغير الغذائية الأساسية في الأسواق التي شملها الرصد، مع انخفاض أسعار المواد الغذائية مقارنة بالارتفاع الذي شهدته في مارس/آذار، غير أن محدودية فرص الدخل وضعف القدرة الشرائية ظلا يعوقان تلبية الاحتياجات الأساسية للأسر الأكثر هشاشة.

وتتضح هذه المفارقة عند التمييز بين ثلاثة عناصر: توفر السلعة، وسعرها، والقدرة الفعلية على شرائها، فقد يتراجع سعر مادة غذائية مقارنة بالشهر السابق، لكن الأسرة التي لا تملك دخلًا أو تعتمد على مساعدة محدودة قد تظل عاجزة عن توفيرها بصورة منتظمة.

كما أن انخفاض أسعار بعض المواد لا يعني بالضرورة انخفاض كلفة المعيشة بكاملها؛ إذ تختلف حركة أسعار الغذاء عن أسعار الوقود والمواصلات والملابس ومستلزمات النظافة والرعاية الصحية، وهي احتياجات تتنافس جميعها على الموارد المالية المحدودة للأسرة.

وفي تقاريرها بشأن متابعة المساعدات النقدية في غزة، أكدت اليونيسف أن الأسواق في المناطق التي شملها التقييم واصلت توفير معظم السلع الأساسية، لكن ضعف فرص الدخل ظل يحد من قدرة العائلات على تلبية احتياجاتها.

وهنا تبرز نقطة جوهرية في فهم الأزمة: قد تنجح التدخلات التجارية في تحسين توافر السلع، لكن ذلك لا يكفي وحده لإنهاء معاناة الأسر التي فقدت مصادر دخلها. فاستقرار السوق يحتاج إلى تدفق السلع، بينما تحتاج الأسر إلى موارد مالية تمكّنها من الوصول إليها.

وبالتالي، فإن قياس التحسن الاقتصادي في غزة لا ينبغي أن يعتمد على حركة البضائع والأسعار فقط، بل يجب أن يشمل تطور دخول الأسر، وانتظام فرص العمل، وقدرتها على شراء الغذاء والدواء وسائر الاحتياجات الأساسية.

المساعدات النقدية.. مصدر للدخل أم بديل مؤقت عن العمل؟

مع اتساع فقدان مصادر الدخل، اكتسبت المساعدات النقدية أهمية متزايدة في حياة الأسر المتضررة، إذ تتيح لها شراء احتياجاتها من الأسواق بدل الاعتماد حصريًا على سلال غذائية أو مساعدات عينية محددة.

وتظهر بيانات اليونيسف الخاصة بالأسر المستفيدة من المساعدات النقدية أن هذه المساعدات كانت المصدر الرئيسي للدخل أو الدعم لدى 72% من الأسر التي شملتها متابعة التوزيع في يونيو/حزيران 2026.

وتشير البيانات نفسها إلى أن أكثر من 60% من إجمالي إنفاق الأسر المشمولة بالمتابعة ذهب إلى احتياجات غير غذائية، شملت النظافة والرعاية الصحية والوقود والمواصلات والملابس والاتصالات وسداد الديون واحتياجات الأطفال.

وتوضح هذه الأرقام أن المساعدة النقدية لا تُستخدم لشراء الطعام وحده، بل لتغطية شبكة من الاحتياجات المتداخلة. فالأسرة التي تتلقى مبلغًا ماليًا قد تحتاج إلى شراء الغذاء، ودفع تكلفة التنقل إلى المستشفى، وتأمين مواد النظافة، وتوفير احتياجات أطفالها، وسداد جزء من دين سابق.

لكن هذه النسب تخص الأسر المستفيدة التي شملتها المتابعة، ولا يجوز تعميمها على جميع الأسر في غزة. كما أن كون المساعدة المصدر الرئيسي للدعم لا يكشف وحده إن كانت قيمتها كافية لتغطية نفقات الأسرة.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين المساعدة بوصفها وسيلة للحماية الإنسانية، وبين الدخل الناتج عن العمل والإنتاج. فالمساعدات قد تمنع تدهورًا أشد في أوضاع الأسرة، لكنها لا تعني بالضرورة أن الأسرة استعادت استقلالها الاقتصادي أو أصبحت قادرة على تغطية نفقاتها بصورة مستدامة.

وتظل فعالية المساعدة مرتبطة بقيمتها وانتظامها، وبمدى توافر السلع التي تستطيع الأسرة شراءها، وبالاحتياجات الخاصة بكل عائلة. فالمبلغ الذي قد يساعد أسرة صغيرة على توفير بعض متطلباتها قد لا يغطي الاحتياجات نفسها لأسرة كبيرة تضم أطفالًا أو مرضى أو أشخاصًا ذوي إعاقة.

ومن ثم، فإن تقييم برامج المساعدات يحتاج إلى النظر في الفجوة بين المبلغ الذي يصل فعليًا إلى الأسرة وبين كلفة احتياجاتها الأساسية، وليس الاكتفاء بعدد المستفيدين أو قيمة التمويل المعلن.

من المدخرات إلى الديون.. كيف تتكيف الأسر مع انقطاع الدخل؟

عندما يتوقف الدخل، لا تتوقف الالتزامات اليومية. فالطعام والدواء والماء والمواصلات والاحتياجات المنزلية تظل قائمة، حتى عندما يفقد المعيل وظيفته أو يتضرر متجره أو يتوقف مشروعه الصغير.

وفي مثل هذه الظروف، قد تلجأ الأسر إلى استخدام ما تبقى من مدخراتها، أو الاقتراض من الأقارب والتجار، أو الاعتماد على المساعدات العينية والوجبات المجتمعية، أو بيع بعض الممتلكات لتأمين السيولة اللازمة للمعيشة.

وتؤكد بيانات اليونيسف أن الأسر المستفيدة التي شملتها المتابعة لا تعتمد على المساعدات النقدية وحدها، بل تستعين أيضًا بالديون والمساعدات العينية والوجبات المطبوخة ودعم الأقارب والمجتمعات المحلية.

غير أن هذه الآليات ليست متساوية في قدرتها على الاستمرار. فمساندة الأقارب قد تتراجع عندما تعاني العائلات المحيطة الظروف الاقتصادية نفسها، والاقتراض قد يصبح أصعب عندما تتراكم الديون، فيما يؤدي بيع الممتلكات إلى تقليص الأصول التي يمكن للأسرة الاعتماد عليها لاحقًا.

وتبرز هنا إحدى أكثر النقاط أهمية في التحقيق: الأسرة التي تسد احتياجاتها اليوم بالاستدانة قد تكون تنقل جزءًا من أزمتها إلى الأشهر المقبلة، لا تتجاوزها.

لكن لا تتوافر في البيانات المشار إليها وحدها أرقام شاملة تسمح بتحديد إجمالي ديون الأسر في غزة أو نسبة من باعت ممتلكاتها خلال الفترة الأخيرة. ولهذا، ينبغي التعامل مع هذه المسألة باعتبارها محورًا يحتاج إلى بحث ميداني موثق، لا حقيقة كمية محسومة.

ولكشف حجم الظاهرة، يحتاج التحقيق إلى مقابلة أسر فقدت دخلها، وتوثيق ما كانت تحصل عليه قبل الحرب وما تحصل عليه حاليًا، وحصر المساعدات التي استلمتها بالفعل خلال فترة محددة، وتسجيل نفقاتها وديونها الجديدة، مع مقارنة وضعها قبل أشهر بوضعها الحالي.

ويمكن أن تكشف هذه المقارنة ما إذا كانت الأسرة لا تزال تملك مدخرات أو أصولًا يمكنها الاعتماد عليها، أو أنها وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها أمامها سوى خفض استهلاكها أو زيادة ديونها أو طلب مساعدة إضافية.

الأمن الغذائي.. عندما لا تكفي الموارد لتأمين الغذاء

تتجاوز آثار الأزمة الاقتصادية مسألة توافر الطعام إلى قدرة الأسر على تأمين كميات كافية منه، والحفاظ على تنوع غذائي يلبي احتياجات أفرادها، خصوصًا الأطفال.

وفي تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي «IPC»، الصادر في يوليو/تموز 2026، قُدّر أن أكثر من 1.4 مليون شخص، أي نحو 67% من سكان غزة، قد يواجهون مستويات الأزمة أو ما هو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي خلال الفترة من يوليو/تموز إلى ديسمبر/كانون الأول 2026، وفق السيناريو الذي بنيت عليه التوقعات.

وأشار التحليل إلى أن القدرة على الوصول إلى الغذاء لا تزال مقيدة بانخفاض القوة الشرائية، وارتفاع تكاليف الوصول إلى الأسواق، وعدم استقرار الإمدادات، فضلًا عن تراجع النشاط الاقتصادي ومحدودية فرص استعادة سبل العيش.

وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة عند قراءتها إلى جانب بيانات سوق العمل؛ فالبطالة تحد من قدرة الأسرة على توليد الدخل، وضعف الدخل يحد من قدرتها على شراء الغذاء، بينما يؤدي الاعتماد المتزايد على المساعدات إلى جعل استقرارها مرتبطًا بانتظام الدعم واستمرار وصوله.

ولا تعني توقعات الأمن الغذائي أن جميع الأسر تعاني المستوى نفسه من الحرمان، كما لا يجوز تفسيرها على أنها قياس مباشر لعدد الأسر التي لا تملك أي دخل. لكنها تكشف اتساع نطاق المخاطر الغذائية، وتدعم الحاجة إلى دراسة العلاقة بين الموارد المالية الفعلية للأسرة ونوعية الغذاء الذي تستطيع توفيره.

ومن المهم أيضًا التمييز بين شراء الطعام وتلقيه ضمن المساعدات العينية؛ فقد تحصل الأسرة على بعض المواد الغذائية مجانًا، لكنها تظل بحاجة إلى المال لشراء مواد أخرى أو لتغطية تكاليف النقل والدواء والوقود.

وبالتالي، فإن معالجة انعدام الأمن الغذائي تتطلب استمرار المساعدات، إلى جانب تحسين فرص الوصول التجاري، واستعادة الإنتاج المحلي، وتوفير موارد دخل تسمح للأسر بتلبية احتياجاتها بصورة أكثر استقرارًا.

خسارة الإنتاج تعني خسارة المستقبل أيضًا

لا تتوقف الخسائر الاقتصادية عند الدخل الذي فقدته الأسر خلال الحرب، بل تمتد إلى الأصول والقدرات التي تحتاجها لاستعادة هذا الدخل مستقبلًا.

فالمنشأة التي تضررت أو دمرت تحتاج إلى رأس مال ومعدات ومواد خام ومكان صالح للعمل، كما يحتاج العامل إلى فرصة عمل فعلية، ويحتاج صاحب المشروع الصغير إلى سيولة تسمح له بإعادة تشغيل نشاطه.

وتتضح ضخامة التحدي في تقدير الأونكتاد احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة بنحو 71.5 مليار دولار. ويعكس هذا الرقم حجم الاحتياجات الاقتصادية والعمرانية التي يتطلبها التعافي، ولا يعني أن التمويل متاح أو أن إعادة الإعمار يمكن أن تتم فورًا.

كما أن تعافي الناتج الاقتصادي من مستوى منخفض جدًا لا يعني بالضرورة تحسن الظروف المعيشية لمعظم الأسر. فقد يسجل الاقتصاد نموًا نسبيًا بعد انكماش حاد، بينما تظل الوظائف محدودة والدخول منخفضة والأسواق غير قادرة على توفير فرص كافية.

وتحتاج استعادة الحياة الاقتصادية إلى أكثر من إصلاح المباني؛ فهي تتطلب استعادة المنشآت الإنتاجية، وتوفير المواد اللازمة للتشغيل، وفتح المجال أمام التجارة، وإعادة بناء البنية التحتية، وإيجاد فرص عمل فعلية ومستدامة.

ومن دون هذه العناصر، قد يبقى جزء كبير من السكان معتمدًا على المساعدات حتى بعد حدوث تحسن جزئي في حركة الأسواق أو توافر بعض السلع.

ما الذي ينبغي أن يتغير؟

تكشف المؤشرات أن الاستجابة الاقتصادية في غزة تحتاج إلى مسارين متكاملين.

يتمثل الأول في حماية الأسر من الاحتياجات العاجلة، عبر استمرار المساعدات الغذائية والنقدية، وضمان وصول السلع الأساسية، وتحسين القدرة على الحصول على المياه والرعاية الصحية والاحتياجات الضرورية.

أما الثاني فيتعلق باستعادة القدرة على توليد الدخل، من خلال دعم المشروعات الصغيرة، وإعادة تشغيل المنشآت المتضررة، وتوفير فرص عمل، واستعادة الإنتاج الزراعي والصناعي، وتهيئة الظروف اللازمة للتجارة والتعافي.

ولا يمكن للمسار الثاني أن يحل محل الإغاثة العاجلة، كما لا تستطيع المساعدات وحدها أن تعوض بصورة دائمة اقتصادًا فقد معظم قدرته الإنتاجية.

ولهذا، فإن قياس التعافي ينبغي أن يعتمد على مؤشرات تتجاوز حجم المساعدات أو حركة البضائع؛ مثل عدد المنشآت التي عادت إلى العمل، وفرص العمل التي استعيدت، واستقرار دخل الأسر، وقدرتها على تغطية نفقاتها الأساسية من دون اضطرار مستمر إلى الاقتراض أو بيع ممتلكاتها.

أزمة تتجاوز الفقر إلى استنزاف القدرة على الصمود

تظهر البيانات الرسمية والأممية أن الأزمة الاقتصادية في غزة مترابطة الأبعاد: تضرر المنشآت، وتراجع الإنتاج، وارتفاع البطالة، وضعف القدرة الشرائية، والاعتماد على المساعدات، واستمرار مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

لكن الأرقام الكلية، على أهميتها، لا تكشف وحدها كيف تعيش الأسرة يومًا بيوم، ولا مقدار ما أنفقته من مدخراتها، ولا ما إذا كانت قد تراكمت عليها ديون، ولا الاحتياجات التي اضطرت إلى التخلي عنها.

وهنا تبرز الحاجة إلى تحقيق ميداني يقارن بين دخل الأسر ونفقاتها ومساعداتها الفعلية، ويتتبع التغير في أوضاعها خلال فترة زمنية محددة، ويستند إلى مقابلات موثقة مع العائلات والتجار والجهات الإغاثية والمختصين الاقتصاديين.

فالمعيار الحقيقي للتحسن ليس مجرد وجود السلع في الأسواق، بل قدرة الناس على شرائها، وليس وصول المساعدة مرة واحدة، بل قدرة الأسرة على تأمين احتياجاتها بانتظام، وليس تسجيل نمو اقتصادي من قاعدة منهارة، بل استعادة فرص العمل والإنتاج والدخل.

وفي غزة، لا تتمثل المعضلة في كيفية تدبير نفقات اليوم فحسب، بل في كيفية منع اليوم من استهلاك ما تبقى من موارد الغد. ومن هنا، فإن استعادة مصادر الدخل والإنتاج تظل شرطًا جوهريًا للانتقال من اقتصاد البقاء إلى التعافي، ومن الاعتماد المستمر على الإغاثة إلى امتلاك الأسر القدرة على بناء حياة أكثر استقرارًا.

Exit mobile version