Site icon Palestinealyoum

غزة تُرى كل يوم.. لكن أين يختفي الإنسان؟

دمار غزة

خاص المركز الفلسطيني للإعلام

في غزة، لم تعد الحياة تُقاس بالأشهر والسنوات، بل بالساعات. ماء يكفي ليوم واحد، رغيف يمكن الوصول إليه قبل انتهاء الطابور، طريق أكثر أمانًا من آخر، وهاتف يحتاج صاحبه إلى شحنه حتى يعرف إن كان أحباؤه ما زالوا على قيد الحياة.

بهذه الصورة يختصر الكاتب الفلسطيني جاسر أبو موسى جانبًا من الحياة اليومية في غزة، مستندًا إلى حديث أجراه مؤخرًا مع صديق له يعيش هناك، كان قبل الحرب مسؤولًا إداريًا رفيعًا، ويحمل درجة الدكتوراه وخبرة طويلة في العمل الحكومي والإدارة.

يقول أبو موسى في القصة التي نشرها موقع Inside Story إن صديقه أخبره خلال المكالمة أن «أفق عملنا هو 24 ساعة»؛ في إشارة إلى أن الحرب دفعت الإنسان في غزة إلى تقليص طموحاته وأسئلته إلى حدود البقاء اليومي.

فالرجل الذي كانت أحاديثه قبل الحرب تدور حول السياسة والفكر والنظريات العالمية، بات منشغلًا بأسئلة مختلفة تمامًا: من أين سيأتي بالمياه؟ كم من الوقت سيقضيه في البحث عنها؟ أين يمكن أن يجد الخبز؟ وهل يستحق الوقوف في الطابور، أم أن الانتظار قد يكون أطول من قيمة ما سيحصل عليه؟

وبين هذه التفاصيل اليومية، يروي أبو موسى أن غارة جوية أصابت، قبل أيام، سيارة على مسافة قريبة جدًا من المكان الذي تقيم فيه أسرة صديقه، وشاهد أبناؤه الانفجار.

لا يتوقف الرجل طويلًا عند الحادثة، بل ينتقل سريعًا إلى تفاصيل الحياة، وكأن الخطر أصبح جزءًا من جدول اليوم.

غزة.. الأكثر ظهورًا والأقل حضورًا

يرى أبو موسى مفارقة لافتة في المشهد الفلسطيني: غزة ربما أصبحت واحدة من أكثر الأماكن توثيقًا في العالم.

صور الأقمار الصناعية ترصدها، والكاميرات والهواتف توثق ما يحدث في شوارعها، والطائرات المسيّرة تراقبها، ووكالات الإغاثة تعدّ سكانها واحتياجاتهم، فيما تتكرر أخبارها في البرلمانات ووسائل الإعلام حول العالم.

ومع ذلك، يقول الكاتب، إن كثافة التغطية قد تؤدي إلى اختفاء الإنسان نفسه.

فمع كثرة الحديث عن «النازحين» و«الضحايا» و«السكان» و«المحتاجين للمساعدات»، تتحول الأفراد إلى أرقام وتصنيفات عامة، رغم أن كل واحد منهم كان قبل الحرب شخصًا له تفاصيله الخاصة.

كان بينهم المعلم، والطالب، وربّة المنزل، ومن كان يدخر للزواج، ومن كان يخطط لإكمال دراسته، ومن كان يحلم بترميم بيته، ومن كانت تشغل باله تفاصيل عائلية صغيرة لا علاقة لها بالحرب أو السياسة.

لكن الحرب، وفق أبو موسى، أعادت تقديم هؤلاء أمام العالم من خلال صفة واحدة: أنهم «سكان غزة الذين يحتاجون إلى المساعدة».

الحرب الثانية.. محو التفاصيل

يفرق الكاتب بين دمار مادي أصاب البيوت والشوارع والمخابز والبنية التحتية، وبين نوع آخر من الدمار أقل وضوحًا، يتمثل في اختفاء التفاصيل الشخصية للإنسان من الطريقة التي يُتحدث بها عن الحرب.

فالبيت يمكن تصويره وهو مهدّم، والشارع يمكن توثيقه، والضحايا يمكن إحصاؤهم، لكن لا توجد كاميرا قادرة على تصوير التحول الداخلي الذي يصيب الإنسان حين يصبح كل يوم نسخة من يوم نجاة جديد.

وفي غزة، حتى القرارات العادية أصبحت تحمل مخاطر استثنائية.

هل يخرج الشخص لجلب المياه؟
أي طريق يسلك؟
هل ينتظر في طابور الخبز أم يعود إلى أسرته؟
ماذا يحمل معه إذا اضطر إلى النزوح مجددًا؟
هل يأخذ الوثائق أم الملابس أم البطانيات؟
كيف يشحن هاتفه الذي أصبح صلته الوحيدة بأقاربه وبالعالم؟

هذه الأسئلة، التي تبدو عادية في أي مكان آخر، يمكن أن ترتبط في غزة باحتمال الموت.

حين يصبح البقاء أكثر إلحاحًا من السياسة

يتوقف أبو موسى أيضًا عند الأسئلة التي يكررها كثيرون خارج غزة: ماذا يريد سكان القطاع سياسيًا؟ لماذا لا يحتجون؟ ماذا يفكرون بشأن حماس؟ وما مستقبل الحكم؟

ويرى أن هذه الأسئلة، رغم مشروعيتها، تتجاهل حقيقة أساسية: البقاء يستهلك معظم مساحة التفكير.

فالشخص الذي يقضي ساعات في البحث عن الماء والغذاء وتأمين عائلته، قد لا يكون أقل وعيًا بالسياسة، لكنه ببساطة يعيش تحت ضغط يجعل الأولويات اليومية أكثر إلحاحًا.

ويقدم الكاتب صديقه مثالًا على ذلك؛ فهو رجل لديه خبرة طويلة في الإدارة والحكم، ويمتلك معرفة واسعة بالشأن السياسي، لكنه يجد نفسه اليوم مضطرًا إلى تكريس طاقته لقضايا الماء والغذاء والأمان.

كثرة الصور لا تعني معرفة أصحابها

المفارقة الأخرى التي يطرحها أبو موسى أن التكنولوجيا التي جعلت غزة حاضرة على شاشات العالم لم تضمن بالضرورة أن يعرف العالم سكانها كأفراد.

فالفلسطينيون في القطاع يوثقون حياتهم بأنفسهم: طوابير المياه، إعداد الطعام قرب الخيام، التنقل بين الأنقاض، البحث عن المفقودين، ومحاولات الاستمرار رغم كل شيء.

لكن توثيق الصورة لا يعني بالضرورة معرفة صاحبها.

قد يشاهد ملايين الأشخاص وجهًا من غزة خلال ساعات، ثم يختفي الوجه داخل تدفق هائل من الصور والأخبار، ليعود صاحبه في التغطية التالية إلى كونه رقمًا أو حالة إنسانية أو جزءًا من إحصائية.

وهنا تكمن، بحسب الكاتب، المفارقة الأكثر قسوة: غزة ليست غير مرئية؛ بل ربما تُرى أكثر من أي وقت مضى، لكن الإنسان الذي يعيش داخلها قد يصبح أقل حضورًا.

إنسان قبل أن يكون رقمًا

لا يقدم أبو موسى في ختام قصته حلًا سياسيًا، بل يعود إلى سؤال أكثر بساطة: هل لا يزال العالم قادرًا على رؤية الفلسطيني في غزة بوصفه إنسانًا كاملًا، لا مجرد ضحية أو نازح أو رقم أو رمز سياسي؟

صديقه الذي تحدث إليه ليس مجرد «مسؤول فلسطيني سابق» أو «نازح» أو «شخص من غزة». إنه إنسان له عائلة، ومهنة، وذكريات، وآراء، واهتمامات، وأبناء يخاف عليهم.

واليوم، تقلص عالمه إلى 24 ساعة؛ ماء، وخبز، ومأوى، ومحاولة لحماية عائلته من خطر قد يأتي في أي لحظة.

وفي هذه المسافة بين الصورة والإنسان، يضع أبو موسى سؤاله الأساسي: ليست المشكلة في أن العالم لم يرَ غزة، بل في أن كثرة ما رآه ربما جعلته يتوقف عن رؤية الإنسان الموجود داخل الصورة.

Exit mobile version