
خاص – المركز الفلسطيني للإعلام
من خيمة تتحول إلى فصل دراسي، إلى امرأة تبدأ مشروعًا من جديد، وطبيب يحمل عيادته إلى النازحين، وفلاح يعيد البذور إلى الأرض؛ يكتب الفلسطينيون في غزة فصولًا جديدة من حكاية البقاء، مؤكدين أن الحياة يمكن أن تنبت حتى في أكثر الأماكن وجعًا.
ففي غزة، لا تبدأ الحكاية كل صباح بصوت الانفجارات وحده، بل بأصوات أخرى تحاول أن تنتزع لنفسها مكانًا وسط الخراب؛ صوت طفل يردد حروف الهجاء داخل خيمة، وامرأة تعجن خبزًا لعائلتها، وعامل يزيل الأحجار من أمام متجره، وطبيب يفحص مريضًا بأدوات قليلة، وفلاح يغرس شتلة في أرض أنهكتها الحرب. ليست هذه مشاهد من مدينة استعادت عافيتها، بل من مكان لا يزال يعاني القتل والحصار والخوف والفقد. ومع ذلك، يجد أهله في تفاصيل الحياة اليومية سببًا جديدًا للنهوض، كأنهم يقولون إن الدمار مهما اتسع لا يملك الحق في كتابة الفصل الأخير من حياتهم.
مبادرات زراعية لإنتاج الغذاء واستعادة البذور، بينها قصة روان
بعد ثلاث سنوات من الحرب التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تبدو غزة مثقلة بخسائر يصعب حصرها في الأرقام وحدها.. عائلات فقدت أبناءها، وأطفال كبروا قبل أوانهم، ومنازل تحولت إلى ركام، ومصادر رزق اندثرت، ومستشفيات ومدارس وشوارع أصابها دمار واسع. وحتى مع اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ في أكتوبر 2025، استمر سقوط الضحايا وحالة عدم الاستقرار.
غير أن الصورة لا تكتمل عند حدود الخراب؛ ففي الأزقة التي سُدت بالحجارة، وعلى أطراف مخيمات النزوح، ووسط الأسواق التي فقدت معظم متاجرها، تتشكل مبادرات صغيرة لا ينتظر أصحابها انتهاء جميع الأزمات كي يبدأوا.. يحاول الناس إصلاح ما يمكن إصلاحه، وإعادة تشغيل ما تبقى من أدواتهم، واستئناف الدراسة والعمل والعلاج والتجارة، وقد لا تعيد هذه المحاولات المدينة إلى ما كانت عليه، لكنها تمنح أصحابها شيئًا شديد الأهمية، وهي القدرة على التأثير في حياتهم بعدما سلبتهم الحرب كثيرًا من خياراتهم.
ولا يعني الإصرار على الحياة أن الغزيين لا يتألمون أو أنهم اعتادوا الفقد؛ فكثير ممن يستأنفون أعمالهم يعيشون حزنًا عميقًا، ويخشون تجدد القصف أو النزوح، ولا يعرفون إن كان ما بنوه اليوم سيبقى غدًا، لكن بين الحزن والعمل تنشأ معادلة إنسانية لافتة، مفادها أن الإنسان يمكن أن يبكي فقيده ثم يذهب في الصباح التالي ليبحث عن الخبز، أو يفتح فصلًا دراسيًّا، أو يصلح آلة تعينه على كسب الرزق، ومن هذه المعادلة تحديدًا تولد القصص التي تستحق أن تُروى.
نساء يصنعن الرزق من بقايا الإمكانيات
من بين أكثر الصور تعبيرًا عن التحول الذي فرضته الحرب على المجتمع الغزي، قصة الفلسطينية النازحة يسرى الشمالي، التي وجدت نفسها تعمل في صناعة الخبز لإعالة أطفالها ومساعدة زوجها بعدما فقدت الأسرة دخلها. وفي تقرير مصور لوكالة رويترز نُشر في سبتمبر/أيلول 2026، ظهرت يسرى أمام فرن متواضع، تواجه الحرارة والدخان والإرهاق، وتشرح أنها لم تتخيل يومًا أن تضطر إلى هذا النوع الشاق من العمل. إنها ليست حكاية نجاح تجاري بالمعنى المعتاد، وإنما حكاية أم قررت تحويل جهدها إلى مصدر رزق مهما كان الثمن جسديًا ونفسيًا.
وفي التقرير نفسه، تظهر شيماء الفيومي، وهي فلسطينية متعلمة وحاصلة على شهادة جامعية، تعمل بجانب الفرن بسبب انعدام الفرص المناسبة لتخصصها. كان طموحها أن تمارس عملًا يرتبط بدراستها، لكن الحرب دفعتها إلى مهنة أخرى. وعلى الرغم من مرارة التحول، فإن قصتها تكشف وجهًا مهمًا من وجوه الصمود الاقتصادي، هو الاستعداد لاكتساب عمل جديد لتلبية احتياجات الأسرة، من دون التخلي عن الأمل في عودة الفرص التي حُرمت منها.
وتقدم نسرين الرنتيسي نموذجًا آخر للابتكار تحت الحصار؛ ففي خان يونس، أعادت صاحبة ورشة خياطة استخدام فساتين زفاف قديمة، تصلحها وتغسلها وتعيد تشكيلها حتى تصبح صالحة للاستخدام مجددًا، وللتغلب على انقطاع الكهرباء، استعانت في بداية عملها بماكينة خياطة تُدار بالدراجة الهوائية. وفي ظل الارتفاع الكبير في أسعار الأقمشة، تحولت إعادة التدوير من خيار اقتصادي إلى وسيلة للحفاظ على مهنة وإتاحة مساحة صغيرة للفرح.
أما أماني شبير، فقد واجهت خسارة أدوات العمل والمعدات التي كانت تعتمد عليها، لكنها سعت إلى استعادة مشروعها في التطريز من خلال التدريب وتطوير المهارات. وداخل ورشة خياطة شاركت فيها نساء نازحات، تحدثت أماني عن رغبتها في تحسين معيشتها واستعادة الأمل بمشروعها. وتُظهر قصتها كيف يمكن لإبرة وخيط وقطعة قماش أن تصبح بداية لإعادة بناء الاستقلال الاقتصادي، لا سيما في مجتمع فقدت فيه أسر كثيرة معيلها أو مصادر دخلها. شاهد تقرير النساء العاملات في الخَبز والخياطة.
وفي مشهد مختلف، أعادت النازحة فاطمة غندور في مارس/آذار 2026 إعداد كعك العيد بصحبة أفراد عائلتها، على الرغم من النزوح والحرمان وغلاء المعيشة. وثقت رويترز وهي تعجن وتصنع الحلوى، محاولة أن تمنح أبناءها وأحفادها شيئًا من أجواء الأعياد القديمة. لم تنكر فاطمة استمرار الخوف والقصف والخسائر، لكنها تمسكت بتقليد عائلي صغير يذكّرها بأيام أكثر أمنًا. هنا يصبح الحفاظ على العادات نوعًا من استعادة الحياة الاجتماعية، وليس مجرد إعداد للحلوى.
الأسواق تعود ولو من باب واحد
غزة التي أريد لكل مظاهر الحياة فيها أن تنتهي عقابًا لأهلها على مقاومتهم المحتل، قد دفعت ثمنًا باهظًا لتمسُّكها بحقها الذي كفلته لها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية والفطرة الإنسانية، لكنها أبدت صمودًا في البقاء لم يكن يقل عن بطولتها في القتال، وأظهرت تمسكًا بالحياة بنفس القدر الذي قدّمت فيها أرواح أبنائها صونا لكرامتها وحفظا لأرضها ودفاعا عن مقدّساتها؛ فاستعصت على الاندثار، وأبت إلا أن تصنع من مظاهر الموت أملاً في استمرار الحياة رغم أنف أعدائها.
الأسواق التي تعمد الاحتلال استهدافها خلال الحرب لنسف حركة المواطنين والقضاء على مصادر أرزاقهم، وكذلك محلات الحرف اليدوية، أصبحت شاهدة على إصرار الغزّي على تحدي المحتل بانتزاع حقه في عودة حركة البيع والشراء دليلاً أن أهل الأرض أبقى من محتليها؛ ففي سوق خان يونس التاريخية، حيث كانت المحال تستقبل الزبائن قبل أن تتعرض المنطقة لدمار واسع، بدأ عمال ومهندسون في أكتوبر/تشرين الأول 2026 أعمال ترميم وإصلاح لبعض الأجزاء المتضررة، ووثقت وكالة الأناضول في تقرير مصور بقايا السوق، والعمال وهم ينظفون ويصلحون، إلى جانب متاجر قليلة تمكنت من فتح أبوابها. المشهد لم يكن افتتاحًا لسوق مكتملة، بل بداية متواضعة لاستعادة مكان ارتبط بمعيشة الناس وذاكرتهم التجارية والاجتماعية.
وعلى مستوى النشاط التجاري الأوسع، عادت بعض المخابز في غزة إلى التشغيل بعد اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، ومنها مخابز مدعومة من برنامج الأغذية العالمي. وأظهرت صور التقطت في حي الرمال بمدينة غزة في نوفمبر من العام نفسه طوابير فلسطينيين يشترون الخبز. ومع أن الإنتاج لم يلغِ أزمة الغذاء، فإن عودة المخبز تعني عملًا للخبازين والموزعين، وفرصة للأسر للحصول على طعام أساسي بصورة أقرب إلى الحياة المعتادة، وخطوة نحو استعادة دورة اقتصادية تعطلت طويلًا.
ومن بين هؤلاء التجار الخياط محمد عبد الرؤوف، الذي أعاد فتح متجر ورثه عن والده، وعمل فيه نحو خمسين عامًا، لم ينتظر عودة جميع أصحاب المحال، بل نظّف المنطقة المحيطة بمتجره بنفسه، ثم دعا الآخرين إلى استئناف أعمالهم قدر الإمكان؛ حيث لم تكن إعادة فتح محل صغير في سوق مدمرة مجرد بيع بعض السلع، بل هي إعلان عن عودة علاقة قديمة بين الحرفي ومكانه وزبائنه، وعن رغبة في إنقاذ تاريخ اقتصادي واجتماعي من الاندثار.
ويتجلى التمسك بالمهن الموروثة في تجربة الحرفي حسين محمود الصواف، الذي استأنف صناعة السجاد والبُسط التقليدية في غزة، محافظًا على حرفة عائلية يرجع تاريخها إلى نحو ثلاثة قرون. واستخدم الصواف عجلة دراجة هوائية ضمن أدوات لف الخيوط، بينما واصل العمال النسج على الأنوال التقليدية. وبين الأقمشة والألوان وأصوات آلات النسيج، تتجاوز الحكاية حدود البحث عن دخل؛ فكل قطعة تُنسج تحمل شيئًا من ذاكرة المدينة، وتمنع إحدى حرفها القديمة من أن تصبح ضحية أخرى للحرب.
التعليم.. أحلامٌ تستأنف رحلتها تحت سقف الخيمة
لا تكاد توجد صورة أكثر تعبيرًا عن رغبة غزة في المستقبل من أطفال يجلسون على الأرض داخل خيمة ليتلقوا دروسهم؛ ففي بيت لاهيا شمال القطاع، مطل العام الجاري 2026 تم توثيق حضور نحو 400 طفل في مدرسة مؤقتة، يتعلمون وسط البرد وفي منطقة قريبة من مواقع عسكرية إسرائيلية، فيما استُخدمت الصناديق والمقاعد البدائية بديلًا للأثاث المدرسي، بينما تولى المعلمون مهمة صعبة تجمع بين التعليم وطمأنة الأطفال وتوعيتهم بالمخاطر المحيطة بهم.
وفي خان يونس، تبرز قصة الطالبة النازحة سمر أبو سلمي، البالغة من العمر 15 عامًا، التي تعيش مع أسرتها في خيمة وتساعد في جلب الماء والأعمال المنزلية، لكنها تحاول استعادة مسارها التعليمي بعد سنوات من الانقطاع، وقد وثّقت رويترز انتقالها من أعباء النزوح إلى أجواء الدراسة في سبتمبر 2026، وهي تتطلع إلى استعادة حلمها ومقابلة معلميها وصديقاتها، ليس لديها مكتب دراسي مريح أو ظروف مستقرة، لكنها تدرك أن ضياع التعليم قد يعني ضياع جانب آخر من المستقبل.
واللافت أن العودة إلى الدراسة تحققت بجهود معلمين وأسر ومؤسسات تعليمية وإنسانية، في وقت تعرض فيه نحو 98% من مدارس القطاع لأضرار أو تدمير، بحسب ما وثقته اليونيسف في سبتمبر 2026.
وعاد الأطفال إلى صفوف مؤقتة تفتقر في كثير من الأحيان إلى المقاعد والقرطاسية، بينما بقي آخرون يعتمدون على التعلم عن بُعد.. إنها عودة شديدة الهشاشة، لكنها تؤكد أن المدرسة في غزة ليست مجرد مبنى، وإنما علاقة حية بين المعلم والطالب يمكن استعادتها حتى تحت قماش الخيام.
وفي الربع الأول من عام 2026، أفادت اليونيسف بأن نحو 195 ألف طفل أتيح لهم الوصول إلى مساحات تعليمية وداعمة نفسيًا. وتجمع هذه المبادرات بين القراءة والكتابة والحساب والأنشطة الترفيهية والحماية النفسية والاجتماعية. وبالنسبة لأطفال شاهدوا الخسائر والدمار في أعمار مبكرة، قد تكون العودة إلى حصة تعليمية أو لعبة جماعية خطوة مهمة نحو استعادة بعض الإحساس بالأمان، حتى لو بقيت ظروف النزوح بعيدة عن الحد الأدنى للحياة الكريمة.
حلقات القرآن.. وقود غزة الذي لا ينفد
وفي مشهد تتداخل فيه أصوات الأطفال بتلاوة آيات القرآن الكريم مع ضجيج الحياة في مخيمات النزوح، استطاعت حلقات التحفيظ أن تحجز لنفسها مكانًا بين المبادرات التي تعيد بعض الطمأنينة إلى نفوس الغزيين. ففي شمال القطاع، واصل مركز النور القرآني أنشطته رغم تضرر البنية التعليمية وشح الإمكانيات، مقدمًا برامج لتحفيظ القرآن وتعليم أحكام التلاوة والقاعدة النورانية والآداب الإسلامية للأطفال والفتيات والنساء، إلى جانب حلقات للكبار.
ووثقت شبكة الجزيرة في يوليو/تموز 2026 استمرار هذه الأنشطة رغم نقص المصاحف والمراوح والمياه وغيرها من الاحتياجات الأساسية، وهكذا تحولت مساحات بسيطة، لا تتوافر فيها بالضرورة مقاعد مريحة أو وسائل تعليم حديثة، إلى ملتقيات إيمانية وتربوية تعيد للأطفال بعض انتظام يومهم، وتمنحهم فرصة للتعلم والتواصل بعيدًا عن مشاهد الحرب ومآسيها.
ولم تكن هذه المبادرات حالات معزولة؛ فقد أعلنت دار الإتقان لتعليم القرآن الكريم في أبريل/نيسان 2025 استئناف حلقات التحفيظ في خيام النازحين والمصليات البديلة عن المساجد المدمرة.
وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، دعمت مؤسسة «علماء بلا حدود» نحو 800 طالب في حلقات قرآنية جنوبي القطاع، بتوزيع المصاحف والمستلزمات التعليمية وأجهزة تساعد على المراجعة والاستماع، مع اهتمام بالأيتام وأبناء الأسر التي فقدت ذويها والطلاب النازحين.
وفي مراكز الإيواء، نظمت جمعية نسائم فلسطين أنشطة لتكريم أطفال حفظوا أجزاء من القرآن الكريم. وتكشف هذه المشاهد أن حلقات القرآن لا تؤدي وظيفة دينية فحسب، بل تسهم أيضًا في استعادة الحياة التعليمية والاجتماعية، وتعزيز الروابط بين الأطفال وأسرهم، وبث الأمل في نفوس جيل حرمته الحرب كثيرًا من مظاهر طفولته الطبيعية.
مقاومة انهيار القطاع الصحي
بذرائع كاذبة وادعاءات ثبت بطلانها كان جيش الاحتلال يقصف المستشفيات ولا يُبقي منها أثرا، حتى تلك التي أعاد الفلسطينيون بناءها أثناء الحرب لم يرو الاحتلال ظمأ إجرامه إلا بإعادة قصفها، لا لشيء إلا ليُرسّخ في عقول ووجدان أهل غزة ألا أمان لهم حتى في أماكن استشفائهم، وأن كل مكان يؤوون إليه هو هدف صهيوني. يحاول الاحتلال من وراء ذلك نزع الأمل من قلوب الغزيين في أن يبقوا أحياء على هذه الأرض، فيبحثوا عن غيرها تنفيذًا لمخطط التهجير.
ورغم ذلك، ومع خروج مرافق صحية كثيرة عن الخدمة، لم ينتظر العاملون في القطاع الطبي إعادة بناء المستشفيات لاستئناف واجبهم؛ فقد لجأت فرق صحية إلى عيادات متنقلة ونقاط علاج مؤقتة للوصول إلى الأسر التي تعجز عن الانتقال لمسافات بعيدة. ومن بين هؤلاء الطبيب حسن عياد، المسؤول عن الفريق السابع عشر لإحدى العيادات المتنقلة المدعومة من اليونيسف في مدينة غزة، والذي يعمل مع زملائه على فحص الأطفال ومتابعة سوء التغذية والتطعيم والأمراض المزمنة، داخل ظروف تفتقر إلى الكثير من مقومات الرعاية المعتادة.
وتُظهر قصة الشابة منار دردونة، البالغة من العمر 19 عامًا، وجهًا آخر لأهمية استمرار الخدمات الصحية؛ إذ وجدت في العيادة المتنقلة فرصة لمتابعة حملها وإجراء الفحص بالموجات فوق الصوتية والحصول على إرشادات غذائية ومكملات ضرورية. وبينما تستمر معاناة النساء الحوامل من نقص الخدمات وصعوبة التنقل، يوفر وجود هذه العيادات قدرًا من الرعاية والاطمئنان. وتقول اليونيسف إن فرقها المتنقلة تقدم خدمات التطعيم والتغذية والمتابعة للأمهات والأطفال، مؤكدة أن تقريب الرعاية من الناس ضرورة في ظل انهيار أجزاء كبيرة من البنية الصحية.
الأرض التي ترفض أن تصبح عقيمة
وبينما تواصل الحرب وقيود الوصول إلى الأراضي إضعاف القطاع الزراعي، تحاول عائلات فلسطينية استعادة علاقتها بالزراعة ولو في مساحات محدودة؛ ففي مخيم المنشية ببيت لاهيا، وثقت اليونيسف قصة الطفلة غزل، البالغة من العمر 12 عامًا، وهي تزرع الخضروات للمساهمة في إطعام أسرتها.
تعيش المنطقة ظروفًا صعبة، ويقيم بعض سكانها في منازل متضررة معرضة للخطر أو خيام ضعيفة الحماية، ومع ذلك أصبحت قطعة الأرض الصغيرة التي تعتني بها غزل وسيلة لإنتاج الطعام وممارسة نشاط يحمل معنى الحياة والنمو.
وفي شمال القطاع أيضًا، يبرز المزارع صقر أبو ربيع، الذي فقد ابنه وشقيقه في هجمات إسرائيلية أثناء عملهما في الحقول، لكنه واصل الزراعة في قطعة أرض أعاد تأهيلها بوسائل بدائية. وبحسب تقرير نشرته صحيفة الغارديان في أغسطس 2026، استطاع زراعة الخضروات والشتلات والمساهمة في توفير منتجات محلية، رغم المخاطر ونقص المعدات ومصادر المياه والأسمدة. وهذه القصة تجمع الفقد بالإنتاج؛ فالرجل الذي ودّع اثنين من أحبته في الأرض نفسها ما زال يرى في زراعتها مصدرًا للرزق والغذاء، وإن بقيت العودة إلى العمل محفوفة بالأخطار.
وتُقدِّم مريم، وهي مزارعة فلسطينية تبلغ 39 عامًا من جنوب غزة، صورة أخرى للصمود الزراعي؛ فقد اضطرت للنزوح المتكرر مع أفراد أسرتها، وفقدت القدرة على الوصول إلى أراضٍ كانت تعتمد عليها، ثم حاولت العودة إلى الزراعة في ظل نقص الوقود والآليات. وفي أكتوبر 2026، سلطت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة الضوء على تجارب مزارعين من بينهم مريم، استفادوا من برامج دعم نقدي وإنتاجي تساعدهم على استئناف العمل وإطعام أسرهم ومجتمعاتهم. إنها محاولة لإعادة بناء مصدر دخل، لا مجرد نشاط زراعي رمزي.
أما سلامة عايش مهنا وابنته هنادي، فقد أعادا إحياء مشروع لحفظ البذور البلدية الفلسطينية بعد تدمير منزلهما وبنك البذور الذي أسساه سابقًا في القرارة. ومن موقع جديد في دير البلح، واصل المشروع الحفاظ على أصناف محلية وتوزيع البذور على مزارعين، بدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر. ووفق تحقيق نشرته الغارديان في سبتمبر 2026، يقدم المشروع دعمًا لأكثر من 200 مزارع، ويحافظ على 28 صنفًا من أصل 42 صنفًا كانت موجودة سابقًا. وفي بلد تتعرض فيه الأرض والموارد الزراعية لدمار بالغ، تتحول البذرة إلى وسيلة للحفاظ على الغذاء والتراث معًا.
ولا تقتصر هذه التجارب على أصحاب المزارع الكبيرة أو المشاريع المنظمة؛ فقد وثقت منظمة المطبخ المركزي العالمي قصة روان، التي غادرت منزلها في مخيم البريج وهي تحتفظ ببذور قمح، ثم عادت إلى زراعتها بعد النزوح. تحمل التجربة دلالة واضحة: حين تفقد الأسرة أرضها أو أدواتها، قد تصبح حفنة من البذور بداية لاستعادة بعض استقلالها الغذائي. وتزداد قيمة هذه المبادرات مع تراجع قدرة الأسر على شراء الخضروات وارتفاع الأسعار وتضرر معظم المساحات الزراعية في القطاع.
ضبط الأمن رغم المخاطر
ولم تكن جهود إعادة الحياة في غزة مقتصرة على الخبز والتعليم والعلاج؛ فثمة معركة يومية أخرى يخوضها العاملون في الأجهزة الشرطية لاستعادة النظام العام وحماية السكان من الفوضى والجريمة، رغم ما أصاب المؤسسات الأمنية من خسائر ودمار.
ففي شوارع مدينة غزة وخان يونس، وثقت وكالة رويترز في مارس/آذار 2026 انتشار عناصر من الشرطة الفلسطينية لتنظيم حركة المرور ومتابعة الأسواق والتعامل مع مشكلات الحياة اليومية، وظهرت عناصر شرطية توجه السيارات والمارة في الشوارع، بينما تحدث مواطنون عن أهمية وجود الشرطة للحد من السرقات وحماية الأسواق وتسوية النزاعات بين الجيران والعائلات.
وعلى الرغم من المخاطر الأمنية والاستهداف الإسرائيلي المتكرر لعناصر الشرطة، استمرت محاولات إعادة الانتشار في المناطق المأهولة؛ ففي شهر رمضان لعام 2026، أعلنت الشرطة في غزة خطة لتنظيم الحياة اليومية، شملت الأسواق والشوارع والمفترقات الرئيسية ومحيط المساجد، فضلًا عن تكثيف متابعة السلع الغذائية وصلاحيتها وأسعارها ومواجهة الاحتكار والاستغلال.
ووفق تقرير نشرته رويترز في 18 مارس 2026، فقد تعرضت الشرطة الفلسطينية في غزة لخسائر كبيرة جراء القصف الإسرائيلي، ومع ذلك، فإن الحاجة المدنية إلى شرطة قادرة على حماية المواطنين وتنظيم شؤونهم ظلت حاضرة في شهادات السكان، الذين يخشون أن تضاعف الفوضى معاناتهم فوق ما خلفته الحرب.
وتواجه المؤسسات الأمنية تحديًا أكثر تعقيدًا يتمثل في انتشار السلاح، وعمليات السلب والنهب، ونشاط ميليشيات مسلحة عميلة للاحتلال. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، تحدثت تقارير رويترز عن تحركات أمنية نفذتها الشرطة الفلسطينية في غزة لمواجهة جماعات متهمة بنهب المساعدات وإثارة الفوضى، بالتزامن مع اشتباكات مع مجموعات مسلحة محلية.
كما طرحت السلطات ترتيبات للعفو عن بعض المتورطين في أنشطة العصابات ممن لم يشاركوا في أعمال عنف، وتكشف هذه التطورات حجم التحدي الذي يواجه إعادة الاستقرار؛ فاستعادة الأمن لا تتعلق فقط بضبط الشوارع، بل بحماية وصول المساعدات إلى مستحقيها، ومنع الاعتداء على المدنيين وممتلكاتهم، ومعالجة النزاعات التي تفاقمت بفعل انهيار المؤسسات والظروف المعيشية القاسية.
الماء والنظافة والخدمات.. معارك الحياة اليومية
وفي مدينة غزة، شرعت فرق بلدية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في فبراير 2026 في إزالة كميات من النفايات المتراكمة في منطقة سوق فراس، بعدما تحولت إلى خطر صحي وبيئي على السكان. ووثقت رويترز الشاحنات والجرافات وهي تعمل بين أكوام القمامة، في عملية وصفها مسؤول أممي بأنها خطوة لمعالجة خطر يهدد الأحياء المحيطة. وعلى الرغم من أن الأزمة البيئية لا تزال هائلة، فإن نقل النفايات وإعادة فتح المواقع والشوارع أمام الناس يمثل وجهًا أساسيًا من وجوه التعافي الخدمي.
كما واصلت طواقم البلديات جهود إزالة الركام وتنظيف الشوارع والأزقة، ومنها أعمال موثقة في منطقة المغازي بدير البلح في أبريل 2026. وتكمن أهمية هذه الأعمال في أنها لا تقتصر على تحسين المشهد العام؛ ففتح ممر يمكن أن يسمح بوصول مركبة إسعاف، أو تسهيل مرور عربة مياه، أو استئناف حركة المواطنين والتجار. ومع استمرار وجود المباني الخطرة والذخائر غير المنفجرة وأضرار شبكات الصرف الصحي، تصبح أعمال التنظيف والتأمين والإصلاح الأولي عنصرًا بالغ الأهمية في حماية المدنيين واستعادة الخدمات.
الفن والرياضة والفرح.. ليست كماليات
وسط أحد الأماكن التي أنهكتها الحرب في مخيم البريج، نظم فنانون فلسطينيون شباب معرضًا فنيًا في الهواء الطلق، عرضوا خلاله لوحات تجسد تجارب النزوح والخسارة والأمل. ومن بينهم الفنان عُبيّ القرشلي، البالغ 21 عامًا، الذي نزح سبع مرات وفقد أكثر من ثلاثين عملًا فنيًا جراء القصف، لكنه عاد إلى الرسم والمشاركة في المعرض. ووثقت وكالة أسوشيتد برس هذه التجربة في مايو 2026، بوصفها محاولة لإعطاء الفنانين مساحة للتعبير عن الألم وتخيّل مستقبل مختلف.
وفي تجربة أخرى، ظهرت الفنانة أريج الصعافين وهي تحاول العودة إلى الرسم بعد مقتل شقيقها وتضرر منزل أسرتها وإصابتها خلال الحرب، ما تسبب في فقدان إحدى عينيها. رصد تقرير مصور نشر في أكتوبر 2026 أثر الإصابة والفقد على علاقتها بالفن، وعلى نظرتها إلى العالم. إن عودة فنانة مصابة إلى إنتاج عمل فني لا تعني أنها تجاوزت مأساتها، وإنما أنها ما زالت تحاول الاحتفاظ بصوتها وقدرتها على التعبير، رغم ما تعرضت له من أذى.
ولم تتوقف مظاهر استعادة الحياة عند الفنون التشكيلية، ففي أكتوبر 2026 شهدت مدينة غزة بطولة للقوة البدنية اجتمع فيها رياضيون وشبان وأطفال لمتابعة منافسات سحب الشاحنات وقلب الإطارات ورفع الأثقال. وكان الحدث، وفق أسوشيتد برس، قد تأجل سنوات بسبب الحروب والظروف الأمنية، قبل أن يجد منظموه فرصة لإقامته. وبين الأبنية المتضررة والجمهور المتحمس، ظهرت الرياضة باعتبارها مساحة للتلاقي واستعادة الثقة والفرح الجماعي، في بيئة لا تزال تفتقر إلى منشآت رياضية آمنة ومجهزة.
حتى الاحتفال بنجاح الطلاب احتفظ بمكانه في حياة سكان القطاع. ففي يوليو 2026، وثقت الأناضول إقبال فلسطينيين في خان يونس على محال الحلويات احتفالًا بنجاح طلبة الثانوية العامة، على الرغم من الغلاء والدمار والنزوح. عاد بعض الناس لشراء الحلوى وتبادل التهاني، كما لو أنهم ينتزعون يومًا استثنائيًا من سنوات الحزن. وتمثل هذه المشاهد رسالة اجتماعية مهمة: لا ينبغي أن يفقد الأطفال والشباب حقهم في الاحتفال بإنجازاتهم، مهما كانت الظروف المحيطة بهم قاسية.
كيف يقرأ الخبراء إصرار الغزيين على الحياة؟
يرى باحثون في علم النفس والصحة المجتمعية أن تجارب الفلسطينيين في مواجهة الأزمات الممتدة تستدعي فهمًا يتجاوز المفهوم التقليدي للمرونة النفسية. ففي مراجعة علمية نُشرت في دورية Frontiers in Psychiatry يوم 16 أكتوبر 2026، وشارك فيها باحثون من بينهم دينا الجابري وطارق عكاشة وإيمانويل ستيب، جرى تحليل 39 دراسة تناولت مفهوم «الصمود». وخلص الباحثون إلى أن الصمود لا يرتبط بقدرة الفرد على التحمل فقط، بل يتشكل عبر الروابط العائلية والروايات المشتركة والهوية والعلاقات الاجتماعية والممارسات الثقافية. وبهذا المعنى، يمكن فهم محاولات سكان غزة لاستئناف الحياة باعتبارها ممارسة جماعية للحفاظ على تماسك المجتمع، لا مجرد رد فعل فردي على المحنة.
وفي ورقة بحثية أخرى نشرتها دورية The Lancet Regional Health – Eastern Mediterranean في أكتوبر 2026، ناقش باحثون الحاجة إلى تجاوز التصورات العلاجية التي تفترض أن الشخص المتضرر يستطيع العودة بسهولة إلى حالته السابقة. وأوضحوا أن المجتمعات التي تعيش النزوح والعنف طويل الأمد تحتاج إلى مقاربات تراعي الكرامة والهوية والتحمل الجماعي إلى جانب التعافي النفسي. وتقدم هذه القراءة تفسيرًا مهمًا لما يحدث في غزة؛ فإعادة فتح محل، أو تعليم طفل، أو إصلاح منزل، ليست دائمًا دليلًا على التعافي من الصدمة، بل قد تكون وسيلة للعيش معها ومحاولة استعادة القدرة على اتخاذ القرار.
وفي المقابل، يحذر هذا المنظور العلمي نفسه من تحويل الصمود إلى عبء أخلاقي على الضحايا؛ فلا يصح مطالبة كل من فقد عائلته أو أصيب بإعاقة أو يعيش في خيمة بأن يكون قويًا طوال الوقت. فالعاملون في الصحة والإغاثة والتعليم، والنساء اللواتي يتحملن أعباء إعالة الأسر، قد يدفعون ثمنًا نفسيًا وجسديًا كبيرًا نتيجة استمرار المسؤوليات تحت الخطر. ولذلك لا يمكن اعتبار التكيف الشعبي بديلًا عن توفير الأمان والعلاج والسكن اللائق والمساندة النفسية والاجتماعية. بل إن نجاح الناس في تدبير حياتهم رغم قلة الموارد يجعل دعمهم أكثر إلحاحًا، لا أقل ضرورة.
بين قوة الإرادة ومسؤولية إعادة الإعمار
وبرغم أن غزة لا تزال بعيدة عن العودة إلى حياة طبيعية آمنة، فإن المبادرات الفردية تشير إلى الإصرار الغزّي على انتزاع الحياة من بين ركام الموت، وأنها تمضي وفق إرادتها لا وفق مخطط عدوها وإن تفاوتت -بفرق هائل- قوة كل منهما.
صحيح أن غزة تحتاج إلى إجراءات أوسع تحفظ ما ينجزه السكان وتسمح بتطويره؛ تبدأ بوقف مستدام لجرائم الاحتلال وحماية وقصفه المستمر على سكان القطاع، وتوفير مأوى آمن للنازحين، وإدخال مواد البناء والمعدات والوقود، وإعادة تأهيل المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والصرف الصحي، ودعم المشروعات الصغيرة والمزارعين وأصحاب الحرف، وأن مسؤولية إعادة الإعمار لا يمكن تحميلها لسكان أنهكتهم الحرب، بل تستدعي دعمًا دوليًا ومؤسسيًا طويل الأمد، مع ضمان وصول المساعدات والمواد الأساسية دون تعطيل. لكنها (غزة) حتى ذلك الحين لا تنتوي رفع الراية البيضاء في مواجهة إرادة الاحتلال وداعميه بمنع سبل العيش عنها، بل هي ماضية لتحقيق ما يمكن تحقيقه بنفسها مهما كانت صعوبة الطريق.
وفي نهاية هذه الرحلة بين الخيام والمدارس والحقول والعيادات والأسواق، تبدو غزة وكأنها تكتب تعريفها الخاص للأمل؛ فهو ليس وعدًا بأن الغد سيكون سهلًا، ولا تجاهلًا للذين رحلوا أو الذين ما زالوا يتألمون، بل عمل يومي يبدأ بما هو متاح. الأمل هو غزل وهي تغرس شتلة، وسمر وهي تعود إلى مقعد الدراسة، ويسرى وهي تخبز لأطفالها، ونسرين وهي تعيد تشغيل ماكينة الخياطة، ومحمد وهو يفتح متجره القديم، وطبيب يطمئن أمًا على طفلها. إنها حكايات أناس لا يملكون رفاهية انتظار الظروف المثالية، فيحاولون صناعة بدايات جديدة بما تبقى لهم. وبين كل بيت مهدّم وآخر، لا تزال هناك يد تزرع، وأخرى تبني، وثالثة تكتب على السبورة. وهكذا تؤكد غزة أن إعادة الحياة تبدأ بالإنسان، لكنها لا تكتمل إلا حين يحصل هذا الإنسان على حقه في الأمان والكرامة والمستقبل.
