Site icon Palestinealyoum

فقاعات إسرائيلية كريهة في سماء غزة تخنق السكان وتثير التساؤلات

فقاعات

المركز الفلسطيني للإعلام

لم تقتصر أدوات الحرب التي يعيشها سكان قطاع غزة على القصف والنسف وإطلاق النار، إذ فوجئ سكان مدينة غزة وشمال القطاع خلال الأيام الماضية بانتشار روائح شديدة الكراهية والنفاذية، بالتزامن مع إفادات عن قيام طائرات استطلاع ومسيّرات إسرائيلية بإلقاء أجسام و”فقاعات” في الأجواء، ما أثار مخاوف وتساؤلات واسعة حول طبيعة المواد المستخدمة وأهدافها وتأثيراتها الصحية.

وبحسب شهادات نقلتها مصادر إعلامية، بدأت الظاهرة خلال ساعات الليل، وانتشرت الروائح في مساحات واسعة امتدت من أحياء الشجاعية والدرج والتفاح شرق مدينة غزة، وصولًا إلى الشاطئ وبيت لاهيا غربًا وشمالًا.

وقال مواطنون وصحفيون إنهم شاهدوا أجسامًا و”فقاعات متفجرة في الهواء”، فيما تحدثت إفادات أخرى عن أكياس أو أجسام تحمل مواد ذات رائحة نفاذة.

وأثارت الرائحة حالة من الإرباك بين العائلات، بعدما تسللت إلى المنازل والخيام، فيما لم يتمكن السكان في البداية من معرفة مصدرها، قبل أن تتكرر الإفادات عن ارتباطها بأجسام ألقتها مسيّرات إسرائيلية في مناطق مختلفة.

“حتى الهواء يستكثرونه علينا”

وقال الصحفي الفلسطيني يوسف فارس إن رائحة كريهة جدًا غطت أجواء مدينة غزة خلال ساعات الليل، موضحًا أنها انتشرت خصوصًا في حيّي التفاح والدرج شرقًا وصولًا إلى بيت لاهيا غربًا.

وقال فارس إن السكان بدأوا في البداية البحث داخل منازلهم عن مصدر الرائحة، قبل أن يتحدث الصحفيون فيما بينهم عن انتشار الرائحة في مناطق مختلفة، مضيفًا أن ما اتضح لهم هو أن طائرات الاحتلال ألقت مئات الفقاعات التي تحمل هذه الرائحة في مناطق عدة.

وكتب فارس: “في ساعات الليل، غطت رائحة كريهة جدًا أجواء مدينة غزة، يصيبك الوسواس؛ تظن أن مصدر الرائحة حمام البيت أو أحد أطفالك النيام، تتفقد كل شيء دون نتيجة، ثم يتحدث الزملاء جميعهم في مجموعات المتابعة عن ذات الرائحة التي تغزو منازلهم والخيام”، قبل أن يختم شهادته بالقول: “حتى الهواء يستكثرونه علينا”.

وفي شهادة أخرى، قال الناشط ياسر حماد إن الظاهرة تكررت لليلة الثانية، مشيرًا إلى أن المسيّرات الإسرائيلية ألقت أكياسًا تحتوي على مواد ذات رائحة شديدة الكراهية.

وقال حماد: “الرائحة قوية ومزعجة وسريعة الانتشار، وكوني شخصًا يعاني من الجيوب الأنفية، فإنها تسبب لي تهيجًا وضيقًا مضاعفًا مقارنة بأي شخص آخر”.

وأضاف أنه لم يتمكن حتى ذلك الوقت من تحديد طبيعة المواد أو الهدف منها، متسائلًا عما إذا كانت مجرد مواد ذات رائحة نفاذة أم مواد كيميائية سامة، ومشيرًا إلى أن تكرار إسقاطها بين المدنيين يثير تساؤلات تستدعي الفحص والتحقق.

وزارة الصحة: لا نستطيع تحديد طبيعة المادة

ومع اتساع الحديث عن الظاهرة، تبرز المسألة الأهم: ما طبيعة المادة التي تسببت بهذه الروائح؟ وهل تحمل مخاطر صحية؟

مدير دائرة صحة البيئة والسلامة المهنية في وزارة الصحة بغزة، أيمن الرملاوي، قال لمراسلنا إن إفادات وصلت خلال ساعات الليل من مناطق مختلفة في مدينة غزة وشمال القطاع بشأن انتشار رائحة قوية جدًا.

وقال الرملاوي: “أنا شخصيًا شعرت بها، والرائحة لم تنحصر في منطقة واحدة، بل كانت منتشرة في مناطق واسعة”.

وأوضح أن الجهات المختصة لا تملك حتى الآن معلومات تفصيلية عن طبيعة المادة التي تسببت في الرائحة أو مكوناتها، بسبب تعذر الحصول على عينات كيميائية نتيجة ضعف الإمكانيات.

وحول مدى خطورة المادة، قال الرملاوي إنه لا يستبعد استخدام الاحتلال مواد كريهة الرائحة أو سامة، لكنه شدد على أن تحديد خطورتها وتركيبتها لا يمكن أن يتم من خلال الرائحة وحدها.

وأوضح: “لا نستطيع تشخيص مدى خطورتها أو طبيعة مكوناتها بشكل دقيق، إلا بعد إخضاع المادة للفحص بهدف معرفة نوعها وتركيبتها وتركيزها”.

وأشار المسؤول الصحي إلى أن تأثير أي مادة تنتشر في الهواء يرتبط بنوعها وتركيزها ومدة التعرض لها، مبينًا أن بعض المواد قد تسبب تهيج العينين والجهاز التنفسي، والسعال أو الغثيان أو الصداع، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي.

أما بشأن احتمال أن تكون المادة سامة، فقال الرملاوي بوضوح: “هذا الاحتمال لا نستطيع نفيه أو تأكيده بدون تحليل مخبري”.

وفي الوقت نفسه، طرح احتمالًا آخر لطبيعة الاستخدام، قائلًا إنه لا يستبعد أن يكون الهدف الأساسي من إطلاق المادة “إنتاج رائحة كريهة جدًا وإزعاج الناس وتكدير حياتهم، أكثر من كونها مادة سامة بالمعنى الكيميائي”.

هل هي مادة “Skunk”؟

وأعاد ما جرى في غزة إلى الواجهة الحديث عن مادة تعرف باسم “Skunk” أو “سائل الظربان”، وهي مادة ذات رائحة شديدة النفاذية استخدمتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في سياقات سابقة.

وقال الرملاوي إن استخدام هذه المادة سبق توثيقه خلال مسيرات العودة على حدود قطاع غزة عامي 2018 و2019، مشيرًا كذلك إلى وجود معلومات عن تطوير وسائل لإطلاق مواد من هذا النوع بواسطة طائرات مسيّرة.

لكنه شدد على أن ذلك لا يعني أن المادة المستخدمة في الواقعة الأخيرة هي نفسها “Skunk”، وقال إن “من غير المعروف حتى الآن طبيعة المادة التي استخدمها الاحتلال مؤخرًا، وهل هي نفسها الـSkunk أم مادة ثانية”.

وهذه النقطة تحديدًا تبقى جوهرية في التعامل مع الواقعة؛ فوجود سوابق لا يكفي لإثبات أن المادة المستخدمة حاليًا هي ذاتها، في غياب عينة وتحليل مخبري.

تجربة سابقة مع “سلاح الروائح”

وتشير مصادر إلى أن استخدام الروائح النفاذة ليس جديدًا في التعامل الإسرائيلي مع الاحتجاجات الفلسطينية، إذ وثقت منظمة العفو الدولية استخدام الشرطة الإسرائيلية مادة “الظربان” شديدة الرائحة في تفريق متظاهرين بحي الشيخ جراح في القدس عام 2021، كما أشارت إلى استخدامها في سياقات مرتبطة بمسيرات العودة في قطاع غزة عام 2018.

وتحدثت تقارير سابقة عن استخدام المادة بوسائل مختلفة، بينها شاحنات رش وخراطيم، كما أشير إلى وسائل جوية مسيّرة لإيصالها في بعض الحالات.

لكن هذه السوابق، رغم أهميتها في وضع الظاهرة ضمن سياق أوسع، لا تحسم طبيعة المادة التي انتشرت مؤخرًا في أجواء غزة.

من السماء إلى الخيام

وتزداد حساسية الواقعة في قطاع غزة بسبب أوضاع النزوح، إذ يعيش عدد كبير من السكان داخل خيام ومآوٍ مؤقتة لا توفر حماية كافية من الروائح أو المواد المحمولة في الهواء.

وتحدثت إفادات ميدانية عن وصول الرائحة إلى الخيام والمنازل، فيما وصف سكان انتشارها بأنه سريع ومزعج، ما زاد حالة القلق لدى العائلات التي تعيش أصلًا في ظروف صحية وبيئية بالغة الصعوبة.

ونقلت تقارير عن الظاهرة أن الروائح لم تبقَ محصورة في نقطة واحدة، بل وصلت إلى مناطق مختلفة، وأن السكان واجهوا صعوبة في تحديد مصدرها، بينما ترافقت الإفادات مع حديث عن أجسام و”فقاعات” في الأجواء.

بين الرائحة والخطر الصحي

وبينما يتداول ناشطون وسكان فرضيات مختلفة بشأن طبيعة المواد، فإن التقييم الصحي يحتاج إلى أكثر من مجرد رائحة أو مشاهدة جسم في السماء.

فالرملاوي يؤكد أن تحديد مستوى الخطر يتطلب معرفة نوع المادة وتركيبتها وتركيزها ومدة التعرض لها، فيما لم تتوفر حتى الآن، بحسب إفادته، عينات كيميائية تسمح بإجراء هذا التحديد.

وتشير التقارير كذلك إلى أن قطاع غزة شهد في وقت سابق استخدام وسائل أخرى ذات روائح نفاذة، من بينها ما وُصف بـ”المياه العادمة المصنعة”، التي ارتبط استخدامها في الضفة الغربية والقدس بآثار بيئية وصحية مزعجة.

كما نقلت عن المستشار في صحة البيئة والسموميات رمزي صنصور قوله في حديث سابق إن المادة المستخدمة في تلك الحالات كانت قريبة من المياه العادمة، وإن عدم توفر عينات مخبرية حال دون تحديد تركيبها بصورة قاطعة.

أسئلة مفتوحة

وبينما تتكرر شهادات السكان عن الروائح ومشاهدات الأجسام التي قيل إنها ألقيت من مسيّرات إسرائيلية، تبقى عدة أسئلة بحاجة إلى إجابات علمية وميدانية: ما طبيعة المادة؟ وما مكوناتها؟ وهل هي فعلًا مادة “Skunk” أم مركب آخر؟ وهل يقتصر تأثيرها على الرائحة والإزعاج، أم يمكن أن تكون لها آثار صحية أخرى؟

وحتى الآن، لا يوفر المتاح من المعلومات أساسًا علميًا للجزم بأن المادة سامة، كما لا يسمح بنفي ذلك دون تحليل مخبري. ولذلك يبقى جمع العينات وفحصها وتوثيق أماكن سقوطها والآثار الصحية التي ظهرت على السكان، الخطوة الأهم لحسم طبيعة هذه الظاهرة.

وبينما يعيش سكان غزة تحت وطأة الحرب والدمار والنزوح، تضيف الروائح المجهولة والمواد التي يُقال إنها تُلقى من الجو طبقة جديدة من القلق؛ فالناس لا يعرفون فقط ما الذي يشمونه، بل أيضًا ما الذي دخل إلى هوائهم.

Exit mobile version