ثقافة

في ذكرى ميلاده.. منح جائزة  محمود درويش لنعوم تشومسكي..

في ذكرى ميلاده.. منح جائزة  محمود درويش لنعوم تشومسكي..

منحت مؤسسة محمود درويش في ذكرى ميلاده، أمس، في يوم الثقافة الوطنية الذي يصادف الثالث عشر من شهر آذار من كل عام، جائزة محمود درويش للثقافة والإبداع في دورتها الحادية عشرة للعام 2020، ووفق قرار وفد لجنة الجائزة في ختام مداولاتها برئاسة الروائي والناقد المغربي د. محمد برّادة، إلى كلٍّ من: المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، والشاعر والمترجم المغربي عبد اللطيف اللعبي والشاعر والباحث الفلسطيني زكريا محمد، كما منح المجلس التنفيذي للمؤسسة جائزة الشرف الخاصة للشاعر اللبناني شوقي بزيع، لافتة إلى أن التزام المؤسسة بحالة الطوارئ التي أعلنها الرئيس محمود عباس، وما رافقها من قرارات الحكومة الفلسطينية في إطار التصدي لانتشار وباء “كورونا” هو ما حال دون تنظيم الحفل السنوي المعتاد لإعلان الجائزة لهذا العام، في مساء اليوم الذي يصادف ذكرى مولد درويش، ومن متحفه في رام الله، الذي سبق وأعلن عن إغلاق أبوابه أمام الزوار والفعاليات، التزاماً بالقرارات آنفة الذكر.

نعوم تشومسكي

وفي معرض تفسير لجنة الجائزة لمسوغات منحها هذه الجوائز، أشارت إلى أن المفكر العالمي نعوم تشومسكي، الذي يُعدّ الأب لعلم اللسانيات الحديث وصاحب نظرية “النحو التوليدي”، اشتهر بشجاعته وعناده في الدفاع عن حرية الإنسان وكرامته في وجه الظلم والاستبداد، وعلى الأخص موقفه المناهض للاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية، ومواقفه المبدئية التقدميّة، ضد الاستبداد والعنصرية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من رسالته الإنسانية العامة.

وعلاوة على إسهاماته المتعددة في مجال النظريات اللغوية في القرن العشرين، يعتبر منشئ نظرية “تسلسل تشومسكي” الخاصة بالتحليل اللغوي. أما في المجال السياسي، فاهتم تشومسكي مبكراً بالفلسفة الفوضوية، وتوسَّع في انتقاد الرأسمالية الليبرالية أو ما يسميه “الليبرالية المتوحشة”، ولذلك فإنه لا يتردد في وصف نفسه بـ”النقابي الفوضوي” و”الليبرالي الاشتراكي”.

وشكَّل مع رفيق دربه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد فريقاً ثنائياً أخذ على عاتقه الدفاع عن قضية الشعب الفلسطيني على المنابر الأكاديمية والفكرية، وقدّما أروع المواقف في نقد الصهيونية ومخططاتها الاستعمارية، مقدمَيْن بذلك أمثلةً حيةً على أهمية القلم والفكر ودورهما في تغيير ما تعجز عنه أسلحة الدمار.

حصل تشومسكي على العديد من الجوائز والأوسمة، وله أكثر من مئة كتاب حول اللغة ووسائل الإعلام والسياسة والحروب، من أهمها كتابٌ صدر العام 1966 بعنوان “مواضيع في نظرية القواعد التوليدية”، و”اللغة والعقل” العام 1968، فيما أصدر العام 1969 أول كتاب سياسي بعنوان “سلطة أمريكا والبيروقراطيون الجدد”، إضافة إلى كتبه: “حياة منشق”، و”الحادي عشر من سبتمبر”، و”هيمنة الإعلام”، و”القوة والإرهاب”، وغيرها الكثير.

عبد اللطيف اللعبي
وأشارت اللجنة إلى أن الشاعر والمترجم المغربي عبد اللطيف اللعبي، والذي يقدمُ مـساره صورةً قـويةً عن حضور الشاعـر داخل مجتمعه، وعن الشعـر مُحاوراً للآخـر، ومُسائلاً باستمرار لـذاته وتحولاتها في خضم عالمٍ يـفتقر إلى السلام والإخوة، كان من أوائل مَن ترجموا للشاعر الكبير محمود درويش ولآخرين.

ومنـذ مطـلع شبابه، تـعـلَّـق قـلبُ عبد اللطيف اللّـعبي بالشعر وبمُـمارسة الحرية: الشعر لاستكشافِ ما يـنطوي عليه العالمُ مـن حقائق وأسـرار، والحـرية لـبَـلوَرةِ ما تُـخـبّـئه الذاتُ مِنْ رَغـبات واشتـهاءاتٍ وطموحٍ إلى التحقق وتـأكيـدِ الـوجود.

وإلى جانب كتابة الشعر والرواية والتأملات، استطاع اللّـعبي أن يـمدّ جـسْـراً بين شعراء كتبوا بالعربية وجمهورٍ مُحـتـملٍ يقـرأ الفرنسية. فـكان أولَ مَـنْ تـرجم لمحمود درويش، ثم لشعراء وشاعرات آخرين من فلسطين وأقطارٍ عربيةٍ أُخـرى.

زكريا محمد
أما الشاعر والباحث الفلسطيني زكريا محمد، فرأت اللجنة أنه يُعد من أبرز الشعراء العرب المعاصرين، وأنه وصل بالنص الشعري، وبخاصة قصيدة النثر، إلى آفاق جديدة، وتحمل نصوصه الشعرية والنثرية بُعداً أنطولوجياً وجودياً فريداً، يقع سؤال الموت والحياة في بؤرته الأساسية، ويمثل استعارته الكبرى.

ومنذ القصائد الأولى التي نشرها زكريا محمد في الصحف العربية أواخر السبعينيات، لفت الانتباه إلى نبرةٍ شعريةٍ جديدةٍ مُتفردة بعيدة كل البعد عن الأصوات الكبرى السائدة في المشهد الشعري العربي آنذاك، بل يمكن القول، إن زكريا محمد أصبح، دفعةً واحدةً، صوتاً شعرياً مُكرساً ومؤثراً في مُجايليه من الشعراء؛ حيث الصوت الشعري الفردي يقف في مواجهة كونٍ واسعٍ بمجراته وفصوله وجماداته وكائناته الحيّة، وفي الوقت نفسه يظل شديد الانغراس في اليومي، وهو مزيجٌ يمارس دوماً تأثيراً ذهنياً ووجدانياً فريداً وشديد الأسر على المتلقي.

كما أن زكريا محمد أيضاً أديبٌ شاملٌ متعدد الاهتمامات؛ فهو روائيٌّ نشر روايتين هما “العين العمياء” و”عصا الراعي”، ومؤلف قصص أطفال مدهشة تكسر السائد وتعيد قراءة الموروث الشعبي من زاوية جديدة خلاقة، وكاتب مقالات فريدة، وباحث في اللغة والتراث والأسطورة، ورسامٌ ونحات، وشخصٌ شديد الانهماك في الشأن العام وبالغ الشجاعة في التعبير عن رأيه وموقفه، مثلما هو بالغ الشجاعة، في الوقت عينه، في إعادة النظر في رأيه الخاص نفسه إذا بدا له وجهٌ آخرُ جديدٌ من الحقيقة.

جائزة الشرف لشوقي بزيع
وقد منحت المؤسسة جائزة الشرف الخاصة للشاعر اللبناني شوقي بزيع الذي تُقدم تجربته نموذجاً إبداعياً يتمتع بالفرادة والعمق، يتواءم فيها البناء الغنائي المحكم المعتمد على بنيةٍ إيقاعيةٍ صافية، والتركيب الحداثي للصورة والمشهديات المنفتحة على قضايا الراهن المَعيش، ولما تمثله هذه التجربة من انحيازٍ شجاعٍ لهموم شعبه في لبنان وتطلعاته، وما عبرت عنه من التزامٍ عميقٍ بنضال الشعب الفلسطيني كقيمةٍ وطنيةٍ وإنسانيةٍ وأخلاقية.

وفي هذه المناسبة، أكدت مؤسسة محمود درويش أهمية دور المبدعين فلسطينياً وعربياً وعالمياً بإعلاء صوت الحرية والتحرر والكرامة والعدالة ومواجهة الظلم والاستبداد والعنصرية، وذلك انحيازاً للرسالة التي كرّس محمود درويش حياته وإبداعه من أجلها.

وتألفت لجنة الجائزة من كلٍّ من: د. محمد برادة رئيساً، وعضوية: د. رياض كامل، ود. اعتدال عثمان، ود. المنصف الوهايبي، ود. إبراهيم أبو هشهش، وإلياس فركوح، ود. عادلة العايدي هنية.

Comment here