
المركز الفلسطيني للإعلام
“حاضر.. راح أجيبلك الدراجة”، كانت تلك إجابة عبد الله غالية كلما طلب منه طفله سعدي دراجة صغيرة. وعدٌ عادي بين أب وطفله، لكنه صار بعد ليلة واحدة آخر ما بقي للأب من حديث مع ابنه ذي الأعوام الثلاثة.
في مساء الأحد، كان سعدي بين أفراد عائلته داخل غرفة في مدرسة خولة بنت الأزور، شرقي دير البلح، حيث لجأت الأسرة بعد أن دُمّر منزلها في بيت لاهيا شمال قطاع غزة.
تناولوا عشاءً بسيطًا من علب الفول، وشربوا الشاي، ثم ذهب الأطفال إلى النوم، من دون أن يعرف أحد منهم أن تلك ستكون آخر ليلة لسعدي.
كان الطفل ينام في مكانه المعتاد، فيما هدأت المدرسة التي تؤوي عشرات العائلات النازحة. لا أصوات إطلاق نار في تلك اللحظات، ولا ما يوحي بأن دقائق قليلة تفصل الأسرة عن كارثة.
ثم، في منتصف الليل، تبدّل كل شيء.
يقول والده إن صوت ارتطام جسم ثقيل بالحائط أيقظهم فجأة، قبل أن تتطاير الحجارة ويمتلئ المكان بالغبار، ويتعالى صراخ الأطفال.
لم يكن الأب قادرًا على التحرك بسهولة، بعدما خضع قبل أيام لإجراء طبي ضمن علاجه من إصابة أصيب بها خلال الحرب في بيت لاهيا. ومن فراشه، رأى قذيفة مدفعية كبيرة تدور داخل الغرفة، فدخل في حالة من الذعر وبدأ يصرخ طالبًا مساعدة النازحين في المدرسة.
دخل عدد من النازحين إلى الغرفة، لكن المشهد كان قد حسم كل شيء، كان سعدي قد استشهد في مكانه، غارقًا في دمائه، فيما أصيب إخوته الثلاثة، ووجدت العائلة نفسها وسط الغبار والركام والخوف، أمام قذيفة لم تنفجر.
وبحسب رواية شاهد عيان، نائل الكيلاني، هرع النازحون إلى الغرفة بعد سماع صوت القذيفة، وأخرجوا المصابين بسرعة، بينما ظل الخوف يسيطر عليهم خشية انفجار القذيفة داخل المدرسة.
في رواية أخرى لوالد سعدي، وصفت اللحظات الأولى بعد القصف بأنها استيقاظ على صوت الانفجار والدخان، ثم اكتشاف أن القذيفة أصابت ابنه مباشرة، وأن الطفل فارق الحياة قبل أن يستوعب أحد أفراد الأسرة ما حدث.
من بيت لاهيا إلى مدرسة النزوح
لم تكن عائلة غالية قد وصلت إلى دير البلح بحثًا عن حياة أفضل. كانت تبحث فقط عن مكان تعتقد أنه أكثر أمانًا.
بعد تدمير منزلهم في بيت لاهيا، غادرت الأسرة شمال القطاع في مايو/أيار، واتجهت إلى مدرسة تؤوي نازحين في دير البلح، على أمل أن تحمي جدران المدرسة الأطفال من القصف، لكن المدرسة نفسها تحولت إلى مكان للخطر.
يقول والد سعدي إن العائلة اعتقدت أن وجودها في المدرسة سيمنحها فرصة للتحرك إذا طرأ أي خطر، خصوصًا مع ندرة أماكن النزوح. إلا أن القذيفة وصلت إلى الغرفة التي ينام فيها الأطفال، فقتلت سعدي وأصابت إخوته.
المفارقة الأقسى أن العائلة، رغم كل ما حدث، لا تملك مكانًا آخر تذهب إليه.
يقول عبد الله إنه يخاف الآن أكثر على أطفاله، لكنه لا يستطيع العودة إلى شمال القطاع، ولا يملك القدرة على نقل أمتعته وتجهيز مكان جديد للعيش، فيما لا يبدو أن هناك مكانًا آمنًا يمكن اللجوء إليه.
وعدٌ بقي بعد الطفل
لم تكن الدراجة التي طلبها سعدي مجرد لعبة في ذاكرة والده بعد رحيله.
كانت وعدًا صغيرًا من أب لطفل في الثالثة، اعتاد أن يطلب منه شيئًا بسيطًا، وأن يسمع الإجابة نفسها: “راح أجيبلك الدراجة”.
لكن سعدي لم ينتظر الدراج، في تلك الليلة، نام الطفل في غرفة نزوح ضيقة، إلى جوار عائلته، بينما كانت الأسرة تعتقد أنها وجدت مكانًا يحميها. وعندما دوّى الانفجار، لم يكن هناك وقت لطفل في الثالثة من عمره كي يهرب، أو ليسأل والده عن الدراجة التي وعده بها.
كان قد غادر الحياة قبل أن يستيقظ.
وبقي الأب، وسط مدرسة تعج بالنازحين، يحمل وعدًا لم يعد قادرًا على الوفاء به.
لا مكان آخر
بعد مقتل سعدي وإصابة إخوته، لم تغادر معظم العائلات المدرسة، رغم حالة الخوف التي عاشتها.
يقول نائل الكيلاني إن النازحين لا يملكون ببساطة مكانًا آخر يذهبون إليه، مشيرًا إلى أن الخطر سبق أن وصل إلى المدرسة أكثر من مرة، لكن العائلات بقيت فيها لأنها لا تجد بديلًا.
وهكذا لا تنتهي قصة سعدي عند القذيفة التي قتلته.
فوراء الطفل الذي كان يريد دراجة، عائلة اقتُلعت من بيتها في بيت لاهيا، وأب مصاب لا يستطيع الحركة بسهولة، وإخوة خرجوا من الغرفة مصابين، وعشرات العائلات التي بقيت في المدرسة رغم الخوف؛ لأن الرحيل نفسه يحتاج إلى مكان يمكن الذهاب إليه.
في دير البلح، بقيت الغرفة شاهدة على ليلة قصيرة انتهت بحياة طفل في الثالثة.
أما الوعد الذي قطعه الأب لابنه، فبقي معلقًا بين أب ينتظر أن تنتهي الحرب، وطفل لم يعد ينتظر شيئًا.

