
خاص المركز الفلسطيني للإعلام
مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية المزمع إجراؤها في 27 من تشرين أول (أكتوبر) القادم، تتسارع خطى اليمين الإسرائيلي لإسدال الستار على أبرز ملفات القضية الفلسطينية وأعمقها أثرًا على مستقبل الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدساته، ألا وهو ملف الضفة الغربية، الذي يمثّل حجر الزاوية في الصراع العربي – الإسرائيلي، لا سيّما بعد السابع من أكتوبر 2023؛ حيث تسعى حكومة الاحتلال إلى إنهاء هذا الملف بقرارات حاسمة تُنهي الوجود الفلسطيني على الأراضي المحتلة، لتصبح إسرائيلية خالصة.
وتخوض حكومة بنيامين نتنياهو معركة ضارية متعددة العوامل لإقرار أمر واقعٍ تتحول بموجبه الضفة الغربية إلى أراض خاضعة للسلطة (المدنية) الإسرائيلية، وتتمثل جوانب هذه المعركة المساعي السياسية، والتشريع القانوني، والعمل الميداني على الأرض من خلال إطلاق العنان للمستوطنين بتنفيذ هجمات ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.
عنف المستوطنين
يتزامن هذا مع تصاعد هجمات المستوطنين وجرائمهم بحق المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية من حيث كم الاعتداءات وكذلك اتساع رقعتها جغرافيًّا، وفي ظل حماية حكومة الاحتلال الحالية تضاعف عنف المستوطنين بطريقة غير مسبوقة ضد المدنيين الفلسطينيين؛ وشمل عمليات القتل والطعن والضرب، والاعتداء على الأطفال، وحرق الممتلكات والمركبات والأراضي الزراعية والمساجد والمنشآت وتخريب الآبار واقتلاع الأشجار، والاستيلاء على المراعي، فيما أصدر وزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير عشرات الآلاف من تصاريح حمل السلاح للمستوطنين، وكثير منهم جنود احتياط.
وعادة ما توجد قوات الاحتلال، ولا تتدخل إلا لضبط النسق المقبول للعدوان، أو لحماية المستوطنين المعتدين في حالة دفاع الفلسطينيين عن أنفسهم، كما تنفذ إجراءات عقابية وانتقامية من الفلسطينيين، كما حدث في حوارة وتل وقصرة وغيرها.
وفي ظل هذا العنف أنشئت أعداد كبيرة من البؤر الاستيطانية، وتوسع الاستيطان الرعوي بشكل هائل. وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فقد نفذ المستوطنون 1828 هجومًا عام 2025 استهدف 280 تجمعًا فلسطينيًّا، مقارنة بـ 1420 هجومًا عام 2024، و1189 هجومًا في عام 2023.
وفي مايو/أيار 2026 ذكرت أوتشا أن معدل الهجمات ارتفع إلى 6 هجمات يوميًّا. ومنذ يناير/كانون الثاني 2023 وحتى يوليو/تموز 2026 تعرض 121 مجتمعًا فلسطينيًّا في الضفة لنزوح كلي أو جزئي بسبب الهجمات.
وبعد استيلاء المستوطنين على الأراضي، يأتي دور سلطات الاحتلال لتوفر الحماية للبؤر الاستيطانية، ثم إنشاء الطرق والبنى التحتية، ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، والضغط عليهم أمنيًّا واقتصاديًّا ومعيشيًّا لفرض أجواء نزوح وتهجير عليهم، ثم المضي في “شرعنة ” البؤر وإعطائها طابعًا رسميًّا.
خطة كاتس
وقد أوعز وزير حرب الاحتلال يسرائيل كاتس للجيش بإعداد خطة صلاحيات إنفاذ القانون والشئون المدنية الخاصة بالمستوطنين إلى الشرطة المدنية الإسرائيلية، وإنشاء قوة مخصصة لتولي هذه المهمة، ما يعني أن التعامل مع جرائم المستوطنين واعتداءاتهم لن يكون تحت مسئولية جيش الاحتلال، وإنما سيُعاملون معاملة المدنيين بعد أن تُنقل صلاحيات المسئولية عنهم إلى الشرطة الإسرائيلية، ما يعني إخلاء الجيش الإسرائيلي مسئوليته أمام القانون والمجتمع الدولي (كقوة احتلال) عن محاسبتهم.
صحيفة هآرتس الإسرائيلية نقلت عن مصادر عسكرية إسرائيلية أن هذا التوجه الذي بدأته الحكومة الإسرائيلية يتطلب تغييرات قانونية وقضائية جوهرية، بسبب أن الضفة -وفقًا للبنية القانونية الإسرائيلية القائمة- تخضع للحكم العسكري، لا للسيادة المدنية الإسرائيلية، ومن هنا تتجاوز خطوة كاتس مجرد إعادة توزيع الاختصاصات؛ إذ يعني المضي في هذا المسار نقل ملف المستوطنين إلى السلطة الأمنية تحت قيادة إيتمار بن غفير الذي رحّب بهذه الخطوة وأهميتها.
قرارات نفوذ استيطانية
بالتوازي مع تلك الخطوات، أقر الاحتلال الإسرائيلي وفي أواخر آب (أغسطس) الماضي 18 منطقة نفوذ استيطانية جديدة ومعدلة في الضفة الغربية، تشمل مناطق نفوذ لمستوطنات جديدة أقرها “الكابينيت”، وأخرى تهدف إلى تحويل بؤر استيطانية إلى مستوطنات مستقلة، إلى جانب تعديلات وتوسعات في مناطق نفوذ مستوطنات ومجالس استيطانية قائمة.
وقالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إن قراءة قرارات “مناطق النفوذ” تشير إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي توظف هذه المناطق بوصفها أداة مركزية من أدوات السيطرة المكانية، تتوسط المسافة بين الاستيلاء على الأرض والتخطيط والبناء الفعلي.
وأضافت الهيئة في بيان لها الأسبوع الماضي أن إقرار منطقة النفوذ يحدد الحيز الجغرافي الذي تمارس داخله المستوطنة أو المجلس الاستيطاني صلاحياته الإدارية والبلدية، ولا يترتب على القرار، بمفرده، نزع ملكية الأرض أو منح ترخيص فوري بالبناء، لكنه يشكل الأساس الإداري والتخطيطي للتوسع المستقبلي، إذ يحوّل الأراضي الداخلة في المنطقة إلى احتياطي تخطيطي للمستوطنة، ويتيح إعداد مخططات هيكلية وتفصيلية جديدة، وتوسيع شبكات الطرق والمياه والكهرباء والصرف الصحي، وربط المشاريع بالموازنات الحكومية، وصولا إلى طرح العطاءات وبدء البناء.
وفيما يتعلق بأراضي المواطنين المستهدفة في هذه المناطق، بينت الهيئة أن إدخالها أو تطويقها ضمن مناطق النفوذ الاستيطانية، وإن لم يسلب ملكيتها بصورة تلقائية، يضعها تحت ضغط تخطيطي وإداري متزايد، ويقيد إمكانات البناء والزراعة والوصول إليها وتطويرها فلسطينيًّا.
وأشارت الهيئة إلى أن هذا القرار يُمهّد لاستخدام أدوات أخرى لاحقة، مثل إعلان الأراضي “أراضي دولة”، أو الاستملاك، أو أوامر وضع اليد، أو تخصيص الأراضي للمجالس الاستيطانية، وإلى أن منطقة النفوذ، في كثير من الحالات، تتجاوز المساحة المبنية فعليا للمستوطنة بأضعاف، بما يكشف أن الغاية ليست تنظيم الوضع القائم، وإنما حجز الأرض مسبقا للتوسع المستقبلي على حساب أراضي المواطنين والقرى الفلسطينية المحيطة.
إعادة رسم جغرافيا الضفة
وأوضحت أن هذه السياسة لا تقتصر على زيادة عدد المستوطنات، بل تعيد ترسيم الجغرافيا الإدارية للضفة الغربية، وتربط المستوطنات القائمة بالبؤر الجديدة، وتغلق مساحات إضافية أمام التطور العمراني والاقتصادي الفلسطيني.
وبينت أن هذه القرارات تكشف ثلاثة تحولات مكانية شديدة الدلالة؛ ففي “أورانيت”، تتجه منطقة النفوذ شمالا متجاوزة مسار جدار الفصل، بما يكشف أن الجدار ليس حدًّا ثابتا، بل أداة قابلة للتجاوز والتعديل وفق متطلبات التوسع الاستيطاني، وفي “إفرات” يستهدف التوسع منطقة خلة النحلة، المسماة إسرائيليا “غفعات هعيتام” أو E2، وهي من آخر احتياطات التوسع الفلسطينية جنوب بيت لحم، أما في “كرني شمرون”، فيهيئ تعديل منطقة النفوذ لتوسيع مشروع “دوروت” وربطه بخطط إسكانية وبنية تحتية واسعة.
وأكدت الهيئة أن حزمة القرارات الجديدة تشير إلى انتقال المشروع الاستيطاني من مرحلة قرارات الإقامة والاعتراف السياسي إلى مرحلة الترسيم الإداري للأرض؛ فقرار “الكابينيت” يمنح المستوطنة الصفة السياسية، وأمر منطقة النفوذ يمنحها الحيز المكاني والإداري، ثم تأتي المخططات والطرق والموازنات لتحويلها إلى واقع دائم.
وأشارت معطيات الرصد والتوثيق لدى هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، إلى اعتماد 67 منطقة نفوذ جديدة ومعدلة خلال عام 2026، بلغت المساحة الكاملة لمضلعاتها 138,076.389 دونماً، وتوزعت على 4 دفعات: منطقة واحدة في 4 كانون الثاني، و16 منطقة في 5 آذار، و27 منطقة في 31 أيار، و23 منطقة في 25 آب.
ويكشف تركز 50 منطقة، بمساحة 101,556.853 دونماً، في دفعتي أيار وآب وحدهما، أن العملية اتخذت شكل موجات واسعة ومتزامنة، تتجاوز التعديلات البلدية المنفردة باتجاه إعادة تنظيم الخريطة الاستعمارية على مستوى الضفة الغربية.
مخطط E1
وفي ملف الاستيطان، قالت الهيئة إن مخطط E1 أعاد ربط التخطيط الاستيطاني بمشروع جغرافي يفصل القدس الشرقية المحتلة عن عمقها الفلسطيني، ويشد كتلة “معاليه أدوميم” إليها، واعتبرت أن قرارات الاعتراف بالمستوطنات الجديدة وتوسيع الصلاحيات الإسرائيلية إلى المناطق المصنفة “أ” و”ب” استكملت هذه الحلقة، عبر تسلسل يبدأ بإزالة المانع القانوني، ثم إنشاء أداة الإدارة، وفرض الواقع المكاني، وصولًا إلى منحه الاعتراف والتخطيط والاختصاص الدائم.
ومنذ تشكيلها أواخر العام 2022، أقرت الحكومة الحالية، برئاسة بنيامين نتنياهو، إقامة 104 مستوطنات جديدة، فيما أقامت فعليًا 160 بؤرة استيطانية زراعية بالضفة الغربية.
وتابعت الهيئة أن تمكين المستوطنين، وتوسيع صلاحيات الوزارات الإسرائيلية داخل الضفة، وفتح مسارات “تسوية” وتسجيل الأراضي، وتوسيع الضم إلى المناطق المصنفة “أ” و”ب”، والدفع بمخطط E1، وإقرار عشرات المستوطنات الجديدة، تمثل حلقات مترابطة تعيد توزيع السيطرة على الأرض والموارد والتخطيط.
وقالت إن هذه الإجراءات “تنقل المشروع الاستيطاني من مجرد التوسع المكاني إلى إعادة تعريف منظومة الحكم ذاتها، بما يرسخ وقائع طويلة الأمد تسبق أي إعلان رسمي شامل للضم”.
وأضافت ن تحديد منطقة النفوذ لا يقتصر على رسم حدود إدارية للمستعمرة، بل يمنحها مجالاً احتياطياً للتوسع، ويتيح إعداد المخططات الهيكلية والتفصيلية، وتطوير الطرق والبنية التحتية، وتخصيص الأراضي للمباني العامة والمناطق التجارية والصناعية، وصولاً إلى طرح العطاءات وإقامة الوحدات الاستعمارية. وبذلك تتحول الأرض الواقعة داخل هذه الحدود، حتى إن بقيت غير مبنية مؤقتاً، إلى مجال خاضع لمنطق التخطيط الاستعماري ومقيد أمام التطور الفلسطيني.
وتابعت: “ولا تقل خطوة تحديد مناطق النفوذ أو توسيعها خطورة عن إعلانات “أراضي الدولة” أو المصادرة أو إقرار المخططات والعطاءات، لأنها ترسم الإطار المكاني الذي تتحرك داخله هذه الإجراءات مجتمعة، وتقدم ملمحاً مبكراً للصورة المستقبلية للمشروع الاستعماري. ومن خلال قراءة اتجاهات مناطق النفوذ واتصالها بالطرق والمستعمرات القائمة والمواقع الاستعمارية الجديدة، يمكن استشراف التكتلات التي تعمل سلطات الاحتلال على تشكيلها، والفراغات التي تسعى إلى ملئها، والمحاور التي تريد وصلها، والتجمعات الفلسطينية المهددة بالحصار والعزل. وعليه، فإن خريطة مناطق النفوذ ليست وصفاً للواقع القائم فحسب، بل خريطة استباقية لما تخطط سلطات الاحتلال لفرضه على الأرض مستقبلاً”.
وإجرائياً، تمثل “منطقة النفوذ” المضلع الجغرافي الذي تُمارس داخله المجالس الاستعمارية صلاحياتها البلدية والإدارية، بما يشمل تقديم الخدمات وإدارة الموارد والطرق وفرض الأنظمة المحلية، كما تشكل الإطار المكاني الذي يمكن دفع التخطيط والتطوير داخله.
حلقات مترابطة
وأشارت الهيئة إلى أن تمكين المستوطنين، وتوسيع صلاحيات الوزارات الإسرائيلية داخل الضفة، وفتح مسارات “تسوية” وتسجيل الأراضي، وتوسيع الضم إلى المناطق المصنفة “أ” و”ب”، والدفع بمخطط E1، وإقرار عشرات المستوطنات الجديدة، تمثل حلقات مترابطة تعيد توزيع السيطرة على الأرض والموارد والتخطيط.
وقالت إن هذه الإجراءات “تنقل المشروع الاستيطاني من مجرد التوسع المكاني إلى إعادة تعريف منظومة الحكم ذاتها، بما يرسخ وقائع طويلة الأمد تسبق أي إعلان رسمي شامل للضم”.
التركيز الإسرائيلي على الضفة الغربية والإسراع في ضمها إلى سلطة الاحتلال، لم يبدأ حديثًا وإنما تزامن صعوده مع تشكيل حكومة نتنياهو أواخر عام 2022؛ حيث تقول الهيئة إن ما شهدته الضفة منذ أواخر 2022 يمثل “مسارًا تراكميًا ومترابطًا لإعادة هندسة منظومة الحكم والإدارة والتشريع، بما يخدم مشروع الضم والتوسع الاستيطاني الإسرائيلي”.
مخطط اليمين
ومنذ اليوم الأول لتشكيل هذه الحكومة اليمينية الحالية، تحولت الضفة الغربية إلى “ورشة عمل ” تستنفر فيها كافة الإمكانات الإسرائيلية لحسم مصيرها، وفرض الرؤية الصهيونية الدينية والقومية المتطرفة، ومحاولة إنهاء أي “حلم ” فلسطيني أو عربي أو دولي بحل الدولتين، بحسب ما قاله الكاتب الفلسطيني الدكتور محسن صالح.
ويرى صالح في مقال له على شبكة الجزيرة، أن هذه الحالة المنهجية من “التكامل الوظيفي ” بين الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين، تتم بتنسيق لا يأخذ شكلا رسميًّا معلنًا (حتى تتنصل الحكومة من المسؤولية القانونية)، ولكنه يأخذ شكلًا فعّالًا لـ “التمكين ” للمشروع الصهيوني.
ويضيف: “إنها ليست مجرد مبادرات استيطانية يقوم عليها متحمسون أو متعصبون، ولا أوامر عسكرية يجتهد فيها ضباط ميدانيون؛ وإنما هي “منظومة دولة ” يتكامل فيها الفعل الرسمي وغير الرسمي (Formal informal complementarity)؛ وصولًا إلى تحقيق الضم العملي للأرض (De Facto Annexation)، بانتظار الوقت المناسب لتحويله إلى ضم رسمي.
ويقول الكاتب والباحث الفلسطيني إن استراتيجية الحكومة الإسرائيلية لـ “حسم الصراع ” في الضفة الغربية لها عدة محاور، أبرزها التوسع الاستيطاني الفعال، وتغيير الجغرافية السكانية للضفة الغربية.
واستدلّ على ذلك بالنظر إلى الفارق الهائل بين ما قامت به الحكومات الإسرائيلية مجتمعة منذ اتفاقات أوسلو عام 1993 وعلى مدى ثلاثة عقود حتى نهاية عام 2022 من إقرار 6 مستعمرات جديدة في الضفة (حيث كانت تتبنى سياسات “تسمين ” وتوسيع المستعمرات القائمة)، بينما أقرت الحكومة الحالية وخلال ثلاث سنوات ونصف (مطلع عام 2023 حتى يوليو/تموز 2026) ما مجموعه 104 مستوطنات جديدة منها 51 مستوطنة جديدة بالكامل و35 بؤرة استيطانية غير مرخصة جرى تحويلها لمستوطنات مستقلة، و17 حيًّا تابعًا لمستوطنات قائمة تحولت إلى مستوطنات مستقلة، مع قرار إضافي في الشهر نفسه بمستوطنة جديدة.
أما البؤر الاستيطانية الجديدة -يتابع صالح- فبلغت 212 بؤرة استيطانية منذ بداية الحكومة الحالية وحتى نهاية أبريل/نيسان 2026 انضمت إلى 151 بؤرة كانت قائمة قبل ذلك (المجموع 363 بؤرة استيطانية) وبمعدل سنوي يبلغ نحو 64 بؤرة، بينما كان المعدل السنوي في الفترة 1996 و2022 أقل من 7 بؤر سنويًّا.
وكان الوجه الأخطر للتوسع الاستيطاني هو تلك البؤر الزراعية الرعوية التي استخدمت كآلية متوحشة للسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي وبعدد قليل من المستوطنين تحت حماية الجيش؛ حيث أصبحت هذه البؤر والمستوطنات الرعوية تسيطر على نحو مليون و100 ألف دونم (1100 كيلومتر مربع، أي نحو 18% من مساحة الضفة) منها 750 ألفا تمت السيطرة عليها منذ وصول هذه الحكومة للسلطة، حسب مقال صالح.
ويسيطر الاحتلال على 85% من مصادر المياه في الضفة، وتقوم مئات الحواجز الإسرائيلية على الطرق بتقطيع أوصال الضفة، كما أن الجدار العنصري الذي بناه يعزل نحو 12% من مساحة الضفة، ويحيط تماما بشرقي القدس ويجعل التواصل مع الضفة أقرب إلى الخطوط الدولية.
دور سموتريتش
يمثل عنصر الزمن عاملًا حاسما في الصراع في جوهر رؤية سموتريتش؛ حيث إن كل توسع استيطاني، وشق للطرق، وتغيير في وضع الأراضي، يجعل إعادة رسم الخريطة أكثر صعوبة.
لذلك، تقول منظمة “النظر في عيون الاحتلال” (إسرائيلية يسارية): لا يمثل اختصار الإجراءات مجرد تبسيط بيروقراطي، بل جزء من المشروع السياسي نفسه: تسريع البناء وتغيير الواقع قبل أن تلحق به الاعتراضات والضغوط.
ومن هنا يمكن فهم التحول الذي أحدثه سموتريتش في منظومة الاستيطان، ما كان يستغرق سنوات بات يمكن إنجازه خلال أشهر، وما كان يحتاج إلى أشهر اختُصر إلى أيام في بعض مراحل المسار الإداري، وهكذا تحولت سياسة الاستيطان من قرارات متفرقة إلى منظومة أسرع وأكثر تنظيمًا، تجمع بين التخطيط والأرض والإدارة والقانون.
التوسع الاستيطاني
وحسب معطيات منظمات وهيئات توثيقية إسرائيلية، بلغ عدد المستوطنين في الضفة الغربية بما فيها شرقي القدس نحو 780 ألفا، بينهم 446.4 ألفا في الضفة و333.6 ألفا في القدس، فيما وصل عدد المستوطنات والبؤر إلى نحو 592 موقعا، بينها 192 مستوطنة رسمية و400 بؤرة.
وارتفع عدد البؤر، خصوصا الرعوية، بنحو 40% منذ تشكيل الحكومة الحالية، فيما صُنّف أكثر من 25.9 ألف دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع) كـ”أراضي دولة “، وباتت المزارع الرعوية تسيطر فعليا على أكثر من 1.1 مليون دونم، بينها نحو 750 ألف دونم خلال فترة الحكومة الحالية.
وفي قطاع البناء، تقدمت مخططات لأكثر من 40 ألف وحدة استيطانية، بالتوازي مع طرح عطاءات لآلاف الوحدات، وشرعنة أكثر من 100 بؤرة.
كما أقيمت 26 بؤرة على الأقل داخل المنطقة “ب”، بينما خصصت الحكومة نحو 847 مليون شيكل (الدولار يساوي 3 شواكل) ضمن التزامات متعددة السنوات لدعم الاستيطان والبنية التحتية، بينها مشاريع لشق أكثر من 223 كيلومترا من الطرق.
إعادة رسم الملكية
بالتوازي مع كل ما سبق، عمل سموتريتش على اختصار الطريق من المخطط الاستيطاني إلى البناء، والخطوة التالية تتجاوز البناء إلى إعادة تنظيم ملكية الأرض وتحديد أصحاب الحقوق فيها.
ففي عام 2026، انتقلت إسرائيل إلى بناء منظومة مؤسساتية ورقمية لإعادة تشغيل تسوية (تسجيل) الأراضي في الضفة الغربية، بعد أكثر من خمسة عقود على تجميدها رسميا.
وفي 15 فبراير/شباط الماضي، قررت الحكومة استئناف التسوية في المنطقة “ج” والتي تشكل 60% من الضفة وتخضع لسيطرة إسرائيلية؛ بهدف تسجيل ما لا يقل عن 15% من الأراضي غير المسواة بحلول عام 2030، بميزانية بلغت 244.1 مليون شيكل و35 وظيفة جديدة.
تزامنا مع ذلك، بدأت إقامة أدوات التنفيذ؛ ففي 25 مايو/أيار أطلقت الحكومة منصة رقمية لمعاملات الأراضي، وبعد ثلاثة أيام طرحت وزارة القضاء مناقصة لاختيار جهة تتولى إدارة عمليات التسوية في الضفة وشرق القدس، حسب موقع الحكومة الإسرائيلية.
وبذلك يلتقي المسار مع تحولات سموتريتش في ملف الاستيطان، فبينما يسرّع التخطيط والبناء والبنية التحتية تغيير الواقع على الأرض، تعيد تسوية الأراضي تحديد ملكيتها وتسجيل الحقوق فيها.

