Site icon Palestinealyoum

مجزرة مربع التاج.. 105 رفات تخرج من تحت الركام وتعيد فتح ملف المسؤولية

مجزرة مربع التاج.. 105 رفات تخرج من تحت الركام وتعيد فتح ملف المسؤولية

المركز الفلسطيني للإعلام

بعد نحو ثلاث سنوات من القصف، لم يكن انتشال رفات 105 شهداء من تحت أنقاض «مربع التاج» السكني في حي اليرموك بمدينة غزة مجرد نهاية لانتظار عائلات ظلت محرومة من دفن أبنائها، بل أعاد إلى الواجهة سؤالًا أكثر إلحاحًا: ماذا حدث في ذلك اليوم، ومن يتحمل المسؤولية عن استهداف مربع سكني كان يضم عشرات الوحدات والعائلات؟

فبينما أخرجت طواقم الدفاع المدني الرفات من تحت الركام، عادت تفاصيل المجزرة إلى سطح المشهد، ومعها شهادات الناجين وذوي الضحايا، والأسئلة المتعلقة بطبيعة الهدف العسكري المزعوم، وحجم القوة المستخدمة، ومدى مراعاة قواعد القانون الدولي الإنساني قبل تنفيذ الهجوم.

وفي قلب المشهد، كان الصحفي محمود هنية يحمل رضّاعة طفله عبيدة وبعض ألعابه، قبل أن يمسك بما تبقى من رفاته بعد انتشاله من الركام، في صورة تختصر مأساة عشرات العائلات التي انتظرت سنوات لاستعادة جثامين أبنائها.

سبع عمارات تحولت إلى ركام

بحسب شهادة هنية، كان «مربع التاج» يضم سبع عمارات سكنية و137 وحدة سكنية، قبل أن يتحول بفعل القصف إلى كتلة من الركام.

وقال هنية، وهو يستعيد صورة المكان وأفراد أسرته، إن ما بقي من طفله عبيدة، الذي كان يبلغ من العمر عامًا وشهرين، لا يقدم إجابة عن السؤال الذي ظل يلاحقه: ما الخطر الذي كان يمثله طفل في هذا العمر؟

وأضاف متسائلًا عن طبيعة الهدف الذي استوجب استهداف المنطقة بهذه الكثافة من المتفجرات، وعن السبب الذي أدى إلى سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا في مربع سكني كان يأوي عائلات مدنية.

وكانت من بين الرفات التي انتُشلت الصحفية دعاء شرف، زوجة الصحفي محمود هنية، وطفلهما عبيدة، في وقت أشارت فيه المادة إلى أن عدد الشهداء في المجزرة بلغ نحو 450 شخصًا.

وهكذا، لم يعد الركام مجرد أثر مادي للقصف؛ إذ تحول إلى سجل مفتوح لأسماء ضحايا لم تتمكن عائلاتهم من استعادة جثامينهم طوال سنوات.

ثلاث سنوات تحت الركام.. جريمة تتجاوز لحظة القصف

ويرى أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية الدكتور رائد أبو بدوية أن ما جرى لا يمكن اختزاله في عملية انتشال متأخرة، بل يمثل امتدادًا لمأساة بدأت لحظة تدمير المربع السكني واستمرت مع العائلات التي بقيت عاجزة عن استعادة جثامين أبنائها.

وقال أبو بدوية إن استهداف «مربع التاج» وقع في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وكان يضم، وفق تقديره، نحو 16 بناية و138 شقة سكنية، مشيرًا إلى استشهاد نحو 450 شخصًا في الهجوم.

وبهذا المعنى، فإن انتهاء القصف لم يكن نهاية الجريمة بالنسبة إلى عائلات الضحايا؛ فهناك من بقي تحت الركام، ومن ظل مجهول المصير، ومن عاش سنوات في انتظار لحظة يستطيع فيها دفن ابنه أو زوجته أو أحد أفراد أسرته.

ويشير أبو بدوية إلى أن حق العائلات في معرفة مصير ذويها ودفنهم بكرامة يمثل جزءًا أساسيًا من التعامل مع آثار الحرب، وأن التعامل مع المفقودين لا ينبغي أن ينفصل عن توثيق ما جرى والتحقيق في ظروف استهداف المكان.

السؤال القانوني: ماذا كان الهدف؟

مع انتشال الرفات، ينتقل ملف «مربع التاج» من سؤال الضحايا إلى سؤال المسؤولية.

ويؤكد أبو بدوية أن حجم المجزرة يثير أسئلة قانونية جدية تستوجب تحقيقًا مستقلًا في ظروف الهجوم ومدى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدئي التمييز والتناسب.

وهذان المبدآن يضعان على أي عملية عسكرية التزامات تتعلق بالتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، وبموازنة الضرر المتوقع على المدنيين مع الميزة العسكرية المتوقعة من الهجوم.

ومن هنا، فإن التحقيق لا يقتصر على تحديد عدد الضحايا، وإنما يفترض أن يبحث في طبيعة الهدف الذي استُهدف، والمعلومات التي كانت متاحة قبل الهجوم، والوسائل المستخدمة، والاحتياطات التي اتُخذت لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين.

وهذه الأسئلة، وفق طرح الخبير القانوني، لا يمكن حسمها بالبيانات السياسية أو الروايات المتبادلة، وإنما تحتاج إلى تحقيق مستقل وفعال يستند إلى الأدلة والشهادات والوقائع الميدانية.

من انتشال الرفات إلى حفظ الأدلة

ولا تتوقف أهمية انتشال جثامين الضحايا عند الجانب الإنساني، إذ إن بقايا المكان والرفات والشهادات المرتبطة به يمكن أن تشكل عناصر مهمة في توثيق ما حدث.

ولهذا دعا أبو بدوية إلى «تحرك دولي متكامل» يتعامل مع انتشال الجثامين، وكشف مصير المفقودين، وحفظ الأدلة، والتحقيق والمساءلة باعتبارها حلقات مترابطة لا يمكن فصل بعضها عن بعض.

ويبدأ هذا المسار، بحسب طرحه، بتوفير الإمكانات اللازمة للوصول إلى من لا يزالون تحت الركام، ثم التعرف إلى هوياتهم وتوثيق ما حدث، وصولًا إلى تحقيقات مستقلة وفعالة، ومساءلة من تثبت مسؤوليته وفق القانون.

فكل رفات تنتشل من تحت الأنقاض لا تمثل فقط نهاية رحلة بحث لعائلة، بل تضيف قطعة جديدة إلى صورة الحدث، وقد تساعد في الإجابة عن أسئلة بقيت معلقة منذ لحظة القصف.

هل ينتهي الملف عند دفن الشهداء؟

بالنسبة إلى عائلات الضحايا، قد يكون دفن الجثامين نهاية لسنوات من الانتظار، لكنه لا يعني بالضرورة إغلاق الملف.

فالمأساة، كما يوضح أبو بدوية، لا تتعلق فقط بمن بقي تحت الركام، وإنما أيضًا بالمسؤولية عن الهجوم والظروف التي أحاطت به، وما إذا كانت قواعد القانون الدولي الإنساني قد روعيت قبل تنفيذه.

ومن هنا، فإن قضية «مربع التاج» تضع المجتمع الدولي أمام مسارين متلازمين: مسار إنساني يبدأ باستعادة المفقودين ودفنهم بكرامة، ومسار قانوني يبدأ بحفظ الأدلة وفتح تحقيق مستقل وصولًا إلى تحديد المسؤوليات.

ويقول أبو بدوية إن القضية لم تعد مجرد انتشال للموتى أو إغلاق لملف المفقودين، وإنما جزء من معركة أوسع من أجل العدالة، معتبرًا أن جزءًا من هذه العدالة ما زال تحت الركام، فيما بقي جزء آخر في ذاكرة وقلوب الناجين.

من أرقام الضحايا إلى ملف المحاسبة

وبعد مرور ثلاث سنوات، تعيد رفات 105 شهداء «مربع التاج» طرح القضية أمام العالم بصورة مختلفة؛ فالأرقام التي تخرج من الركام ليست مجرد إحصاءات، وإنما أسماء وقصص وعائلات وحيوات دُمّرت في لحظة واحدة.

ويرى أبو بدوية أن انتشال جثامين ضحايا «التاج» ينبغي أن ينقل التعامل مع غزة من مجرد إحصاء الضحايا إلى البحث في المسؤولية، ومن التعاطف مع المأساة إلى العمل من أجل العدالة.

ويبقى السؤال الأهم مفتوحًا: هل ستبقى رفات الضحايا شاهدًا على مجزرة أخرى تُضاف إلى سجلات الحرب، أم تتحول إلى أدلة تدفع نحو تحقيق مستقل يكشف ما جرى ويحدد المسؤوليات؟

بالنسبة إلى عائلات الضحايا، لم يكن الركام نهاية القصة؛ فقد أخفى الجثامين لثلاث سنوات، لكنه أخفى معها أيضًا أسئلة لم تجد إجاباتها بعد.

Exit mobile version