Site icon Palestinealyoum

“مشروع المحو”.. كيف تعيد دولة الاحتلال هندسة الضفة لتفكيك الوجود الفلسطيني؟

مشروع المحو في الضفة

القدس المحتلة – المركز الفلسطيني للإعلام

تقدم منظمة “بتسيلم” الحقوقية الإسرائيلية، في تقريرها الجديد المعنون بعنوان “مشروع المحو”، قراءة شاملة لما تصفه بآلية صهيونية متكاملة تعمل في الضفة الغربية على إعادة تنظيم الحيز وشروط الحياة فيه، بحيث يصبح الوجود اليهودي متصلاً ومؤسساً ودائماً، فيما يتحول الوجود الفلسطيني إلى وجود مجزأ وهش وتابع.

ويستند التقرير إلى أعمال التوثيق التي راكمتها المنظمة، وإلى شهادات وإفادات فلسطينيين، إضافة إلى مصادر وبيانات أخرى، ويطرح محو الوجود الفلسطيني بوصفه منطقاً سياسياً مستمراً، وليس مجموعة منفصلة من الانتهاكات أو الإجراءات.

وتقول “بتسيلم، إن هذا المنطق يستهدف الشروط التي تتيح للفلسطينيين الوجود كشعب له أرض ومؤسسات ولغة وثقافة وروابط اجتماعية وقيادة وذاكرة وتاريخ مشترك وأفق سياسي واجتماعي.

ويحدد التقرير خمسة محاور مترابطة تعمل من خلالها هذه الآلية، العنف وبث الرعب، وتقييد الحركة، والخنق الاقتصادي، والتدمير السياسي والاجتماعي، والتطهير العرقي والاستيلاء على الحيز.

منظومة واحدة لا انتهاكات منفصلة

بحسب التقرير، لا تعمل هذه المحاور بصورة مستقلة، بل يعزز بعضها بعضاً. فتقييد الحركة والخنق الاقتصادي يضران بمصادر الرزق والعلاقات الاجتماعية وقدرة المؤسسات على الاستمرار، فيما يؤدي المس بالحياة السياسية والاجتماعية إلى إضعاف قدرة الفلسطينيين على الدفاع عن حقوقهم والحفاظ على ارتباطهم بالأرض.

وفي الوقت نفسه، تتيح هذه الظروف توسيع السيطرة الإسرائيلية على الحيز واقتلاع الفلسطينيين منه، بما يمس المنازل والزراعة والذاكرة الجماعية والاستمرارية الجغرافية للتجمعات.

وتضع “بتسيلم” العنف في مركز هذه الآلية، باعتباره وسيلة الإكراه التي تتيح لباقي المحاور العمل والتسارع.

 ويرى التقرير أن العنف لا يستهدف الأفراد فقط، بل يؤدي وظيفة أوسع تتمثل في خلق الخوف، وردع المقاومة، ودفع السكان إلى الابتعاد عن أماكنهم، وتأكيد ميزان القوة القائم.

ويشير التقرير إلى أن أنماطاً من استخدام القوة طُبقت في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 انتقلت أيضاً إلى الضفة الغربية، بما في ذلك القصف الجوي، وتدمير البنية التحتية في مخيمات اللاجئين، والاقتحامات واسعة النطاق، والمساس بالأحياء المدنية والطواقم الطبية، إلى جانب الاعتقالات والتعذيب.

الحركة والاقتصاد تحت الضغط

وفي محور الحركة، يرصد التقرير شبكة واسعة من الحواجز والإغلاقات والبوابات وجدار الفصل والقيود المفروضة على الوصول إلى مناطق مختلفة، إلى جانب ما يسميه “شبكة شوارع الأبارتهايد”.

ولا تقتصر آثار هذه القيود، وفق التقرير، على صعوبة التنقل، بل تمتد إلى العمل والتعليم والعلاج والحياة العائلية والاجتماعية.

 ويعرض التقرير حالات يصبح فيها السكان مضطرين إلى تغيير طرقهم أو تأخير تنقلاتهم أو التخلي مسبقاً عن بعض احتياجاتهم بسبب عدم اليقين والخوف من الحواجز أو اعتداءات المستوطنين.

أما الخنق الاقتصادي، فيمتد من الأسرة إلى المؤسسات والخدمات التي تحفظ أواصر المجتمع، ويربط التقرير بين صعوبة العمل وكسب الرزق وشراء الطعام وزراعة الأرض، وبين إضعاف قدرة المؤسسات الفلسطينية على تقديم التعليم والصحة والخدمات الأساسية.

وتخلص “بتسيلم” إلى أن هذا الضغط لا ينتج فقراً اقتصادياً فحسب، بل يخلق التبعية والهشاشة ويقلص قدرة المجتمع على الحفاظ على استمراريته المؤسسية والاجتماعية وعلى توفير أفق للجيل القادم.

تفكيك الحياة السياسية والاجتماعية

ويرصد التقرير كذلك منظومة من الاعتقالات والملاحقات السياسية، والتعذيب، واستهداف النشطاء والصحفيين والأكاديميين وغيرهم، معتبراً أن الغاية لا تقتصر على معاقبة أفراد بعينهم، وإنما تمتد إلى ردع المجتمع بأكمله عن التنظيم والمشاركة السياسية والمدنية.

ومنذ أكتوبر 2023، بحسب التقرير، توسعت دولة الاحتلال في استخدام منظومة السجون كأداة للقمع والترهيب، مع اعتقالات جماعية طاولت قطاعات واسعة من المجتمع الفلسطيني.

وتربط “بتسيلم” بين ذلك وبين خطاب أمني وسع تعريف “العدو” ليشمل الوجود الفلسطيني نفسه، بحيث بات الحضور في الحيز، والتنظيم السياسي، والحركة، والبناء، والتعليم وحتى الحفاظ على الذاكرة، يعرض في الخطاب الإسرائيلي بوصفه مشكلة أمنية.

الأرض والهدم والتهجير

ويضع التقرير التطهير العرقي والاستيلاء على الحيز في قلب آلية المحو، من خلال مصادرة الأراضي، والاستيطان، وعنف المستوطنين، وتهجير التجمعات، وهدم المنازل والبنى التحتية.

ووفق بيانات “بتسيلم”، هدمت دولة الاحتلال منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى نهاية يونيو 2026 المنصرم، 2775 مبنى في الضفة الغربية و692 مبنى في شرق القدس بذريعة البناء من دون ترخيص. ومن مجموع المباني المهدمة، كان 1198 منزلاً سكنياً، ما أدى إلى فقدان 4258 شخصاً منازلهم، بينهم 2083 قاصراً.

ويسجل التقرير ارتفاعاً متواصلاً في عمليات الهدم؛ إذ شهد عام 2024 هدم 869 مبنى في الضفة الغربية، باستثناء شرق القدس، وهو أعلى عدد خلال عقدين، قبل أن يرتفع العدد إلى 1195 مبنى في عام 2025.

وترى المنظمة أن هذه الإجراءات لا تعني مجرد فقدان منازل أو أراضٍ بصورة منفردة، وإنما تسهم في تغيير طويل الأمد للحيز وتركيبته، عبر تفريغ مناطق واسعة من الوجود الفلسطيني وترسيخ تواصل جغرافي صهيوني في المقابل.

“خطة الحسم” لسموتريتش

ويخصص التقرير مساحة مركزية لـ”خطة الحسم” التي نشرها بتسلئيل سموتريتش عام 2017، باعتبارها، وفق “بتسيلم”، وثيقة مفتاحية لفهم الاتجاه الذي تتحرك فيه السياسات الصهيونية في الضفة الغربية.

وتقول المنظمة إن أهمية الخطة تكمن في أنها تصوغ بصورة علنية وصريحة منطقاً يقوم على إنهاء المطالبة السياسية الفلسطينية في الحيز، وترسيخ السيادة اليهودية الإسرائيلية عليه.

وبحسب قراءة التقرير، تضع الخطة أمام الفلسطينيين ثلاثة خيارات: البقاء تحت التفوق اليهودي مع التخلي عن المطالب الوطنية، أو الرحيل، أو مواجهة القمع بالقوة في حال المقاومة.

وترى “بتسيلم” أن أجزاء مركزية من هذا المنطق لم تعد مجرد أفكار نظرية، وإنما تُترجم إلى سياسات وميزانيات وصلاحيات وممارسات تنفذها أذرع الدولة المختلفة، من الجيش والإدارة المدنية إلى الجهات المرتبطة بالمشروع الاستيطاني.

ويعتبر التقرير أن منطق الخطة يقوم على ضم الأرض بحكم الأمر الواقع، وتهجير التجمعات الفلسطينية، وخلق تواصل جغرافي يهودي، وتفكيك إمكانية قيام وجود فلسطيني مستقل ومنظم وذي مستقبل سياسي في الضفة.

تصعيد بعد 2022 وأكتوبر 2023

لا يقدم التقرير “مشروع المحو” باعتباره ظاهرة بدأت مع الحكومة الصهيونية الحالية، بل يضعها ضمن بنية تاريخية أطول للاستعمار الاستيطاني والسيطرة على الأرض.

لكنه يرى أن تشكيل الحكومة الصهيونية الحالية في نهاية عام 2022، ثم أحداث أكتوبر 2023، شكلا مرحلة تسارع وانكشاف للآليات القائمة، فقد أصبحت الممارسات التي كانت تعرض في السابق بوصفها استثناءات أو إجراءات أمنية مؤقتة أكثر حضوراً وعلنية، فيما ازداد التنسيق بين أذرع الدولة واليمين الاستيطاني المتطرف.

ويقول التقرير إن الصدمة والخوف والرغبة في الانتقام التي أعقبت أكتوبر 2023 استُغلت سياسياً لتعميق العنف وتوسيع الفئة التي يجري التعامل معها باعتبارها عدوا، ما أسهم في توفير شرعية جماهيرية وسياسية أوسع لممارسات تستهدف الفلسطينيين.

الأبارتهايد كإطار حاكم

في خلاصته، يضع التقرير هذه الآليات داخل توصيف “بتسيلم” للنظام الصهيوني في الضفة الغربية باعتباره نظام أبارتهايد، وترى المنظمة أن السيطرة العسكرية والاستيطان والضم تعمل معاً لتكريس التفوق اليهودي في توزيع الحقوق والحماية والموارد والقوة السياسية والمجال.

وتشدد على أن مصطلح “مشروع المحو” ليس جريمة مستقلة في القانون الدولي، وإنما تستخدمه المنظمة لوصف آلية سياسية واجتماعية ومكانية متكاملة تعمل من خلال انتهاكات متعددة.

وترى “بتسيلم” أن الحصانة وغياب المحاسبة يشكلان آلية إضافية تتيح استمرار المشروع، إذ إن ضعف التحقيق والملاحقة والعقاب بحق الجنود والشرطة والمستوطنين وغيرهم يجعل العنف والسلب والتهجير وتقييد الحركة والقمع السياسي قابلة للاستمرار والتحول إلى ممارسة روتينية.

ويخلص التقرير إلى أن ما يجري في الضفة الغربية لا ينبغي التعامل معه باعتباره أزمة مؤقتة أو سلسلة من الاعتداءات المنفصلة، بل باعتباره منظومة حكم متكاملة تعيد تشكيل الحيز وشروط الحياة فيه، توسع السيطرة الصهيونية والوجود اليهودي المؤسسي، وفي المقابل تفكك شروط الوجود الفلسطيني كجماعة سياسية واجتماعية وإقليمية.

ومع ذلك، يؤكد التقرير أن “المحو” لا يعني اختفاء الفلسطينيين، إذ يواصلون بناء حياتهم العائلية والمجتمعية والحفاظ على ارتباطهم بأرضهم والنضال من أجل حقوقهم ومستقبلهم، لكن “بتسيلم” ترى أن هذا الوجود يجري اليوم داخل منظومة تعمل بصورة مستمرة على تقليص الحيز المتاح له وإضعاف قدرته على الاستمرار كوجود جماعي مستقل.

Exit mobile version