Site icon Palestinealyoum

من الاقتحام إلى فرض الأمر الواقع.. الأعياد اليهودية بوابة لتغيير هوية الأقصى

من الاقتحام إلى فرض الأمر الواقع.. الأعياد اليهودية بوابة لتغيير هوية الأقصى

المركز الفلسطيني للإعلام

لم تعد الأعياد اليهودية في القدس المحتلة مجرد مواسم ترتفع خلالها وتيرة اقتحام المسجد الأقصى، بل تحولت إلى محطات سنوية لاختبار حدود جديدة داخل المسجد، وفرض وقائع دينية وسيادية تتقدم خطوة بعد أخرى نحو تغيير هويته ووظيفته.

والخطر الأبرز أن ما كان يُنفذ بصورة استثنائية بات يتحول تدريجيًا إلى ممارسة منظمة ومحمية رسميًا؛ صلوات وطقوس توراتية، ونفخ للبوق، وسجود جماعي، و”بركات الكهنة”، وإدخال كتب الصلاة وارتداء “الطاليت”، وصولًا إلى طرح أماكن مخصصة للطقوس داخل الأقصى.

وخلال موسم الأعياد الأخير، لم يكن التصعيد في عدد المقتحمين هو التطور الأخطر، رغم وصول عددهم إلى 11 ألفًا و409 مستوطنين خلال ثلاثة أسابيع، بزيادة بلغت 440% مقارنة بموسم الأعياد عام 2016، بل كان الأخطر هو التحول في طبيعة الاقتحام نفسه.

فالمستوطن الذي كان يدخل بوصفه مقتحمًا بات يدخل حاملًا أدوات وملابس وطقوسًا دينية، ويؤدي شعائر جماعية، ويرفع علم الاحتلال، بينما تعمل شرطة الاحتلال على تأمين هذه الممارسات، بالتوازي مع تقييد وصول المصلين المسلمين وإبعادهم عن المسجد.

وبهذا المعنى، تبدو الأعياد مختبرًا لفرض معادلة جديدة داخل الأقصى: زيادة الحضور اليهودي دينيًا ومكانيًا وزمنيًا، بالتوازي مع تقليص الحضور الإسلامي.

ولا تتوقف هذه المعادلة عند تغيير المشهد داخل الساحات، بل تفتح الطريق أمام المرحلة الأخطر؛ تحويل الوجود اليهودي من طقس عابر إلى واقع ثابت، ثم اقتطاع مساحة دائمة للعبادة اليهودية، وصولًا إلى تكريس التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، أو تحويل جزء منه إلى كنيس يهودي.

من الاقتحام إلى الطقوس

خلال الفترة الممتدة من 12 سبتمبر/أيلول إلى الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026، اقتحم المسجد الأقصى 11 ألفًا و409 مستوطنين، وفق معطيات محافظة القدس، في زيادة بلغت 440% مقارنة بموسم الأعياد ذاته عام 2016.

ويقترب هذا الرقم من إجمالي عدد المقتحمين الذي سجلته دائرة الأوقاف الإسلامية طوال عام 2015، حين بلغ 11 ألفًا و489 مستوطنًا.

لكن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في حجمها فقط، بل في أنها جاءت مترافقة مع تحول نوعي في طبيعة الاقتحامات، إذ شهد المسجد خلال موسم الأعياد أداء سلسلة من الطقوس اليهودية بصورة علنية وجماعية.

ويرى الباحث المختص بشؤون القدس والمسجد الأقصى زياد إبحيص أن التركيز على أعداد المقتحمين وحدها قد يحجب التطور الأخطر، والمتمثل في نشوء هوية يهودية دينية داخل المسجد إلى جانب هويته الإسلامية.

ومن أبرز هذه الممارسات نفخ البوق داخل الأقصى في 13 سبتمبر/أيلول، ثاني أيام رأس السنة العبرية، حيث جرى النفخ فيه 30 مرة.

وبحسب إبحيص، يحمل البوق في الموروث التوراتي دلالة الانتقال من زمن إلى آخر، غير أن استخدامه داخل الأقصى يكتسب، في سياق الصراع على المسجد، دلالة تتجاوز الطقس الديني إلى التعبير عن محاولة فرض السيادة وتغيير طبيعة المكان.

كما مارس المستوطنون طقوس الاستغفار المعروفة بـ”السيليحوت”، وهي مزيج من مقاطع توراتية وقصائد دينية، وأدخلوا القرابين النباتية إلى المسجد على مدى خمسة أيام خلال عيد العرش، وأقاموا طقوس “الهاليل”، القائمة على تمجيد الرب ضمن حلقات غنائية.

وشهد المسجد كذلك الانبطاح الجماعي المعروف باسم “السجود الملحمي”، إلى جانب أداء “بركات الكهنة”، وهي طقوس ذات طابع ديني يؤدي فيها الكاهن دور الوسيط في نقل البركة إلى اليهود.

ولم تقتصر الممارسات على المواسم، إذ استمرت صلاتا الصباح وما بعد الظهر، بالتزامن مع بداية فترات الاقتحام الصباحية وبعد الظهر.

كتب الصلاة و”الطاليت”.. تثبيت الممارسة

ومن التطورات اللافتة إدخال كتب الصلاة اليهودية إلى المسجد الأقصى، ففي السادس من أغسطس/آب 2026، بدأت شرطة الاحتلال بصورة تجريبية توزيع كتب الصلاة على 15 حاخامًا وقائدًا للصلوات.

ورغم محدودية العدد، فإن دلالته تتجاوز عدد الكتب ذاتها، إذ تعتمد الصلاة اليهودية على الترديد خلف قارئ أو منشد، ما يعني أن وجود هذه الكتب يمكن أن يتيح لأعداد أكبر من المقتحمين أداء الصلاة وترديد النصوص الدينية داخل الأقصى.

وبالتوازي، بدأت شرطة الاحتلال سياسة جديدة تقوم على التغاضي عن إدخال شال الصلاة اليهودي المعروف بـ”الطاليت”، ما دام لا يحمل اللون الأبيض المحدد للصلاة وفق بعض الآراء الحاخامية.

وأدى ذلك إلى إدخال هذه الملابس بألوان مختلفة، بما اعتُبر خطوة إضافية نحو تمكين المستوطنين من ارتداء الزي الديني اليهودي بصورة كاملة داخل المسجد، بما يشمل الخيوط المتدلية من الملابس والقبعة ولفائف الصلاة السوداء.

وهنا يظهر تحول جوهري؛ فالمسألة لم تعد متعلقة بالسماح لشخص بالدخول إلى المسجد، وإنما بما يمكنه حمله وارتداؤه وأداؤه داخله.

ومع تراكم هذه التفاصيل، تتحول الممارسة من استثناء إلى عادة، ومن عادة إلى أمر واقع، ومن أمر واقع إلى قاعدة جديدة يجري البناء عليها.

نحو “مقدس مشترك” بالقوة

وفق قراءة إبحيص، فإن تراكم هذه الممارسات يعني أن الاحتلال يتجه إلى فرض الأقصى باعتباره “مقدسًا مشتركًا” بالقوة، عبر إدخال طقوس يهودية إلى المكان إلى جانب العبادة الإسلامية.

وتزداد خطورة هذا التحول بسبب ارتباط عدد من هذه الطقوس بفكرة “الهيكل” المزعوم، إذ تركز منظمات “الهيكل” على طقوس ترى أنها مرتبطة بالمكان المقدس في الرواية الدينية اليهودية.

ويقول إبحيص إن السؤال لدى شرطة الاحتلال لم يعد، وفق هذه المعطيات، متعلقًا بإمكانية إدخال الطقوس إلى الأقصى، وإنما بكيفية تعميق الهوية اليهودية فيه تدريجيًا وبطريقة تقلل ردود الفعل، مستفيدين مما يعتبرونه “نافذة مفتوحة” أتاحتها حرب غزة لتسريع مسار التهويد.

وبذلك يصبح الطقس الديني جزءًا من مسار سياسي؛ فحين يتكرر الطقس داخل المسجد ويحظى بالحماية الأمنية، فإنه يتحول بمرور الوقت من واقعة استثنائية إلى ممارسة قابلة للتوسع والتثبيت.

الأدوات الدينية تفتح باب التقسيم المكاني

لكن فرض الطقوس لا يقف عند حدود الممارسة البشرية، إذ يفتح الباب أمام إدخال الأدوات المرتبطة بها، وهو ما يطرح مسألة المكان الذي ستحتاج إليه هذه الأدوات.

ويحذر إبحيص من أن المرحلة المقبلة قد تشمل إدخال لفائف التوراة الخشبية، التي تحتاج إلى طاولات وخزائن وأماكن مخصصة للحفظ، فضلًا عن الأدوات اللازمة للقرابين الحيوانية، ومنها المذبح والأواني والأبواق الخاصة بها.

ومن هنا، يرى أن إدخال الأدوات التوراتية التي لا تحتاج إلى مساحة كبيرة اقترب من مرحلة متقدمة، بما يجعل الخطوة التالية أكثر اتصالًا بفكرة التقسيم المكاني للمسجد.

وتبرز في هذا السياق الساحة الشرقية من الأقصى، التي يقول الباحث إنها تتعرض لعملية تفريغ مستمرة تفرضها شرطة الاحتلال، بما يهيئها لتكون المجال المكاني الأكثر قابلية لتثبيت ممارسة دينية يهودية دائمة.

وهكذا يمكن أن يتدرج المسار من طقس لا يحتاج إلى مساحة، إلى أدوات تحتاج إلى مكان، ثم إلى مكان ثابت، ثم إلى مساحة مخصصة، بما يخلق تدريجيًا مبررات لاقتطاع جزء من المسجد.

الساحة الشرقية في قلب المخطط

تكتسب الساحة الشرقية أهمية خاصة في هذا السياق، إذ أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى أبرز النقاط التي يتركز فيها النشاط الاستيطاني والديني داخل الأقصى.

وخلال موسم الأعياد، برزت محاولات تكريسها بوصفها مساحة يمكن أن تؤدى فيها الطقوس بصورة أكثر انتظامًا، بالتزامن مع إخلائها من المصلين الفلسطينيين.

كما ظهرت دعوات وممارسات تهدف إلى التعامل معها باعتبارها “كنيس الأمر الواقع” داخل المسجد.

ويعني ذلك أن الصراع لا يجري فقط على حق الدخول إلى الأقصى، وإنما على توزيع المكان داخله، وعلى تحديد المناطق التي يمكن أن تكون مفتوحة للمسلمين وتلك التي يجري إعدادها تدريجيًا لممارسة يهودية دينية.

العلم والأغاني والشعارات.. استعراض للسيادة

ولم تقتصر ممارسات موسم الأعياد على الطقوس الدينية، بل رافقتها مظاهر تحمل طابعًا سياسيًا وسياديًا واضحًا.

فقد ردد مستوطنون أغانٍ كتبها حاخامات وتحمل مضامين توراتية، من بينها أغنية “سيُبنى الهيكل”، وشارك فيها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير.

كما رُفع العلم الإسرائيلي داخل المسجد، في ممارسة تحمل دلالة سياسية تتصل باستعراض السيادة.

وشهد الأقصى كذلك ارتداء ملابس تحمل شعارات تدعو إلى هدم مباني المسجد الأقصى وإقامة “الهيكل” مكانها.

وهذه المظاهر تضع الطقوس الدينية في سياق أوسع؛ فالعلم والشعارات والهتافات لا تتعلق بالعبادة وحدها، وإنما تحمل رسالة مفادها أن الوجود اليهودي داخل المسجد ينبغي أن يتحول إلى مظهر من مظاهر السيطرة والسيادة.

الأبواب تتحول إلى ساحات للطقوس

وامتد هذا المسار إلى أبواب المسجد ومحيطها.

فخلال موسم الأعياد، توسع نهج تحويل أبواب الأقصى إلى بؤر للطقوس التوراتية، بما يوسع المجال الجغرافي الذي يظهر فيه الحضور الديني اليهودي، فلا يعود مقتصرًا على ساحات المسجد.

كما افتتحت منظمات “الهيكل” مسارين جديدين خلال فترة التحضير لموسم الأعياد.

الأول تمثل في نقل بعض الطقوس التوراتية إلى مقبرة باب الرحمة، أمام باب الرحمة من الخارج، مع بروز ادعاءات من جماعات المستوطنين بأن الجدار الشرقي للمسجد أكثر قدسية لدى اليهود من جداره الغربي، أي حائط البراق.

أما المسار الثاني، فتمثل في اتخاذ موسم الأعياد مناسبة لطرح مطلب فتح المسجد أمام اقتحامات المستوطنين أيام السبت، بذريعة أن عددًا من الأعياد اليهودية يأتي في هذا اليوم.

وبذلك لا يبدو الأمر مجرد زيادة في عدد الاقتحامات، وإنما محاولة لإعادة رسم الأوقات والأبواب والمناطق التي يمكن أن تشملها الممارسة الدينية اليهودية.

في الجهة المقابلة.. إبعاد الفلسطينيين عن الأقصى

في مقابل توسيع الحضور اليهودي، واجه الفلسطينيون قيودًا متزايدة على الوصول إلى المسجد الأقصى.

وسبق موسم الأعياد صدور مئات قرارات الإبعاد بحق فلسطينيين، معظمها من المسجد الأقصى، في سياسة اعتبرتها محافظة القدس جزءًا من محاولة تفريغ المسجد من رواده الفلسطينيين، ولا سيما خلال المواسم الدينية اليهودية.

وتشير معطيات سابقة إلى أن سلطات الاحتلال أصدرت منذ بداية عام 2026 أكثر من 800 قرار إبعاد، معظمها عن المسجد الأقصى وقليل منها عن مناطق أخرى في القدس، وشملت شخصيات مقدسية معروفة ومرابطين ومرابطات.

وهنا تتضح المفارقة الأساسية في المشهد: في الوقت الذي تتوسع فيه مساحة الحركة أمام المستوطنين وتُحمى طقوسهم داخل الأقصى، تتقلص مساحة الحركة أمام الفلسطينيين من خلال الإبعاد والقيود والحواجز.

وبذلك لا يجري تغيير الواقع داخل المسجد عبر الاقتحامات وحدها، وإنما عبر التحكم في هوية من يستطيع الوصول إليه أيضًا.

القدس في حالة حصار خلال الأعياد

ووصف خطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري استغلال الاحتلال للأعياد بأنه وسيلة للانقضاض على المسجد وإبقاء القدس في حالة توتر.

وربط صبري بين الإجراءات المتخذة خلال المواسم الدينية وبين سياسة تهويد المدينة وتفريغها من سكانها عبر الحواجز والقيود المفروضة على البلدة القديمة.

وتحولت القدس خلال فترات الأعياد إلى مساحة شديدة الحضور الأمني، مع انتشار قوات الاحتلال وتشديد الإجراءات على المداخل والطرق المؤدية إلى البلدة القديمة والأقصى.

ولا يمكن فصل هذا الانتشار عن طبيعة التغيير الجاري؛ فحماية الطقوس الجديدة تحتاج إلى قوة أمنية تمنع الاحتكاك وتفرض الأمر الواقع، فيما يؤدي إبعاد الفلسطينيين إلى تقليل فرص الاعتراض الشعبي على هذه الممارسات.

معركة الصورة.. حين يصبح التعتيم جزءًا من المشهد

ولا تقتصر المعركة على ما يحدث داخل المسجد، وإنما تمتد إلى القدرة على توثيقه ونقله إلى العالم.

ويلفت إبحيص إلى أن موسم الأعياد شهد، إلى جانب فرض الطقوس، تعتيمًا إعلاميًا واحتكارًا متزايدًا للصورة، مستشهدًا بما جرى يوم 13 سبتمبر/أيلول، عندما نُفخ البوق داخل المسجد الأقصى 30 مرة دون أن يتمكن أي مصدر عربي أو إسلامي من توثيق الواقعة عبر فيديو أو تسجيل من داخل المسجد.

وتكتسب هذه المسألة أهمية كبيرة، لأن السيطرة على الصورة تعني جزءًا من السيطرة على الرواية.

فالممارسة التي لا تُوثق بسهولة يمكن تقديمها لاحقًا باعتبارها حادثة عابرة، بينما تستمر على الأرض وتتكرر، إلى أن تصبح واقعًا مألوفًا لا يثير القدر ذاته من الانتباه.

ومن هنا، تصبح الصحافة والتوثيق جزءًا من المعركة على الأقصى، لأن تثبيت الرواية حول ما يجري داخله لا يقل أهمية عن رصد أعداد المقتحمين.

أكثر من تسعة آلاف مستوطن في عيد العرش

ويكشف التصاعد العددي بدوره حجم التحول، فخلال موسم الأعياد الممتد من منتصف سبتمبر/أيلول حتى بداية أكتوبر/تشرين الأول، بلغ عدد مقتحمي الأقصى 11 ألفًا و409 مستوطنين.

ويمثل ذلك زيادة بنسبة 440% مقارنة بموسم الأعياد عام 2016، كما يقترب العدد من إجمالي ما سجلته دائرة الأوقاف الإسلامية طوال عام 2015 بأكمله.

أما عيد العرش وحده، فقد شهد أكثر من تسعة آلاف مستوطن، مقارنة بنحو 7119 خلال العام السابق.

لكن الأرقام، رغم دلالتها، لا تعكس وحدها حجم التحول؛ فالتطور الأكثر خطورة يكمن في أن الزيادة العددية جاءت مصحوبة بزيادة في طبيعة الممارسة نفسها: الصلاة، والطقوس، والملابس الدينية، وكتب الصلاة، والسجود، والهتافات، ورفع العلم، والدفع باتجاه تخصيص أماكن وأوقات للوجود اليهودي.

خطر تحويل جزء من الأقصى إلى كنيس

ويرى رئيس الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد ناصر الهدمي أن الاحتلال أنجز بالفعل مراحل متقدمة في مشروع تهويد المسجد الأقصى، وأن موسم الأعياد الأخير حمل خطوات عملية نحو فرض واقع جديد.

وبحسب الهدمي، فإن تحويل المسجد أو جزء منه إلى كنيس يهودي بات احتمالًا يجري العمل باتجاهه، معتبرًا أن تهويد الأقصى يمثل محورًا إستراتيجيًا مركزيًا لدى سلطات الاحتلال، ولا سيما في القدس.

ويشير إلى أن الاحتلال استغل موسم الأعياد لفرض وقائع جديدة والقفز خطوات نوعية في مسار تهويد المسجد، مستفيدًا من تعبئة القدس بالقوات وتحويلها إلى ما يشبه الثكنة العسكرية، بالتوازي مع الدفع باتجاه التقسيم الزماني والمكاني وتطوير الاقتحامات من حيث الطقوس والصلاة والرقص والضجيج، في الوقت الذي يجري فيه تقييد وصول المصلين المسلمين إلى المسجد.

وبحسب هذا التقدير، فإن منطقة باب الرحمة والساحة الشرقية تبدوان في مقدمة المناطق المرشحة لمحاولة اقتطاع جزء من المسجد وتحويله إلى مساحة دينية يهودية ثابتة.

مسار متدرج لا حدث عابر

تكشف معطيات موسم الأعياد أن ما يجري في المسجد الأقصى يتجاوز فكرة “الاقتحام” بمعناها التقليدي.

ففي مرحلة أولى كان الاقتحام هو الحدث، ثم دخلت الطقوس إلى الساحات، وتبعها إدخال القرابين النباتية وكتب الصلاة وملابس الصلاة، وتوسعت الصلاة العلنية والحلقات الدينية، وبرزت مظاهر العلم والأغاني والشعارات.

وفي المقابل، جرى إبعاد الفلسطينيين وتقييد دخولهم، وإفراغ بعض المناطق من المصلين، وتشديد الحضور العسكري والأمني حول المسجد.

ومع كل خطوة، يتغير تعريف ما هو “مسموح” داخل الأقصى.

وهذا هو جوهر الخطر؛ إذ إن القضية لا تتعلق بعدد المستوطنين الذين يدخلون المسجد في يوم معين، بل بما إذا كانت الممارسات التي كانت مرفوضة أو استثنائية ستتحول إلى قواعد دائمة.

فحين يصبح إدخال كتاب الصلاة أمرًا معتادًا، وارتداء “الطاليت” أمرًا مسموحًا، ونفخ البوق ممارسة محمية، والصلاة الجماعية واقعًا متكررًا، والساحة الشرقية مساحة يجري تفريغها من المصلين، فإن كل خطوة لاحقة تصبح أسهل من سابقتها.

الأقصى أمام معركة على هويته ومستقبله

لهذا تبدو الأعياد اليهودية، في سياق القدس المحتلة، أكثر من مناسبات دينية؛ إنها محطات لتثبيت وقائع جديدة داخل المسجد الأقصى.

فالاحتلال لا يكتفي بالسماح بالاقتحام، وإنما يعمل على توسيع مضمونه وتحويله من دخول إلى ممارسة دينية، ومن ممارسة إلى حضور منظم، ومن حضور إلى مساحة، ومن مساحة إلى تقسيم.

وفي الجهة المقابلة، يجري الضغط على الوجود الفلسطيني عبر الإبعاد والقيود والحواجز، بما يخلق اختلالًا متزايدًا في ميزان الحضور داخل المسجد.

وبذلك تتشكل معادلة خطرة: مستوطنون يدخلون أكثر، ويؤدون طقوسًا أكثر، ويحملون أدوات دينية أكثر، ويطالبون بمساحات وأوقات أوسع؛ وفلسطينيون يُبعدون أكثر، وتُضيّق عليهم سبل الوصول إلى مسجدهم.

إنها معركة لا تدور فقط على بوابات الأقصى وساحاته، وإنما على مستقبله؛ هل يبقى المسجد الأقصى مسجدًا إسلاميًا خالصًا كما كان عليه تاريخيًا، أم ينجح الاحتلال والجماعات الدينية المتطرفة في فرض واقع جديد يجعله مكانًا مقسمًا، تتعايش فيه هويتان بالقوة، تمهيدًا لاقتطاع أجزاء منه وتحويلها إلى كنيس؟

ولهذا فإن أخطر ما حمله موسم الأعياد الأخير ليس الرقم القياسي في أعداد المقتحمين، بل الاقتراب خطوة إضافية من تحويل الاستثناء إلى قاعدة، والاقتحام إلى طقس، والطقس إلى وجود دائم، والوجود إلى سيادة، والسيادة إلى تقسيم للمسجد الأقصى.

Exit mobile version