Site icon Palestinealyoum

من الطين وأكياس الرمل إلى الحديد المستخرج من الركام.. كيف يواجه الغزيون شتاءهم بلا مأوى آمن؟

من الطين وأكياس الرمل إلى الحديد المستخرج من الركام.. كيف يواجه الغزيون شتاءهم بلا مأوى آمن؟

المركز الفلسطيني للإعلام

لم تعد الاستعدادات لفصل الشتاء في قطاع غزة مرتبطة بشراء الملابس الثقيلة والأغطية وتجهيز المنازل لمواجهة البرد، بل تحولت إلى معركة يومية لتوفير الحد الأدنى من الحماية، في ظل واقع إنساني قاسٍ يدفع السكان إلى ابتكار وسائل بدائية لمواجهة الأمطار والرياح والفيضانات، بعدما فقد كثيرون منازلهم، وتحولت خيامهم المتهالكة إلى مأوى لا يقيهم تقلبات الطقس.

من الطين الذي يُستخدم لسد الفجوات وترميم ما تبقى من مساكن متضررة، إلى أكياس الطحين التي تُملأ بالرمال وتُرص حول الخيام لمنع تسرب المياه، وصولًا إلى استخراج قضبان الحديد من ركام المنازل لتدعيم هياكل الإيواء، تتعدد محاولات الغزيين لمواجهة شتاء جديد، لكنها تلتقي عند حقيقة واحدة: السكان يحاولون حماية أنفسهم بما تتيحه أيديهم، في ظل غياب البدائل المناسبة ونقص مستلزمات الإيواء.

الطين.. عودة إلى الوسائل البدائية

في مشهد يعكس حجم التراجع الذي فرضته الحرب على تفاصيل الحياة اليومية، يجد بعض السكان في الطين حلًا اضطراريًا لسد الشقوق والفجوات في الجدران، وترميم أجزاء من مساكنهم المتضررة، في محاولة للحد من تسرب مياه الأمطار إلى الداخل.

وتكشف هذه الوسيلة، التي أعادت إلى الواجهة أساليب البناء والترميم البدائية، عن حجم الفجوة بين احتياجات السكان وما يتوافر لهم من مواد أساسية.

فبدلًا من استخدام الإسمنت ومواد العزل ووسائل الترميم المعروفة، باتت الإمكانات المحدودة تفرض حلولًا مؤقتة لا تضمن حماية حقيقية.

ولا يقتصر الأمر على المنازل المتضررة، إذ يواجه النازحون في الخيام المشكلة ذاتها بصورة أكثر قسوة؛ فالأغطية البلاستيكية الممزقة لا تصمد أمام الرياح، والأرضيات الترابية تتحول مع هطول الأمطار إلى مساحات موحلة، فيما تتسرب المياه إلى أماكن النوم وتطال الأغطية والملابس والمقتنيات القليلة التي بقيت للعائلات.

أكياس الطحين.. من وسيلة للغذاء إلى حواجز للمياه

ومن بين الحلول التي وثقتها الأمم المتحدة، استخدام أكياس الطحين الفارغة بعد تعبئتها بالرمال، ووضعها حول الخيام لتشكيل حواجز تحد من تدفق مياه الأمطار.

أحمد العمري، الذي يعمل مع شبان آخرين على تعبئة أكياس كانت تُستخدم لحمل الطحين المقدم من برنامج الأغذية العالمي بالرمال، عرض تجربته، بعدما تحولت وظيفتها من حفظ الغذاء إلى محاولة حماية المساكن المؤقتة.

واستعاد العمري المفارقة المؤلمة في استخدام هذه الأكياس، موضحًا أنها كانت وسيلة للحصول على الغذاء وسط مخاطر توزيع المساعدات، قبل أن تتحول إلى حواجز تحاول منع مياه الأمطار من الوصول إلى الخيام.

وتختصر هذه الصورة جانبًا من التحولات القاسية التي يعيشها السكان؛ فأكياس الطحين التي ارتبطت بمحاولات الحصول على الغذاء أصبحت اليوم جزءًا من أدوات مواجهة الشتاء، في ظل غياب وسائل الحماية الأساسية.

حديد الركام.. محاولة لتثبيت الخيام

وفي خان يونس، اتجهت عائلات إلى الاستفادة من قضبان الحديد المستخرجة من أنقاض المنازل المدمرة، واستخدامها لتدعيم هياكل الخيام ومواجهة الرياح والأمطار.

واستخدم المواطن محمد برهوم وأبناؤه قضبانًا حديدية مستخرجة من الركام لتقوية مأواهم في منطقة المواصي، بعدما تكررت معاناتهم مع الفيضانات خلال المواسم السابقة.

وقال برهوم إن المنطقة تتعرض للغرق كل شتاء بفعل الأمطار الغزيرة، موضحًا أن العائلة قررت هذا العام تدعيم خيمتها بالحديد، في تجربة جديدة تأمل أن تجعل وضعها أفضل من الشتاء الماضي.

لكن هذه المحاولات لا تخلو من المخاطر؛ فعملية استخراج الحديد تجري وسط أنقاض قد تكون غير مستقرة، فضلًا عن احتمال وجود مخلفات حرب خطرة.

وهكذا يجد السكان أنفسهم أمام مفارقة مؤلمة، إذ يحاولون استخدام بقايا المنازل المدمرة لحماية أنفسهم من الشتاء، رغم أن الوصول إلى تلك البقايا قد يعرض حياتهم للخطر.

على الشاطئ.. الخوف من تكرار الغرق

ولا تتوقف محاولات الحماية عند الخيام المقامة في مناطق النزوح الداخلية، بل تمتد إلى العائلات التي اضطرت إلى نصب خيامها بمحاذاة البحر، حيث تتداخل مخاطر الأمطار مع ارتفاع الأمواج والرياح الساحلية.

وروى أنس الشامي، البالغ 33 عامًا، جانبًا من معاناته مع أسرته المكونة من ستة أفراد، بعدما اضطروا للإقامة في خيمة متهالكة قرب ميناء القرارة، عقب نزوحهم من بني سهيلا شرقي خان يونس.

وأوضح الشامي أنه بحث عن مكان آخر لإقامة خيمته، لكن الاكتظاظ وارتفاع تكاليف استئجار الأراضي دفعاه إلى البقاء على الشاطئ رغم المخاطر. واستعاد مشاهد الشتاء الماضي حين تسربت مياه البحر والأمطار إلى الخيمة أثناء نوم الأسرة، حتى استيقظ أطفاله وسط المياه، وتبللت أغطيتهم ومقتنياتهم.

وفي المكان ذاته، يعيش إبراهيم أبو طير، 47 عامًا، مع أطفاله السبعة داخل خيمة ضيقة تفتقر إلى أبسط مقومات الحماية.

وقال إن أكثر ما يؤلمه شعوره بالعجز أمام أطفاله، إذ لا يستطيع توفير ملابس شتوية تحميهم من البرد أو حتى فراش جاف ينامون عليه.

وتكشف الشهادتان أن أزمة الشتاء لا تتعلق فقط بتمزق الخيام، بل بفقدان الأسر القدرة على توفير احتياجات أساسية، مثل الملابس والأغطية والفراش الجاف، فضلًا عن اضطرارها إلى العيش في أماكن معرضة للغرق.

أسر تنتظر الشتاء بقلق متجدد

كما تحدث المواطن محمد الجمال، 60 عامًا، عن محاولاته تثبيت أغطية خيمته المتهالكة في مخيم نزوح على شاطئ مدينة غزة، استعدادًا لموجة من الأمطار والرياح.

وقال إن أسرته تحاول حماية نفسها بالإمكانات المتاحة، لكن العواصف تمزق ما تثبته العائلة، لتعود إلى إصلاح الخيمة من جديد، في معاناة تتكرر طوال فصل الشتاء.

أما ختام سلمان، 39 عامًا، النازحة من بيت لاهيا، فتحدثت عن انهيار إحدى خيام الأسرة أربع مرات أثناء وجود أفرادها داخلها، مؤكدة أن الأغطية الممزقة لم تعد توفر الحماية المطلوبة من الرمال والمياه والرياح.

واستعادت سلمان لحظات قاسية عاشتها الأسرة في الشتاء الماضي، بعدما انهارت الخيمة وابتلت المقتنيات، واضطرت إلى الابتعاد عن المكان لساعات من شدة الإحباط. وأعربت عن خشيتها من تكرار التجربة مع اقتراب موسم الأمطار الجديد.

وتعكس هذه الشهادات أن الاستعداد للشتاء لم يعد إجراءً موسميًا عابرًا، بل أصبح عبئًا نفسيًا واقتصاديًا متواصلًا، خصوصًا للعائلات التي نزحت مرات عديدة وفقدت مصادر دخلها وممتلكاتها.

950 ألفًا في مواجهة الفيضانات

وتتجاوز الأزمة حدود المبادرات الفردية، لتكشف الأرقام الأممية عن اتساع نطاق الخطر. فقد أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في تقرير الحالة الإنسانية الصادر في 19 أكتوبر/تشرين الأول، إلى أن نحو 950 ألف نازح يقيمون في مواقع معرضة لمخاطر الفيضانات بدرجات متوسطة إلى مرتفعة.

وتزداد خطورة هذه الأرقام مع استمرار إقامة العائلات في مناطق منخفضة أو ساحلية تفتقر إلى تصريف مناسب للمياه، فضلًا عن تضرر البنية التحتية وشبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار بفعل الحرب.

وفي هذا السياق، حذر المتحدث باسم بلدية غزة حسني مهنا، من حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، موضحًا أن أكثر من 85% من البنية التحتية للمدينة تعرضت للضرر، وأن قدرة شبكة تصريف مياه الأمطار تراجعت إلى نحو 20% من طاقتها السابقة.

وتواجه البلديات صعوبات كبيرة في تنفيذ أعمال الصيانة والتنظيف، نتيجة نقص الوقود والآليات الثقيلة ومستلزمات الإصلاح، وهو ما يجعل التعامل مع تجمعات المياه أكثر تعقيدًا مع كل منخفض جوي.

شتاء لا تكفي لمواجهته الحلول الفردية

إن لجوء الغزيين إلى الطين والرمال والحديد لا يمكن قراءته بوصفه مجرد مبادرات للتكيف مع الظروف، بل باعتباره مؤشرًا على اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والمواد المتاحة. فهذه الوسائل، مهما بدت مبتكرة، لا توفر عزلًا حراريًا مناسبًا، ولا تضمن ثبات الخيام أمام العواصف، ولا تعالج مشكلات الصرف الصحي وتجمع المياه.

وتتطلب مواجهة الأزمة إدخال الخيام والمواد العازلة والأخشاب ومستلزمات الترميم، وإصلاح شبكات تصريف المياه، وتأمين مواقع إيواء آمنة للعائلات المقيمة في المناطق المنخفضة والمباني الآيلة للسقوط.

وبينما يحاول السكان تدعيم خيامهم بأكياس الرمل، وسد جدرانهم بالطين، واستخراج الحديد من تحت الأنقاض، يبقى السؤال الأهم: إلى متى سيظل الغزيون مضطرين إلى ابتكار وسائل بدائية لحماية أطفالهم من المطر والبرد، بدلًا من حصولهم على مأوى آمن يحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية؟

Exit mobile version