Site icon Palestinealyoum

من غزة إلى الضفة.. كيف أعاد طوفان الأقصى ربط الجغرافيا الفلسطينية؟

من غزة إلى الضفة.. كيف أعاد طوفان الأقصى ربط الجغرافيا الفلسطينية؟

خاص المركز الفلسطيني للإعلام

لم تكن غزة، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، جزيرة منفصلة عن بقية فلسطين، كما لم تبقَ الحرب محصورة داخل حدود القطاع. فمنذ الأيام الأولى لـ”طوفان الأقصى”، امتدت تداعيات المواجهة إلى الضفة الغربية والقدس، وتصاعدت الاقتحامات والاعتقالات والمواجهات واعتداءات المستوطنين، بينما عادت إلى الواجهة بقوة فكرة لطالما حاول الواقع السياسي والجغرافي تكريس فصلها: غزة والضفة والقدس جزء من قضية فلسطينية واحدة.

وعلى الرغم من أن الانقسام السياسي بين غزة والضفة لم ينتهِ، فإن الحرب أعادت إنتاج شعور واسع بترابط الجغرافيا الفلسطينية، ودفعت الفصائل والقوى السياسية إلى استعادة الحديث عن الوحدة الوطنية، ليس باعتبارها شعارًا سياسيًا، وإنما باعتبارها سؤالًا يتعلق بمستقبل الأرض الفلسطينية نفسها.

غزة لم تقاتل وحدها

منذ بداية الحرب، لم تتعامل إسرائيل مع قطاع غزة بوصفه ساحة منفصلة؛ إذ سرعان ما انعكست الحرب على الضفة الغربية، التي شهدت تصعيدًا واسعًا في العمليات العسكرية والاعتقالات والاقتحامات، إلى جانب تصاعد اعتداءات المستوطنين.

وتشير قراءة لمعهد الجزيرة للدراسات إلى أن الضفة كانت واحدة من ساحات المواجهة الرئيسية حتى قبل السابع من أكتوبر، وأن الفصائل الفلسطينية كثفت بعد اندلاع الحرب جهودها في الضفة، في محاولة لربط ساحات المواجهة، بينما صعّدت إسرائيل عملياتها في جنين ونابلس وطولكرم ومناطق أخرى.

وبذلك لم تعد غزة وحدها في واجهة المشهد؛ فالضفة دخلت بدورها في دائرة الحرب، وإن اختلفت طبيعة المواجهة وأدواتها.

الضفة.. حرب أخرى على الجغرافيا

في الضفة الغربية، اتخذت الحرب شكلًا مختلفًا، اقتحامات عسكرية متكررة، اعتقالات واسعة، حصار للمدن والمخيمات، هدم للمنازل والمنشآت، وإغلاق للحواجز والطرق، إلى جانب اعتداءات المستوطنين ومصادرة الأراضي.

وبحسب معهد الجزيرة للدراسات، ارتفع عدد الحواجز والعوائق العسكرية في الضفة بعد اندلاع الحرب إلى 649 حاجزًا وعائقًا، فيما تصاعدت العمليات الإسرائيلية في جنين ونابلس وطولكرم، بالتوازي مع زيادة الضغوط على الفلسطينيين في المنطقة “ج”.

وهكذا، بدت الضفة وكأنها تدفع ثمنًا آخر للحرب التي بدأت في غزة؛ فكلما اشتدت المواجهة في القطاع، اتسعت الإجراءات العسكرية الإسرائيلية في الضفة، لتصبح الجغرافيا الفلسطينية بأكملها جزءًا من تداعيات الصراع.

غزة حركت فلسطين من جديد

ويرى الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي أن ما جرى بعد الحرب تجاوز حدود القطاع.

وقال لمراسلنا إن غزة “حركت العالم” حتى أصبحت القضية الفلسطينية جزءًا من السياسات الداخلية في دول عدة، داعيًا في الوقت نفسه إلى تشكيل حكومة وفاق وطني تضمن وحدة غزة والضفة الغربية، وتحبط أي مشاريع تهدف إلى إنشاء ترتيبات منفصلة في القطاع.

وفي قراءة أخرى خلال تصعيد الاحتلال في جنين وطولكرم، قال البرغوثي إن ما يجري في الضفة يكشف عن سلوك إسرائيلي مشابه لما شهدته غزة، محذرًا من أن الخطر لا يقتصر على مدينة أو مخيم بعينه، وإنما يمتد إلى مستقبل الضفة بأكملها.

بهذا المعنى، لم يعد السؤال الفلسطيني محصورًا في كيفية وقف الحرب على غزة، وإنما أصبح مرتبطًا بما سيحدث للضفة والقدس أيضًا، وما إذا كانت الحرب ستتحول إلى مدخل لإعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية.

وحدة الجغرافيا جزء من المشروع الوطني

وقال الناطق باسم حركة فتح في غزة منذر الحايك في تصريحات سابقة إن حركته تريد علاقة وطنية قوية بين غزة والضفة، مؤكدًا أن “وحدة الجغرافيا بين غزة والضفة مهمة” للمشروع الوطني الفلسطيني.

وربط الحايك بين هذه الوحدة وبين إعادة بناء ما دمرته الحرب، مؤكدًا ضرورة أن تكون هناك قيادة وإدارة فلسطينية واحدة، وأن تكون غزة والضفة جزءًا من المسار نفسه نحو الدولة الفلسطينية.

وتكشف هذه التصريحات أن فكرة وحدة الجغرافيا لم تعد مجرد حديث عن حدود على الخريطة، بل أصبحت مرتبطة مباشرة باليوم التالي للحرب: من يدير غزة؟ كيف تتم إعادة الإعمار؟ وما العلاقة بين القطاع والضفة؟ وهل يمكن إعادة بناء مؤسسات فلسطينية موحدة بعد سنوات من الانقسام؟

بكين.. الوحدة تعود إلى الطاولة

ربما كان أبرز التعبيرات السياسية عن هذا التحول هو الحراك الفلسطيني الذي قاد إلى لقاءات بكين، ففي أبريل/نيسان 2024، أكدت حركتا فتح وحماس ضرورة إنهاء الانقسام وتعزيز الوحدة الوطنية، مع التشديد على تنسيق الجهود في غزة والضفة والقدس، ومواجهة الاعتداءات الإسرائيلية والمستوطنين.

وبعد ذلك، وفي يوليو/تموز، وقعت 14 فصيلًا فلسطينيًا “إعلان بكين”، الذي نص على الوصول إلى وحدة وطنية شاملة وتشكيل حكومة توافق وطنية مؤقتة، مع التأكيد على وحدة الأراضي الفلسطينية التي تشمل الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة.

وكان لافتًا أن الاتفاق جاء في ذروة الحرب، وفي وقت كانت فيه إسرائيل تتحدث عن ترتيبات مختلفة لمستقبل غزة، ما جعل مسألة من يحكم القطاع وكيف يرتبط بالضفة والقدس جزءًا أساسيًا من الصراع السياسي على “اليوم التالي”.

أبو مرزوق: وحدة الضفة والقدس وغزة

وعقب إعلان بكين، قال القيادي في حركة حماس موسى أبو مرزوق إن الفصائل اتفقت على توحيد جهودها لمواجهة الحرب والتمسك بوحدة الأراضي الفلسطينية.

وأوضح أن حكومة الوفاق المقترحة ستكون مهمتها، من بين أمور أخرى، العمل على “وحدة الضفة الغربية والقدس وغزة”، وتوحيد المؤسسات الفلسطينية، والبدء بإعادة إعمار القطاع والتحضير للانتخابات العامة.

وهنا تتضح إحدى أهم نتائج الحرب سياسيًا: فقد انتقل الحديث عن غزة من كونها ملفًا منفصلًا إلى كونها جزءًا من سؤال فلسطيني أكبر يتعلق بوحدة الأرض والقرار والمؤسسات.

القدس.. الحلقة التي تربط الجغرافيا الفلسطينية

وسط هذا المشهد، بقيت القدس والمسجد الأقصى نقطة التقاء أساسية بين غزة والضفة، فالمدينة التي تقع جغرافيًا في الضفة الغربية تحمل مكانة مركزية في الوعي الفلسطيني، وكانت أحداث القدس والأقصى في السنوات السابقة للحرب أحد أبرز عوامل التوتر التي سبقت السابع من أكتوبر.

ولهذا، لم تتعامل الفصائل مع غزة والضفة باعتبارهما ملفين منفصلين؛ ففي حوار بكين، أكدت فتح وحماس ضرورة تنسيق الجهود في الضفة والقدس لمواجهة اعتداءات المستوطنين والاعتداءات على المسجد الأقصى.

وهكذا ظلت القدس حاضرة باعتبارها الجسر السياسي والرمزي بين جناحي الجغرافيا الفلسطينية.

الحرب كشفت وحدة المصير

ثلاث سنوات من الحرب أظهرت أن ما يحدث في غزة لا يمكن عزله عن الضفة، فعندما اشتدت الحرب على القطاع، تصاعدت العمليات العسكرية في الضفة. وعندما تعرضت المخيمات والمدن الفلسطينية في الضفة للاقتحامات، حضرت غزة في الخطاب السياسي والشعبي باعتبارها جزءًا من المشهد نفسه.

وهذا لا يعني أن المواجهة في الضفة أصبحت نسخة مطابقة لما يجري في غزة، أو أن الانقسام السياسي انتهى تلقائيًا؛ لكن الحرب كشفت أن الفصل الجغرافي لم ينجح في فصل الفلسطينيين عن بعضهم، وأن أي محاولة لرسم مستقبل غزة بعيدًا عن الضفة والقدس تصطدم بالسؤال الأكبر: ما شكل فلسطين التي ستخرج من الحرب؟

هل تعود الجغرافيا موحدة سياسيًا؟

هنا تكمن المفارقة، فالحرب عززت حضور فكرة الوحدة الفلسطينية، لكنها لم تنه الانقسام السياسي القائم منذ سنوات.

والاتفاقات التي جرى التوصل إليها، وفي مقدمتها إعلان بكين، بقيت بحاجة إلى ترجمة عملية على الأرض.

لذلك، فإن الحديث عن “توحيد الجغرافيا” لا ينبغي أن يعني فقط وقف الفصل بين غزة والضفة على الخرائط، بل يتطلب إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية، وتوحيد القرار الوطني، وإنهاء حالة الانقسام، وربط إعادة إعمار غزة بمشروع فلسطيني أوسع، بدل التعامل مع القطاع كجزيرة منفصلة أو قضية إنسانية فقط.

من غزة إلى الضفة.. فلسطين واحدة في مواجهة واقع مجزأ

ربما تكون إحدى أبرز المفارقات التي أفرزتها سنوات الحرب أن الجغرافيا التي بدت طوال سنوات وكأنها تتباعد سياسيًا، عادت إلى مركز النقاش الفلسطيني والدولي بوصفها وحدة واحدة.

فغزة والضفة والقدس لم تعد مجرد أجزاء متفرقة في الخطاب السياسي؛ أصبحت مسألة مستقبلها مترابطة مع كل نقاش حول الحرب، والإعمار، والحكم، والاستيطان، والتهجير، والدولة الفلسطينية.

وفي هذا السياق، تبدو المعركة على الجغرافيا موازية للمعركة على الأرض نفسها: هل تبقى فلسطين موزعة بين غزة والضفة والقدس، أم يعاد وصل ما فصلته سنوات الانقسام والاحتلال؟

ذلك هو أحد الأسئلة التي تركها طوفان الأقصى مفتوحة؛ فالحرب لم تغيّر فقط شكل المواجهة، بل أعادت إلى الواجهة حقيقة أن غزة، مهما اشتد حصارها، لا يمكن فصلها عن الضفة والقدس في أي حديث جدي عن مستقبل القضية الفلسطينية.

Exit mobile version