Site icon Palestinealyoum

من 7 أكتوبر إلى اليوم.. كيف تغيّر المشهد الفلسطيني؟

تظاهرة لندن

خاص المركز الفلسطيني للإعلام

لم يعد السابع من أكتوبر 2023 مجرد تاريخ مفصلي في مسار الحرب على غزة، بل تحوّل إلى نقطة فاصلة في المشهد الفلسطيني والإقليمي والدولي، أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي، ودفعت ملفات ظلت لعقود تدور في دوائر سياسية مغلقة إلى واجهة النقاش الدولي، من الاحتلال والاستيطان وحق تقرير المصير، إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية والمساءلة أمام المؤسسات القضائية الدولية.

وخلال السنوات الثلاث التي تلت ذلك اليوم، لم تتغير القضية الفلسطينية في اتجاه واحد؛ ففي الوقت الذي تعرضت فيه غزة لدمار واسع وأزمة إنسانية غير مسبوقة، شهد المسار السياسي والقانوني والدبلوماسي للقضية تحولات لافتة، بينما تصاعدت في الضفة الغربية سياسات الاستيطان والتهجير والضم الفعلي للأرض.

وبذلك، بات المشهد الفلسطيني أكثر تعقيدًا: واقع ميداني شديد القسوة، مقابل حضور دولي متزايد للقضية، وتحول تدريجي في طبيعة الأسئلة التي تطرح حولها.

من حدث عسكري إلى قضية تتجاوز حدود الميدان

كان من أبرز آثار 7 أكتوبر أنه نقل القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش الدولي بصورة غير مسبوقة منذ سنوات طويلة.

ففي أعقاب الحرب، لم يعد النقاش الدولي محصورًا في كيفية إدارة الصراع أو استئناف المفاوضات، بل اتسع ليشمل جذور القضية نفسها، وفي مقدمتها الاحتلال والاستيطان وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

وقد انعكس ذلك بوضوح في المؤسسات الدولية، إذ تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في مايو 2024 قرارًا بأغلبية 143 دولة يؤكد أهلية فلسطين للعضوية الكاملة في الأمم المتحدة، ويدعو مجلس الأمن إلى إعادة النظر في طلبها.

وعلى الرغم من أن القرار لم يمنح فلسطين العضوية الكاملة، فإنه شكل تطورًا سياسيًا مهمًا في مسار التعامل الدولي معها.

ولم يكن ذلك التحول منفصلًا عن موجة الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية؛ فبحلول يوليو 2025 كانت 147 دولة عضوًا في الأمم المتحدة قد اعترفت رسميًا بدولة فلسطين، قبل أن تتسع دائرة الاعترافات خلال سبتمبر من العام نفسه.

فلسطين.. من ملف تفاوضي إلى قضية دولة وحقوق

أحد التحولات اللافتة بعد 7 أكتوبر تمثل في اتساع حضور فكرة الدولة الفلسطينية في الخطاب الدولي، بعد سنوات من الجمود السياسي.

فقد أصبحت مسألة الاعتراف بفلسطين وحق شعبها في تقرير مصيره جزءًا أكثر حضورًا في المواقف الدولية، فيما ربطت دول ومنظمات دولية بين الوصول إلى تسوية سياسية وبين إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية.

وفي سبتمبر 2026، أكد الأمين العام للأمم المتحدة أن عددًا من الدول انضم قبل عام إلى الاعتراف بدولة فلسطين، مشددًا على أن الحل القائم على دولتين وفق خطوط ما قبل 1967 أصبح المسار الذي تتبناه دول عديدة، لكنه حذر في الوقت ذاته من أن الظروف اللازمة لقيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة يجري تقويضها على الأرض.

وهنا تظهر المفارقة الأبرز في المشهد الفلسطيني الراهن: اتساع الاعتراف الدولي بفلسطين يتزامن مع تراجع شروط قيام الدولة على الأرض.

الاحتلال أمام محكمة العدل الدولية

ومن أهم التحولات التي فرضتها مرحلة ما بعد 7 أكتوبر انتقال جزء كبير من النقاش الفلسطيني إلى الساحة القانونية الدولية.

ففي يوليو 2024، خلصت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وربطت ذلك بسياسات الضم والاستيطان وإعاقة حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. كما أكدت أن هذه النتائج تشمل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

ويمثل هذا التطور تحولًا مهمًا في طبيعة الخطاب القانوني حول القضية؛ إذ لم يعد الاحتلال مجرد توصيف سياسي متداول، بل أصبح موضوعًا لرأي صادر عن أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة.

كما استمرت الإجراءات القضائية الدولية المتعلقة بالحرب على غزة، فيما واصلت دول عدة الانضمام إلى الإجراءات أمام محكمة العدل الدولية في القضية المتعلقة بتطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وحتى سبتمبر 2026، كانت المحكمة قد سجلت تدخلات أو طلبات تدخل من عدد كبير من الدول.

من غزة إلى لاهاي.. فتح ملف المساءلة

وفي مسار موازٍ، انتقلت تداعيات الحرب إلى المحكمة الجنائية الدولية، وكانت المحكمة قد فتحت تحقيقًا في الوضع في فلسطين قبل حرب غزة، ثم توسع التحقيق ليشمل التصعيد الذي بدأ في 7 أكتوبر 2023. وفي نوفمبر 2024 أصدرت الدائرة التمهيدية أوامر قبض بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

الضفة الغربية.. الوجه الآخر لما بعد 7 أكتوبر

وبينما احتلت غزة مركز المشهد، لم تكن الضفة الغربية بعيدة عن تداعيات المرحلة، فالسنوات التي أعقبت 7 أكتوبر شهدت تصاعدًا في الاستيطان وعنف المستوطنين والتهجير، إلى جانب استمرار الإجراءات الإسرائيلية التي تقول الأمم المتحدة إنها تقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.

وفي سبتمبر 2026، حذر الأمين العام للأمم المتحدة من أن الظروف اللازمة لقيام دولة فلسطينية مستقلة وديمقراطية ومتصلة وقابلة للحياة وسيادية يجري “محوها بشكل منهجي” في الأراضي الفلسطينية المحتلة، داعيًا إلى وقف التوسع الاستيطاني ومنع الضم ودعم المؤسسات الفلسطينية.

وبذلك، فإن صورة ما بعد 7 أكتوبر لا تقتصر على حرب غزة؛ فالضفة والقدس أصبحتا جزءًا أساسيًا من معركة تحديد مستقبل الأرض الفلسطينية وشكل الدولة المقبلة.

معركة الرواية.. السابع من أكتوبر لم يبقَ في الميدان

ولعل أحد أبرز ميادين الصراع التي برزت بعد 7 أكتوبر هو ميدان الرواية.

فمنذ الساعات الأولى، لم تكن المواجهة تدور حول الحدث الميداني فقط، بل حول كيفية تفسيره، ومن أين تبدأ قصته، وما السياق الذي يوضع فيه، وكيف تُقدَّم نتائجه أمام الرأي العام العالمي.

وبمرور الوقت، اتسع هذا الصراع من تغطية أحداث 7 أكتوبر نفسها إلى توثيق ما جرى في غزة، وتسجيل شهادات الضحايا، وحفظ الصور والفيديوهات، وتوثيق الدمار والتهجير، وملاحقة المسؤولية القانونية.

وهكذا أصبحت الذاكرة نفسها جزءًا من الصراع؛ فكل صورة وشهادة ووثيقة باتت تحمل قيمة تتجاوز لحظة نشرها، لتتحول إلى جزء من الأرشيف الذي سيحدد لاحقًا كيف ستُقرأ هذه المرحلة في التاريخ الفلسطيني والدولي.

فلسطين اليوم.. مكاسب دولية وواقع ميداني شديد الصعوبة

بعد ثلاث سنوات، تبدو الصورة الفلسطينية مركبة إلى حد بعيد.

فمن جهة، أصبحت فلسطين أكثر حضورًا في المؤسسات الدولية، واتسعت دائرة الاعتراف بها، وتقدمت قضيتها في المحافل القانونية، وأصبح الاحتلال والاستيطان وحق تقرير المصير موضوعات حاضرة بقوة في الخطاب الدولي.

ومن جهة أخرى، لم تتحول هذه التطورات حتى الآن إلى إنهاء للاحتلال أو إقامة دولة فلسطينية على الأرض. بل إن الأمم المتحدة تحذر من أن التوسع الاستيطاني والإجراءات الرامية إلى تغيير الواقع في الأراضي المحتلة تهدد أساس قيام تلك الدولة.

وهذا هو التناقض الأكبر الذي يختصر المشهد الفلسطيني بعد 7 أكتوبر: القضية تقدمت في بعض ساحات الدبلوماسية والقانون الدولي، فيما ازدادت صعوبة الواقع الميداني الذي يفترض أن تقوم عليه الدولة الفلسطينية.

ثلاث سنوات أعادت ترتيب الأسئلة

لم ينهِ 7 أكتوبر القضية الفلسطينية، ولم يحسم مستقبلها، لكنه أعاد ترتيب الأسئلة التي تحيط بها، فبعد أن ظل الصراع لسنوات يُدار في كثير من الأحيان باعتباره ملفًا تفاوضيًا بين طرفين، عادت أسئلة الاحتلال والاستيطان وتقرير المصير والدولة الفلسطينية إلى مركز النقاش الدولي.

وفي المقابل، كشفت الحرب حجم الفجوة بين الاعتراف السياسي والواقع على الأرض؛ فالدولة التي يعترف بها عدد متزايد من دول العالم لا تزال تواجه احتلالًا واستيطانًا وتهجيرًا وواقعًا ميدانيًا يحول دون تجسيد سيادتها.

Exit mobile version