Site icon Palestinealyoum

وثائق وسندات مدفونة تحت الركام.. الغزيون يخوضون معركة أخرى

وثائق

خاص المركز الفلسطيني للإعلام

لا يواجه الفلسطينيون في قطاع غزة بعد الحرب معركة إعادة بناء منازلهم المدمرة فحسب، بل معركة أخرى أكثر تعقيدًا تتمثل في إثبات ملكيتهم للأراضي والعقارات التي كانت لهم، بعدما اختفت تحت الأنقاض وثائق وسجلات أساسية تثبت هذه الحقوق.

وتسلط صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية الضوء على هذه الأزمة، مشيرة إلى أن تدمير أحياء كاملة في القطاع لم يمحُ المنازل فحسب، بل أزال أيضًا جزءًا من الأدلة التي تثبت ملكية الأراضي، بما في ذلك سندات الملكية والعقود وفواتير الخدمات والتراخيص.

وتنقل الصحيفة قصة محمد الآغا، الذي يستطيع من نافذة غرفته المستأجرة رؤية كومة من الغبار الخرساني والأثاث المحطم الذي كان منزله، فيما لا تزال تحت الأنقاض وثيقة ملكية الأرض التي شيد عليها المنزل مع أشقائه.

وبعد تدمير المنزل، خشي الآغا ألا يتمكن من إثبات ملكيته للأرض، لكنه حصل لاحقًا على وثيقة جديدة مختومة من بلدية خان يونس، استندت إلى سجلات عقارية رقمية كانت قد قُدمت مع طلب تخطيط قبل سنوات، وتضمنت رقم الأرشيف وقطعة الأرض والتقسيم والحي، إضافة إلى المساحة الدقيقة لكل طابق انهار.

وقال الآغا إن الوثيقة “تثبت أن لنا حقًا في هذا المكان”.

وثائق تختفي مع الأنقاض

توضح الصحيفة أن أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين فقدوا أوراقهم أثناء فرارهم من مناطقهم، فيما لم يمتلك آخرون وثائق رسمية أصلًا. ومع تدمير أحياء بأكملها وتحول معالمها إلى ركام، أصبح من الصعب أحيانًا على السكان أنفسهم التعرف إلى المكان الذي كانت توجد فيه منازلهم.

وتشير الصحيفة إلى أن نحو 1.9 مليون شخص من أصل أكثر من مليوني نسمة في القطاع نزحوا، فيما ترك كثيرون أوراقهم خلفهم أثناء عمليات النزوح.

ومع استمرار السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من غزة، تزداد أهمية إثبات الملكية، خصوصًا في ظل طرح خطط تتعلق بإقامة مجمعات سكنية ومواقع عسكرية ومشروعات مستقبلية في مناطق تخضع للسيطرة الإسرائيلية.

ولهذا السبب، بدأ فلسطينيون بجمع أي وثيقة يمكن أن تساعد في إثبات حقوقهم، من فواتير المياه والكهرباء إلى إيصالات ضريبة الأملاك، والصور ومقاطع الفيديو وشهادات الجيران وأفراد المجتمع.

محامون في سباق مع الزمن

ويقول محمد السقا، وهو محامٍ للمساعدة القانونية في “مركز التنمية والإعلام المجتمعي” في غزة، إن استعادة الأدلة أصبحت مسألة عاجلة، محذرًا من أن الخدمات البيروقراطية المحدودة المتبقية في القطاع قد تختفي، كما قد يختفي الأشخاص الذين يحتفظون بعقود ووثائق مهمة.

ويشير السقا إلى أن الفلسطينيين عرفوا أهمية الاحتفاظ بالأدلة منذ عقود، مستحضرًا احتفاظ الأجداد بمفاتيح منازلهم التي هُجّروا منها عام 1948، بوصفها رمزًا لحق العودة.

ويقول إن هناك حاجة لإثبات الحق في الأرض، لأن الأوضاع قد تتغير بصورة جذرية، مع وجود مخاوف من التهجير القسري وطرد السكان من منازلهم والاستيلاء الدائم على مناطق في القطاع.

وتعمل فرق من المحامين ومؤسسات محلية ومنظمات إغاثة على جمع الأدلة، وفق معايير إثبات جرى الاتفاق عليها ضمن مجموعة عمل دولية.

أرشيف الأراضي تحت القصف

وتزداد صعوبة المهمة بعدما دُمرت نسبة كبيرة من الأرشيفات الورقية في غزة، ما دفع عمليات البحث إلى التركيز على المؤسسات التي قامت برقمنة سجلاتها قبل الحرب.

وتصف الصحيفة نظام ملكية الأراضي في غزة بأنه معقد، نتيجة تعاقب أنظمة الحكم العثمانية والمصرية والبريطانية والفلسطينية، إذ لا تزال بعض الأراضي مسجلة بأسماء تعود إلى الإدارة المصرية، بينما حصل آخرون على أراضٍ من خلال اتفاقيات تقسيط قديمة تعود إلى خمسينيات القرن الماضي.

كما تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى ثلث حيازات الملكية الخاصة قد لا يكون مسجلًا لدى “الطابو”، وهي الجهة التي تحتفظ بسجلات الملكية العقارية.

وتقول سماح محيسن، من الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية في غزة، إن برنامجًا قانونيًا يساعد السكان على جمع الأدلة، بما في ذلك الحالات التي تكون فيها ملكية الأرض معقدة، بهدف الوصول في النهاية إلى سجل قانوني يمكن أن يشمل حتى الأشخاص الذين لم يمتلكوا وثائق رسمية سليمة قبل الحرب.

عندما تصبح فاتورة الكهرباء دليل ملكية

ومع فقدان سند الملكية، يمكن لأصحاب العقارات اللجوء إلى شهادة مالية من مديرية ضريبة الأملاك، وإذا تعذر الحصول عليها، يمكن جمع مجموعة من الأدلة البديلة.

ومن بين هذه الأدلة فواتير الكهرباء، والصور ومقاطع الفيديو التي تظهر العقار، وشهادات الجيران السابقين، وإفادات موقعة من قادة المجتمع المحلي.

ويقول محمود الحور، منسق المساعدة القانونية في “جمعية خريجات غزة”، إن فريقه وضع مختصين قانونيين بصورة يومية في هيئة الأراضي والمحاكم المتبقية والبلديات، للبحث عن أي وثيقة يمكن أن تساعد في إثبات الملكية.

وفي بعض الحالات، لجأ المحامون إلى قرارات قضائية قديمة تتعلق بالعقارات، وفواتير اشتراكات الإنترنت، وحتى سجلات المخالفات البلدية.

ويشرح الحور أن مخالفة قديمة تتعلق بإلقاء النفايات في المكان الخطأ أو تربية الدجاج داخل منزل يمكن أن تتحول اليوم إلى جزء من الأدلة التي تثبت وجود الشخص في العقار.

أرشيف عثماني أُحرق للتدفئة

وكانت هيئة الأراضي في غزة تحتفظ بالدفاتر والسجلات الأصلية الخاصة بالملكية، لكن جزءًا كبيرًا من مقرها دُمر جراء القصف.

وينقل التقرير عن عماد الباز، رئيس هيئة الأراضي، أن الهيئة كانت تحتفظ بسجلات الملكية في كتب كبيرة، وأن أجزاء واسعة من مقرها تعرضت للدمار.

كما يقول نضال جرادة، المستشار القانوني في برنامج الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، إنه رأى خلال الحرب نازحين يحتمون قرب الهيئة ويحرقون سجلات تعود إلى العهد العثماني لاستخدامها في التدفئة والطهي.

ويؤكد الباز أن بعض الأوراق المتبقية أُحرقت بالفعل.

لكن المفارقة المهمة أن هيئة الأراضي كانت قد أنجزت نسخة رقمية كاملة من سجلاتها قبل الحرب بسبعة أشهر فقط، وهو ما قد يشكل طوق نجاة قانونيًا لآلاف أصحاب الأراضي.

وعاد عدد محدود من موظفي الهيئة إلى العمل في يناير، وتمكن عدد من المحامين منذ ذلك الحين من الحصول على نسخ من سندات الملكية لعملائهم.

محاولات لإعادة بناء “خريطة الملكية”

غير أن حجم الخسائر لا يزال هائلًا؛ فقد دمرت الغارات مكاتب محامين ونقابة المحامين، ما أدى إلى فقدان عقود ورقية امتدت لعقود وكانت تشكل أدلة مهمة على الملكية.

وفي الحالات التي يستحيل فيها العثور على الوثائق الأصلية، يحاول المحامون بناء ملف ملكية من مجموعة من الأدلة الصغيرة، بحيث يصبح كل ملف أشبه بقطعة أحجية.

ويقول المحامي المستقل سعيد علوان إن أحد الملفات التي تعامل معها شمل شخصًا فقد جميع سجلات ملكيته خلال الحرب، فبدأ البحث في نقابة المحامين، ثم هيئة الأراضي، ثم البلدية، قبل أن يلجأ إلى قائد المجتمع المحلي والجيران الذين وافقوا على الإدلاء بشهاداتهم.

ولا يقتصر الهدف من هذه الجهود على حماية الحقوق القانونية في المستقبل، بل يمتد إلى منع نشوب نزاعات بين الجيران إذا تمكن السكان من العودة إلى المناطق التي دُمرت، بعدما اختفت الحدود والمعالم التي كانت تفصل بين العقارات.

ويقول جرادة إن هذه الجهود تمثل أيضًا وسيلة لحماية الفلسطينيين والحفاظ على التماسك الاجتماعي، معتبرًا أن تفكك المجتمع أحد المخاطر التي تهدد غزة.

جباليا.. مفتاح العودة تحت الأنقاض

وتكتسب قضية الملكية في مخيمات اللاجئين خصوصية إضافية، إذ إن العقارات هناك تُباع وتشترى عمليًا، لكنها لا تكون مسجلة بالطريقة نفسها لدى “الطابو”.

ومن بين هؤلاء ميسرة دنيال، البالغ من العمر 38 عامًا، والذي كان يعمل سائق سيارة أجرة قبل الحرب ويعيش في شقة مساحتها 140 مترًا مربعًا في مخيم جباليا قبل أن تُدمر.

وعاشت عائلته في المخيم منذ أن أصبح أجداده لاجئين عام 1948، بعدما هُجّروا من يبنا.

وحمل أفراد العائلة معهم مفتاح منزلهم القديم على أمل العودة إليه يومًا ما.

لكن دنيال لا يستطيع اليوم الوصول إلى منزله في جباليا، لأنه يقع في المنطقة الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، فيما قد يكون مفتاح عائلته القادم من يبنا لا يزال تحت أنقاض المبنى المدمر.

وكان يعرف أن إثبات الملكية في المخيم يمكن أن يعتمد على فواتير الخدمات وشهادة اللجنة الشعبية التي كانت تدير المنطقة، لكنه لم يكن يمتلك حتى هاتفًا ذكيًا.

وبالنسبة إليه، لا تكمن المشكلة فقط في وجود وثيقة أو غيابها، إذ يرى أن القوة العسكرية قد تتجاوز أي إثبات قانوني.

ويقول، في إشارة إلى الاستيلاء الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، إن إسرائيل قد تعرف أن هذا ليس منزلها، لكنها تأخذه بالقوة، مضيفًا أن الاستيلاء يمكن أن يستمر حتى لا يبقى شيء.

وهكذا، تتحول ملكية الأرض في غزة إلى معركة قانونية وإنسانية موازية لمعركة إعادة الإعمار: فالفلسطيني الذي فقد منزله تحت القصف يحتاج أولًا إلى إثبات أن الأرض التي سيُعاد بناء منزله عليها هي أرضه أصلًا.

وفي ظل استمرار الاحتلال والسيطرة على أجزاء من القطاع، تصبح مهمة استعادة السجلات وحفظ الأدلة أكثر من مجرد إجراء قانوني؛ إنها محاولة لمنع ضياع حقوق الفلسطينيين في الأرض مع ضياع بيوتهم تحت الأنقاض.

Exit mobile version