
غزة – المركز الفلسطيني للإعلام
تتجه أجزاء من المنظومة الصحية والإنسانية في قطاع غزة إلى مزيد من التراجع، مع اضطرار مؤسسات دولية وإنسانية إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتقليص بعض خدماتها تحت ضغط نقص التمويل والإمدادات، في وقت لم يعد فيه القطاع المنهك قادراً على تحمل خسارة أي مرفق صحي أو خدمة إغاثية إضافية.
وتلقى عدد من المراكز الصحية غير الحكومية والأهلية في غزة إشعارات تفيد باحتمال توقف إمدادات الوقود التي توفرها منظمة الصحة العالمية لها بعد 19 سبتمبر الجاري، وفق ما أفاد به مدير جمعية الإغاثة الطبية في القطاع محمد أبو عفش، في تصريح خاص لـ”وكالة سند للأنباء”.
وقال أبو عفش إن القرار، في حال تنفيذه، قد يؤدي إلى توقف أو تعطل الخدمات في نحو سبعة مراكز صحية، موضحاً أن بعض المؤسسات تلقت إشعارات رسمية بالفعل، فيما لم تتلق أخرى مثل هذه الإخطارات حتى الآن، مع وجود مخاوف من امتداد التقليص إلى مرافق إضافية، بينها جمعية الإغاثة الطبية.
ولا يتعلق الأمر، بحسب أبو عفش، بالمستشفيات الحكومية والعامة، وإنما بمراكز ومستشفيات ومؤسسات صحية أهلية وغير حكومية، إلا أن ذلك لا يقلل من خطورة التداعيات، نظراً إلى أن هذه المرافق تؤدي دوراً أساسياً في إسناد المستشفيات العامة التي تعمل أصلاً تحت ضغط هائل وبإمكانات محدودة.
سلسلة خدمات مهددة
تستقبل المؤسسات الصحية الأهلية والخاصة آلاف المرضى، وتقدم خدمات تخصصية وعمليات جراحية وفحوصاً وعلاجات تسهم في تخفيف العبء عن المستشفيات الحكومية، وبالتالي، فإن خروج أي مركز جديد من الخدمة يعني دفع أعداد إضافية من المرضى نحو مرافق عامة تكافح أصلاً لتلبية الاحتياجات المتراكمة.
ويحذر “أبو عفش” من أن فقدان هذه المراكز لن يكون مجرد خسارة لخدمات منفردة، بل سيؤدي إلى مزيد من الضغط على المستشفيات المركزية، وتأجيل عمليات جراحية وفحوص تشخيصية وعلاجات يحتاج إليها مرضى بصورة عاجلة.
ويعمل النظام الصحي في غزة منذ الحرب بإمكانات شديدة الانخفاض مقارنة بما كان عليه قبلها، في ظل تدمير واسع للمنشآت والأقسام الطبية، ونقص الأجهزة والأدوية والمستهلكات والكوادر، الأمر الذي يجعل أي تقليص جديد في الخدمات الصحية ذا أثر مضاعف على المرضى.
ويشير “أبو عفش” إلى أن مستشفيات مركزية، بينها مجمع الشفاء الطبي ومجمع ناصر، تتحمل أعباء تفوق قدرتها التشغيلية، خصوصاً بعد خروج المستشفى الأوروبي عن الخدمة، ما يجعل المؤسسات الصحية المساندة جزءاً لا يمكن الاستغناء عنه من شبكة الرعاية الطبية في القطاع.
الوقود.. شريان لا يمكن تعويضه
ولا تقتصر خطورة أزمة الوقود على تشغيل سيارات الإسعاف أو نقل المرضى، إذ تعتمد المرافق الصحية بصورة أساسية على المولدات لتوفير الكهرباء اللازمة لتشغيل غرف العمليات وأجهزة العناية والمختبرات وثلاجات حفظ الأدوية واللقاحات وغيرها من الخدمات الحيوية.
وبالتالي، فإن تقليص الوقود يعني عملياً تقليص القدرة على تقديم الرعاية، حتى في المرافق التي ما زالت أبنيتها وأجهزتها قادرة على العمل.
وتشير الأمم المتحدة في أحدث تقاريرها إلى أن النقص في زيت المحركات وقطع الغيار والقيود على إدخالها يهدد خدمات تعتمد على المولدات، بينها المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية وبنوك الدم، إلى جانب آبار المياه ومحطات التحلية والصرف الصحي.
ومنذ الأول من مارس لم تتم الموافقة على إدخال سوى 13,445 لتراً من زيت المحركات، بينما بقي 92,778 لتراً بانتظار الموافقة، بينها أكثر من 22 ألف لتر مخصصة للخدمات الصحية.
وهكذا، تتحول أزمة الوقود من مشكلة لوجستية إلى عامل يهدد سلسلة واسعة من الخدمات الأساسية، من الصحة والمياه والصرف الصحي إلى نقل المساعدات والتخلص من النفايات.
ولا تنفصل أزمة الوقود عن أزمة أوسع تتعلق بتمويل الاستجابة الإنسانية في غزة، ففي يونيو الماضي، قالت OCHA إن نقص التمويل أجبر بعض الشركاء الإنسانيين على تقليص أو تعليق خدمات حيوية، فيما بدأت جهات أخرى في تقليص عملياتها أو فقدت القدرة على التخطيط والاستجابة بالمستوى المطلوب.
وشملت التأثيرات خدمات المياه والوجبات وإدارة مواقع النزوح وحماية الأطفال والدعم النفسي والاجتماعي والخدمات المخصصة للنساء والفتيات.
ومع استمرار الأزمة، لم تعد المشكلة مرتبطة فقط بحجم الاحتياجات، بل بقدرة المؤسسات التي تقدم الاستجابة نفسها على مواصلة العمل، وهذا ما يجعل أي فجوة تمويلية جديدة تنعكس مباشرة على السكان الذين يعتمدون بدرجات كبيرة على المساعدات والخدمات الإنسانية.
وفي أحدث تقرير لها، قالت OCHA إن نقص التمويل والقيود المفروضة على إدخال المواد والمعدات الأساسية يحدان بشدة من قدرة الشركاء الإنسانيين على تحسين الظروف في مواقع النزوح والاستعداد لموسم الأمطار، فيما تظل الخدمات الصحية والمائية والصرف الصحي تحت ضغط متواصل.
وتزداد خطورة هذا المسار في قطاع صحي لم يعد يملك الكثير من هوامش المناورة. فوفق منظمة الصحة العالمية، ظل النظام الصحي في غزة شديد التدهور خلال 2026، مع استمرار تضرر البنية التحتية والقيود على الوصول والإمدادات، فيما أظهرت بيانات نظام مراقبة الموارد والخدمات الصحية للمنظمة أن مرافق تقديم الخدمات لا تزال تواجه عوائق كبيرة أمام توفير الرعاية الأساسية.
وفي يوليو المنصرم، حذرت OCHA من أن نقص التمويل أدى إلى نقص أدوية أساسية، بينها الإنسولين وأدوية أمراض القلب، إلى جانب انخفاض مخزونات مستلزمات غسيل الكلى ومواد القسطرة القلبية، ما يحد من قدرة المرافق على تقديم خدمات تخصصية لمرضى يحتاجون إليها بصورة منتظمة.
وتكشف أزمة المراكز الصحية الأهلية أن الخطر الذي يواجه غزة لم يعد محصوراً في احتمال خروج مستشفى كبير من الخدمة، بل بات يتعلق بتآكل شبكة الخدمات المحيطة بالمستشفيات، وهي الشبكة التي تساعد في توزيع المرضى وتوفير الرعاية الأولية والتخصصية والعمليات والفحوص.
ومع كل مركز يتوقف، تنتقل أعباؤه إلى مرافق أخرى؛ ومع كل خدمة تُقلص، تتسع قائمة المرضى المنتظرين، فيما تتراجع قدرة النظام الصحي بأكمله على الاستجابة للاحتياجات الجديدة.
وبذلك، تبدو غزة أمام مفارقة قاسية، الاحتياجات الإنسانية والصحية تتسع، بينما تتقلص في المقابل قدرة الجهات التي تقدم الخدمات على تمويل عملياتها وتأمين الوقود والمستلزمات اللازمة لاستمرارها.

