Site icon Palestinealyoum

أنقذا ذاكرة غزة من تحت الركام.. فلسطينيان يحصدان جائزة اليونسكو لذاكرة العالم

في الوقت الذي كانت فيه القذائف الإسرائيلية تدمر أحياء غزة وتطمس معالمها التاريخية، كانت المهندسة حنين العمصي تبحث بين أنقاض حي الشجاعية عن أوراق ومخطوطات وصور نجت من القصف، مدركة أن إنقاذ وثيقة واحدة يعني الحفاظ على جزء من ذاكرة مدينة تتعرض ملامحها للاندثار.

ومن بين الركام، تحولت مهمة إنقاذ التراث إلى عمل محفوف بالموت، قادته العمصي، المديرة التنفيذية لمؤسسة عيون على التراث، إلى جانب المؤرخ الدكتور عبد اللطيف أبو هاشم، المدير السابق لدائرة المخطوطات والآثار والمكتبات، في مسار انتهى بفوزهما بجائزة اليونسكو/جيكجي لذاكرة العالم لعام 2026، بحسب الجزيرة.

وجاء التكريم بإجماع لجنة التحكيم، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ إطلاق الجائزة عام 2004، إذ منحت لفردين معًا، تقديرًا لجهودهما في حماية التراث الوثائقي الفلسطيني خلال الحرب. وأقيم حفل التكريم في مدينة تشونغجو الكورية الجنوبية في الرابع من أيلول/سبتمبر، ضمن فعاليات يوم جيكجي.

لم يكن اختيار العمصي وأبو هاشم وليد إنجاز عابر، إذ ارتبط بتأسيس أول مختبر متخصص لترميم المخطوطات في قطاع غزة، إلى جانب إعداد أساليب وبروتوكولات طارئة لحماية الوثائق والمقتنيات التراثية خلال النزاعات.

وأسهمت جهودهما في رقمنة وحفظ 228 مخطوطة نادرة، وإنقاذ نحو 8 آلاف كتاب، فضلًا عن ترميم 25 ألف صفحة من التراث المخطوط، ويعود جانب كبير من هذه المواد إلى الحقبتين المملوكية والعثمانية، بما تحمله من قيمة تاريخية وثقافية بالنسبة إلى غزة وفلسطين.

وتطلبت عمليات الإنقاذ الميداني العمل في ظروف قاسية، إذ قادت العمصي فريقًا مؤلفًا من 11 متطوعًا، وكانت المرأة الوحيدة بينهم في مواقع قريبة من الخط الأصفر الخاضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.

ومع غياب المعدات الثقيلة والنقص الحاد في مواد الترميم الأساسية، اضطر الفريق إلى العمل وسط الأنقاض وتحت خطر الاستهداف، محاولًا انتشال ما يمكن إنقاذه قبل أن تطاله أضرار إضافية.

وتقول العمصي إن الوقوف مكتوفي الأيدي أمام تراث مهدد بالاندثار لم يكن خيارًا، معتبرة أن إخراج وثيقة من تحت الركام يمثل إنجازًا في حرب لا تطال الإنسان والمكان فحسب، وإنما تهدد أيضًا الذاكرة التي تحفظ تاريخ المدينة.

وراء هذا الإنجاز قصة طويلة من العمل في مجال حفظ الذاكرة الفلسطينية. فقد أمضى أبو هاشم نحو 35 عامًا في جمع الأرشيفات الشخصية والعائلية وإنقاذ الوثائق القديمة، متنقلًا بين منازل سكان غزة لتعريفهم بقيمة ما يحتفظون به من أوراق ومخطوطات وتحويلها من مقتنيات عائلية إلى جزء من الذاكرة الوطنية.

أما العمصي، فبدأ ارتباطها بهذا المجال من صندوق خشبي احتوى على مخطوط جذب انتباهها، وحين سألت أبو هاشم عن محتواه، عرّفها إلى ما كان يعرف باسم المصحف الأسير.

وتعود حكاية المصحف إلى الحرب العالمية الأولى، عندما استولى جندي بريطاني عليه من مكتبة الجامع العمري الكبير في غزة إعجابًا بجمال خطه. وانتقل المصحف لاحقًا إلى صديق للجندي، قبل أن يعيده برسالة اعتذار إلى وزارة الأوقاف الفلسطينية، التي أعادته بدورها إلى غزة.

كان ذلك الاكتشاف نقطة تحول بالنسبة إلى العمصي، التي أدركت أن المخطوطات لا تمثل مجرد أوراق قديمة، وإنما تحمل بين صفحاتها قصص مدينة وهوية مجتمع وذاكرة أجيال متعاقبة.

تصف العمصي بحسرة حجم التغير الذي أصاب غزة خلال الحرب، بعدما تعرضت الكنائس والزوايا والمقابر والجوامع التاريخية والبيوت الأثرية لأضرار جسيمة، فيما اختفت أجزاء من المشهد العمراني الذي شكّل ذاكرة المدينة لعقود طويلة.

وترى أن الخسارة لا تتعلق فقط بتدمير المباني والمواقع، وإنما بانتزاع فرصة الأجيال الجديدة في التعرف إلى تاريخ مدينتهم ومعالمها، وهو ما يجعل الذاكرة الجماعية نفسها عرضة لخطر الانقطاع.

ورغم نجاح جهود الإنقاذ في حماية آلاف الصفحات والمخطوطات والكتب، لا تزال عملية الحفاظ على ما تم انتشاله تواجه مخاطر كبيرة، إذ يبقى أرشيف مؤسسة عيون على التراث مهددًا داخل أنقاض برج الغفري، المكون من 18 طابقًا، والذي تعرض للاستهداف الإسرائيلي.

وتخشى العمصي أن يؤدي أي استهداف جديد للموقع إلى فقدان الأرشيف الذي نجا من الحرب، لتعود المخطوطات والوثائق التي أفلتت من القصف إلى دائرة الخطر من جديد.

وفي غزة، تبدو معركة إنقاذ الوثائق امتدادًا لمعركة الحفاظ على الوجود والهوية؛ فالمباني التي تهدمت يمكن إعادة بنائها، والركام يمكن إزالته، لكن فقدان مخطوطة أو وثيقة يعني فقدان قصة تاريخية لا يمكن استعادتها.

ولهذا، لم تعد جهود العمصي وأبو هاشم مجرد مشروع لترميم الكتب وحفظ الأوراق، بل أصبحت محاولة لإنقاذ ذاكرة مدينة بأكملها، وإبقاء صفحات من تاريخ غزة حية رغم الحرب التي حاولت أن تطمس الإنسان والمكان والأثر.

Exit mobile version