Site icon Palestinealyoum

إجماع في إسرائيل على الحرب والاحتلال.. ليس مهمًا من يحكم

المركز الفلسطيني للإعلام

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية العامة المقررة بعد نحو شهرين، تتجه الأنظار إلى مصير رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، في ظل استطلاعات ترجّح خسارة معسكره الأغلبية البرلمانية، مقابل صعوبة واضحة أمام أحزاب المعارضة الصهيونية في تشكيل ائتلاف بديل قادر على تجاوز حاجز الـ61 مقعدًا.

وبينما ينشغل المشهد السياسي الإسرائيلي بحسابات المقاعد والتحالفات وفرص نتنياهو في البقاء أو الرحيل، تشير مواقف القوى السياسية الرئيسية إلى أن التغيير المحتمل في هوية الحكومة لا يعني بالضرورة تغييرًا جوهريًا في السياسة تجاه الفلسطينيين، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية.

فالخلافات بين الأحزاب الإسرائيلية، وفق المواقف المعلنة، تدور بدرجة كبيرة حول إدارة الحرب وشكل الحكم ومستقبل نتنياهو، أكثر مما تدور حول إنهاء الاحتلال أو الاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة.

نتنياهو أمام مأزق انتخابي

وتشير الاستطلاعات الإسرائيلية منذ فترة إلى تراجع قوة أحزاب الائتلاف الحالي، وسط تقديرات بأن مجموع مقاعدها قد لا يتجاوز 50 مقعدًا في الانتخابات المقبلة، وهو ما يجعل حصول نتنياهو على أغلبية تتيح له تشكيل حكومة جديدة أمرًا صعبًا.

لكن خسارة معسكر نتنياهو للأغلبية لا تعني بالضرورة خروجه الفوري من الحكم، إذ إن عدم تمكن أحزاب المعارضة الصهيونية من جمع 61 مقعدًا قد يبقيه في موقع رئيس حكومة تصريف أعمال إلى حين إجراء انتخابات جديدة.

ويواجه حزب الليكود، الذي يقوده نتنياهو، مشكلات داخلية متزايدة. فقد أفرزت الانتخابات التمهيدية الأخيرة قائمة مرشحين موالية له، في وقت تراجعت فيه نسبة المشاركة إلى 53.5%، وسط اتهامات بتزوير النتائج، ما يثير مخاوف داخل الحزب من انخفاض الحماس التنظيمي والانتخابي في الاستحقاق العام.

ويبدو أن نتنياهو نفسه يدرك حجم المأزق، إذ نقلت هيئة البث العام الإسرائيلية “كان” عنه قوله في محادثات مغلقة: “خسرنا عشرة مقاعد، ولا أعرف كيف نستعيدها”، مضيفًا أنه إذا لم يحدث تغيير فإن الليكود سيخسر الانتخابات المقبلة.

ولا تقتصر مشكلات الائتلاف على الليكود، إذ تراجع حزب شاس في الاستطلاعات، بينما يهدد دخول الضابط في الاحتياط عوفر فينتر إلى المعركة الانتخابية بتشتيت أصوات اليمين الديني، بما قد يعرض حزب الصهيونية الدينية برئاسة بتسلئيل سموتريتش لخطر عدم تجاوز نسبة الحسم.

صراع داخل اليمين.. لكن دون تغيير في جوهر السياسة

ويكشف دخول فينتر إلى السباق الانتخابي عن أزمة إضافية داخل معسكر اليمين، بعدما فشلت محاولات دفعه إلى التحالف مع سموتريتش.

ويطرح فينتر خطابًا يمينيًا متطرفًا تجاه الفلسطينيين، إذ أعلن رفضه قيام دولة فلسطينية، وقال إن الحل في قطاع غزة هو “الهجرة”، في إشارة إلى تهجير سكان القطاع.

لكن اللافت أن مواقف كهذه لا تبدو استثناءً داخل الخارطة السياسية الإسرائيلية، بل تتقاطع مع مواقف قوى موجودة في المعارضة أيضًا.

فغادي آيزنكوت، الذي يسعى إلى الوصول إلى رئاسة الحكومة، أعلن صراحة أنه لا يؤيد قيام دولة فلسطينية، وقال إن الحكومة التي سيشارك في تشكيلها لن تقيم دولة فلسطينية.

أما نفتالي بينيت، رئيس قائمة “بياحد”، فلا يرفض إقامة دولة فلسطينية فحسب، بل يعارض أيضًا ما يسمى “عملية سياسية” مع الفلسطينيين، فيما يتبنى أفيغدور ليبرمان، زعيم “يسرائيل بيتينو”، مواقف يمينية مشابهة.

حتى يائير غولان، الذي يحاول تقديم نفسه بوصفه أكثر اعتدالًا من بقية القوى الصهيونية، يتحدث عن “الانفصال” عن الفلسطينيين بدلًا من إقامة دولة فلسطينية، معتبرًا أن التحدي بالنسبة لإسرائيل هو تجنب ضم ملايين الفلسطينيين مع الإبقاء على السيطرة الإسرائيلية.

وبذلك، تبدو الخلافات بين القوى السياسية الإسرائيلية مرتبطة بصورة أساسية بكيفية إدارة الصراع، وليس بإنهائه.

غزة والضفة خارج حسابات التغيير

في ظل هذا الواقع، تبدو الانتخابات الإسرائيلية أقرب إلى معركة على هوية القيادة وشكل الائتلاف المقبل منها إلى استفتاء على الحرب والاحتلال، وفق متابعين.

فحتى القوى التي تسعى إلى إزاحة نتنياهو لا تطرح، وفق مواقفها المعلنة، تصورًا واضحًا لإنهاء الاحتلال في الضفة الغربية أو الاعتراف بدولة فلسطينية، بينما يستمر الإجماع الواسع على رفض قيام هذه الدولة.

وفي قطاع غزة، لا تظهر في الخطاب السياسي الإسرائيلي مؤشرات واضحة على تحول جذري نحو إنهاء الحرب أو معالجة أسباب الصراع، خصوصًا مع استمرار المؤسسة العسكرية في الدفع باتجاه مواصلة العمليات.

وعليه، فإن خروج نتنياهو من الحكم، في حال تحقق، قد يمثل تحولًا سياسيًا مهمًا داخل إسرائيل، لكنه لا يعني بالضرورة تحولًا في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.

القتل في الضفة.. سياسة تتجاوز الحكومات

وتظهر المعطيات المتعلقة بالضفة الغربية أن الأمر لا يرتبط فقط بالحكومة الحالية، وإنما بسياسات وممارسات أوسع داخل المؤسسة العسكرية والمجتمع السياسي الإسرائيلي.

وبحسب تقرير لمنظمة “بتسيلم”، قتلت القوات الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى 7 يونيو/حزيران الماضي 235 طفلًا وفتى فلسطينيًا في الضفة الغربية، إضافة إلى خمسة أطفال قتلهم مستوطنون.

وخلال العام الأخير وحده، قُتل 54 طفلًا وفتى فلسطينيًا برصاص القوات الإسرائيلية، بينهم أطفال في أعمار صغيرة.

وتقول المنظمة إن هذه الأرقام تأتي في سياق سياسة إطلاق نار أكثر تساهلًا، مستشهدة بتصريحات قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي أفي بلوط، الذي قال إن القوات “تقتل مثلما لم تقتل أبدًا منذ العام 1967”.

وفي المقابل، تؤكد “بتسيلم” أن الرواية الإسرائيلية التي تصف معظم الضحايا بأنهم “إرهابيون” لا تتطابق مع توثيق ظروف عمليات القتل، مشيرة إلى أن الاحتلال يستخدم هذه التوصيفات حتى في حالات لا يكون فيها الضحايا منتمين إلى تنظيمات مسلحة أو يشكلون خطرًا مباشرًا وقت قتلهم.

حصانة من العقاب

ولا تقف المسألة عند حدود عمليات القتل، إذ تشير منظمات حقوقية إسرائيلية إلى غياب شبه كامل للمحاسبة عن الجرائم التي يرتكبها الجنود والمستوطنون بحق الفلسطينيين.

وبحسب منظمة “ييش دين”، لم يُعرف منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 عن تقديم لوائح اتهام بحق جنود إسرائيليين أو مستوطنين على خلفية جرائم قتل فلسطينيين.

وترى المنظمة أن هذه الحصانة لا تقتصر على الجانب القضائي، وإنما تعكس ما تصفه بـ”حصانة عامة” يستفيد منها منفذو جرائم قتل الفلسطينيين، في ظل عدم اكتراث قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي بهذه الجرائم.

وتربط المنظمة بين تصاعد قتل الأطفال في الضفة الغربية والعدد الهائل من الأطفال الفلسطينيين الذين قُتلوا في قطاع غزة، معتبرة أن استمرار هذا الواقع دون تحول سياسي أو مجتمعي إسرائيلي جدي يعكس اتساع دائرة نزع الإنسانية عن الفلسطينيين.

الانتخابات قد تغيّر نتنياهو.. لكنها لن تغيّر المعادلة

ومع اقتراب موعد الانتخابات، تبدو إسرائيل أمام احتمالين أساسيين: إما أن يتمكن نتنياهو من إعادة بناء معسكره وتشكيل حكومة جديدة، أو أن يفشل في ذلك وتنتقل مهمة تشكيل الحكومة إلى منافسيه.

لكن كلا الاحتمالين لا يضمن تغييرًا جوهريًا في التعامل مع القضية الفلسطينية.

فالمواقف المعلنة لعدد من أبرز قادة المعارضة تشير إلى استمرار رفض قيام دولة فلسطينية، بينما لا يزال الاحتلال والاستيطان والسيطرة العسكرية على الضفة جزءًا راسخًا من السياسة الإسرائيلية، في وقت تستمر فيه الحرب على غزة دون مؤشرات سياسية كافية على نهايتها.

وبذلك، قد تكون الانتخابات المقبلة قادرة على تغيير اسم رئيس الحكومة وتركيبة الائتلاف، لكنها لا تبدو حتى الآن قادرة على تغيير القاعدة الأوسع التي تحكم السياسة الإسرائيلية: استمرار السيطرة على الفلسطينيين، ومواصلة الحرب في غزة، وتكريس الاحتلال في الضفة الغربية.

المشكلة، وفق هذه المعطيات، ليست فقط في نتنياهو أو في الحكومة الحالية، وإنما في إجماع سياسي أوسع يجعل تغيير الأشخاص أسهل بكثير من تغيير السياسات.

Exit mobile version